تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

إيرلندا وإسرائيل… حين تغادر الروح الرياضية الملعب

سيرينا جمال دملج *

كان يفترض أن تكون تسعون دقيقة كافية لإنهاء مباراة كرة قدم. لكن تسعين دقيقة لم تكن كافية، هذه المرة، لإنهاء كل ما حمله المنتخبان الإيرلندي والإسرائيلي إلى الملعب.

في ملعب «TSC Arena» بمدينة باكا توبولا الصربية، انتهت المواجهة بالتعادل 1-1، لكن صافرة الحكم الأخيرة بدت وكأنها أنهت المباراة فقط، لا التوتر الذي أحاط بها. فمنذ اللقاء الأول بين المنتخبين، قبل أسبوع، تحولت المواجهتان إلى أكثر من منافسة رياضية، وأصبحت كرة القدم نفسها مسرحًا لامتدادات سياسية وإنسانية وإعلامية يصعب فصلها عن بعضها.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يطرح نفسه هنا ليس: من فاز؟ بل: ماذا يبقى من الروح الرياضية عندما يدخل الصراع السياسي إلى الملعب؟

حين تصبح المصافحة موقفًا سياسيًا

كانت الصورة الأولى واضحة قبل أن تبدأ المباراة. لا مصافحة تقليدية بين قائدي المنتخبين، ولا تبادل للرايات، فيما خفض لاعبو إيرلندا رؤوسهم أثناء النشيد الإسرائيلي، وارتدى لاعبو المنتخبين شارات سوداء، وإن كانت دلالات الشارات مختلفة لدى كل طرف.

في كرة القدم، تبدو المصافحة تفصيلًا صغيرًا. لكنها في العادة تحمل معنى أكبر: نحن خصمان، نعم، لكننا لسنا عدوين داخل الملعب.

هذه المرة غابت المصافحة، وكأن السياسة سبقت اللاعبين إلى أرض الملعب. ولم يكن ذلك جديدًا تمامًا. ففي المباراة الأولى، التي انتهت بفوز إيرلندا 3-0 في المجر، رفض اللاعبون الإيرلنديون أيضًا المصافحة، وخفضوا رؤوسهم أثناء النشيد الإسرائيلي، في مشهد ارتبط بمواقفهم من الحرب في غزة.

أما المنتخب الإسرائيلي، فدخل المباراة الثانية بشارات سوداء تخليدًا لضحايا هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

وهكذا أصبح لكل طرف ذاكرته وألمه وروايته. لكن الملعب لم يعد قادرًا على استيعابها باعتبارها مجرد رموز رياضية.

عندما ينتقل التوتر من الملعب إلى الصحافة

ربما كان المؤتمر الصحافي الذي سبق المباراة أكثر دلالة من المباراة نفسها. فبدل أن تنحصر الأسئلة في التشكيلة، والجاهزية، والخطة، والأهداف، انتقل صحافيون إسرائيليون إلى ملفات سياسية واتهامات مرتبطة بالمباراة الأولى.

وُجهت إلى لاعبي إيرلندا اتهامات باستخدام عبارات عنصرية تجاه لاعبين إسرائيليين، وهو ما نفاه مسؤول الإعلام الإيرلندي بصورة قاطعة، قبل أن ينتهي المؤتمر الصحافي بصورة مفاجئة.

وفي اليوم التالي، لم تكن الأسئلة الصحافية أقل توترًا من المباراة. وهنا ربما ينبغي أن نتوقف قليلًا. فالصحافة الرياضية يفترض أن تكون قادرة على الاقتراب من السياسة عندما تصبح السياسة جزءًا من الحدث، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تتحول المؤتمرات الرياضية إلى ساحات لمحاكمة سياسية.

من كرة القدم إلى غزة… ومن غزة إلى 7 أكتوبر

ليس من الممكن تجاهل السبب الذي جعل هذه المواجهات مختلفة عن مباراة عادية. فإيرلندا كانت قد شهدت دعوات إلى مقاطعة المباراتين، كما اتخذ الاتحاد الإيرلندي مواقف سياسية تجاه مشاركة إسرائيل في المسابقات الأوروبية. وفي المقابل، حمل المنتخب الإسرائيلي إلى الملعب ذاكرة هجمات السابع من أكتوبر، في وقت تستمر فيه الحرب والجدل الدولي حول غزة.

لا يمكن إذن أن نطلب من اللاعبين أن يدخلوا الملعب وكأن شيئًا يحدث خارج خطوطه. لكن يمكننا أن نطلب شيئًا آخر: أن تظل هناك خطوط لا ينبغي تجاوزها داخل الملعب. فالاحتجاج السياسي شيء. والإهانة شيء آخر. والخصومة الرياضية شيء. والتحول إلى عداء شخصي شيء مختلف تمامًا… وهنا تحديدًا تبدأ الروح الرياضية في الاختبار الحقيقي.

كرة القدم لا تحتاج إلى أن تنكر السياسة

قد يكون من غير الواقعي مطالبة الرياضيين بأن يكونوا بلا مواقف. فاللاعبون بشر، ولهم عائلات وذكريات ومخاوف وقناعات. ومن حق لاعب إيرلندي أن يتألم لما يحدث في غزة. ومن حق لاعب إسرائيلي أن يتذكر ضحايا السابع من أكتوبر.

لكن الرياضة اخترعت شيئًا مهمًا جدًا اسمه قواعد اللعبة. وهذه القواعد لا تمنع الاختلاف، بل تمنع الاختلاف من التحول إلى فوضى.

ولهذا فإن الروح الرياضية لا تعني أن يحب اللاعب خصمه، ولا أن يتفق معه سياسيًا، ولا أن يتخلى عن موقفه. إنها تعني شيئًا أبسط: أن يعرف كيف يختلف معه من دون أن ينزع عنه إنسانيته.

اتهام بالبصق… والاحتياط واجب

بعد المباراة، جاءت واقعة أخرى زادت المشهد توترًا. فقد اتهم داميان دويل، عضو الجهاز الفني الإيرلندي، لاعبًا إسرائيليًا بالبصق عليه أثناء توجه الفريقين إلى غرف الملابس بين الشوطين. لكن الواقعة بقيت، حتى الآن، في إطار الادعاء.

المدرب الإيرلندي هيمير هالغريمسون قال إن الأمر من اختصاص الجهات الانضباطية، بينما قال المدرب الإسرائيلي ران بن شمعون إنه لم يشاهد الواقعة، ولم يصدر الاتحاد الإسرائيلي تعليقًا عليها.

وهنا تبرز قاعدة أخرى من قواعد الروح الرياضية، لكنها تخص الصحافة هذه المرة: لا يجوز أن يتحول الادعاء إلى إدانة قبل أن تتوافر الأدلة.

المشكلة حين يصبح الخصم عدوًا

ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في قصة إيرلندا وإسرائيل. فالمباراة لم تعد مجرد مباراة لأن كل طرف دخلها وهو يحمل صورة مختلفة عن الطرف الآخر: الإيرلندي رأى في القميص الإسرائيلي امتدادًا لحكومة وسياسات وحرب. والإسرائيلي رأى في الموقف الإيرلندي عداءً لإسرائيل، وربما تهديدًا لحقه في أن يكون حاضرًا في المسابقة الرياضية.

وهنا تختفي الحدود بين الدولة والمنتخب واللاعب. لكن اللاعب ليس حكومته. والمنتخب ليس برلمان بلاده. والملعب ليس مجلس الأمن.

هل تستطيع كرة القدم أن تستعيد دورها؟

ربما لا تستطيع كرة القدم إنهاء حرب. ولا تستطيع مباراة واحدة أن تحل نزاعًا سياسيًا. لكنها تستطيع، في أفضل لحظاتها، أن تقدم نموذجًا صغيرًا لما يمكن أن يكون عليه الاختلاف.

لاعبان يتنافسان. أحدهما يفوز والآخر يخسر. ثم يتصافحان. ليس لأنهما أصبحا متفقين، بل لأنهما يعرفان أن المباراة انتهت.

المشكلة في مواجهتي إيرلندا وإسرائيل أن المباراة انتهت، لكن الخصومة لم تنتهِ. بل إن بعض ما جرى قبل المباراة وبعدها بدا وكأنه امتداد للمباراة نفسها.

ولهذا دعا هالغريمسون إلى عدم جمع المنتخبين مستقبلًا، معتبرًا أن الأجواء المحيطة بالمواجهتين كانت شديدة التوتر، فيما بقيت المسألة في يد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.

التعادل الذي لم يكن تعادلًا

انتهت المباراة 1-1. لكن التعادل على لوحة النتائج لا يعني أن كل شيء تعادل. لا تعادل بين المواقف السياسية، ولا بين الروايات التاريخية، ولا بين التجارب الإنسانية التي يحملها كل طرف.

والمطلوب ليس أن نبحث عن تعادل مصطنع في كل شيء. المطلوب فقط أن نحافظ على مساحة يمكن فيها للاختلاف أن يبقى اختلافًا.

ربما لهذا اخترعت الرياضة الروح الرياضية كي تقول لنا إن الخصم ليس بالضرورة عدوًا. وإن المنافسة لا تحتاج إلى كراهية. وإن المصافحة لا تعني المصالحة السياسية. وإن ارتداء القميص نفسه لا يعني امتلاك الحقيقة كلها.

المشكلة تبدأ عندما تصبح الذاكرة مبررًا لإلغاء الآخر، وعندما يصبح الخصم الرياضي امتدادًا للعدو السياسي، وعندما تتحول غرفة الصحافة إلى غرفة محاكمة، والملعب إلى ساحة لتصفية حسابات لا علاقة لها بكرة القدم.

ربما تحتاج إيرلندا وإسرائيل، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن تتذكرا أن المباراة يمكن أن تكون مساحة للاختلاف من دون أن تكون مساحة للكراهية. فكُرة القدم لا تستطيع أن توقف حربًا. لكنها تستطيع، ولو لمدة تسعين دقيقة، أن تمنحنا فرصة لرؤية الإنسان خلف القميص.

وقد يكون ذلك، في زمن تتداخل فيه السياسة بالرياضة إلى هذا الحد، هو الانتصار الوحيد الذي يستحق أن نسعى إليه. أما إذا غادرت الروح الرياضية الملعب، فلن تعود النتيجة مهمة كثيرًا، لأننا عندها، حتى لو انتهت المباراة بالتعادل، نكون قد خسرنا جميعًا.

*إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock