في صباح الأحد ٢٦ آذار ٢٠٢٣، لم يستيقظ لبنان على توقيت واحد. بعضه قدّم ساعته وبعضه أبقاها، وصار أبسط سؤال في أي دولة: كم الساعة؟ سؤالًا يحتاج إلى تدقيق.
وبعد أكثر من ثلاث سنوات، يعود المشهد بصيغة أخرى. فموعد تأخير الساعة منتصف ليل ٢٤–٢٥ تشرين الأول يقترب، وتتردد أنباء عن إبقاء التوقيت الصيفي طوال السنة، من دون قرار رسمي حتى الآن.
قد تبدو المسألة أصغر من كل هذا الجدل: ستون دقيقة تُقدَّم أو تُؤخَّر. لكنها ساعة المدارس والطائرات والمصارف والأنظمة الرقمية، ونوم الناس واستيقاظهم. وحين تعجز دولة عن الاتفاق على ساعة واحدة في موعد معروف ومتكرر، فالمشكلة غالبًا ليست في الستين دقيقة، بل في الطريقة التي تُتخذ بها القرارات، وفي من يتحمل كلفتها حين تأتي متأخرة أو ملتبسة.
وليس لبنان وحده أمام هذا الجدل. فمجلس النواب الأميركي أقرّ في ١٤ تموز مشروع التوقيت الصيفي الدائم بأغلبية ٣٠٨ أصوات مقابل ١١٧، ثم غادر مجلس الشيوخ للعطلة هذا الأسبوع من دون طرحه، ولن يعود قبل انتخابات ٣ تشرين الثاني، فيما يحتجّ السيناتور توم كوتون بسلامة الصباحات المظلمة. أما أوروبا، فمنذ اقترحت مفوضيتها عام ٢٠١٨ إنهاء التبديل، لم تتفق دولها على التوقيت الذي سيحلّ محله. وفي هذا مفارقة: الجميع يريد وقف التبديل، ولا أحد يتفق على الساعة التي تحلّ محله. والخلاصة التي ترجّحها الأدلة أن التبديل نفسه هو الذي ينبغي أن يزول، أما أي توقيت يخلفه فمسألة أصعب، لا يحسمها الحساب وحده.
نشأت الفكرة سخريةً لا علمًا. ففي رسالة ساخرة من باريس عام ١٧٨٤، اقترح بنجامين فرانكلين على أهلها الاستيقاظ مبكرًا لتوفير الشموع، ولم يقترح تحريك العقارب. وفي ١٩٠٧ دعا البريطاني وليام ويليت جدّيًا إلى إنقاذ ضوء النهار من الضياع. لكن الفكرة لم تصبح سياسة إلا في ٣٠ نيسان ١٩١٦، حين طبّقتها ألمانيا لتوفير الفحم في الحرب العالمية الأولى، وتبعتها بريطانيا بعد أسابيع. ثم أعادتها أزمة النفط في السبعينيات إلى الواجهة، فجرّبت الولايات المتحدة عام ١٩٧٤ إبقاء الصيفي شتاءً أيضًا، وأنهى الكونغرس التجربة قبل أوانها في تشرين الأول من العام نفسه، بعد استياء شعبي تركّز على الأطفال الذين يمشون إلى مدارسهم في صباحات شتوية مظلمة. أي إن الجدل الراهن تكرار لتجربة قديمة.
كان توفير الطاقة المبرّر التاريخي الأبرز للتبديل، لكن الأدلة الحديثة تشير إلى أثر محدود ومتباين. فتحليل تجميعي نشره توماش هافرانيك وزميلاه عام ٢٠١٨ في مجلة «إنرجي جورنال» جمع ١٦٢ تقديرًا من ٤٤ دراسة، وخلص إلى أن الوفر المتوسط نحو ٠٫٣٤٪ من الاستهلاك في أيام التوقيت الصيفي، وأنه لا يُرجَّح أن يتجاوز ٠٫٧٦٪. وفي المقابل وجد الباحثان ماثيو كوتشن ولورا غرانت عام ٢٠١١، في دراسة على ولاية إنديانا، أن التوقيت الصيفي رفع استهلاك الكهرباء المنزلي نحو ١٪، لأن ما يُوفَّر في الإنارة يُهدَر في التبريد والتدفئة. وهي دراسة حالة لا تصحّ على كل بلد، لكنها تبيّن أن اتجاه الأثر نفسه قد يتبدّل بتبدّل المناخ والعادات. ولم يُعثر على دراسة لبنانية في هذا الشأن، وهي ثغرة لافتة في بلد تتقاسم كهرباءه الدولة والمولّدات الخاصة.
وفي الصحة، تميل الأدلة إلى اعتبار الانتقال الربيعي إلى الصيفي مشكلة قصيرة الأمد للنوم وبعض مؤشرات السلامة. فالأكاديمية الأميركية لطب النوم تربطه بارتفاع حوادث السير والنوبات القلبية والجلطات واضطرابات المزاج، وتذكر أن بعض الدراسات وجدت ارتفاعًا في وفيات الطرق يصل إلى ٦٪ في الأيام الأولى. لكن حجم بعض هذه المخاطر واتجاهها ليسا محسومين بالدرجة نفسها في كل الدراسات، فبعض الأحدث منها لم يجد زيادة معنوية في الأحداث القلبية.
أما الخلاف الحقيقي فعلى أي توقيت يُثبَّت. تدعو الأكاديمية إلى التوقيت القياسي الدائم، لأنه الأقرب في رأيها إلى الساعة البيولوجية وإلى ضوء الصباح. ويستند مؤيدو الصيفي الدائم إلى فوائد محتملة لضوء المساء، منها زيادة النشاط الخارجي وبعض الآثار الاجتماعية والاقتصادية، فيما تبقى ادعاءات انخفاض الجريمة وتحسّن المزاج موضع نقاش علمي. وللأردن شاهد عملي هنا: فحين ثبّت التوقيت الصيفي أخّرت حكومته بدء الدوام المدرسي شتاءً إلى الثامنة والنصف، وعلّلت ذلك بتجنيب التلاميذ الذهاب إلى المدرسة في العتمة، بحسب ما نقلته «ذا ناشيونال».
تتوزع الخريطة الدولية على نحو يكشف صعوبة الاختيار. ففي أوروبا صوّت البرلمان عام ٢٠١٩ على الإلغاء بأغلبية ٤١٠ أصوات مقابل ١٩٢، بعد استشارة عامة أيّدها ٨٤٪ من ٤٫٦ مليون مشارك. لكن المشروع تعثّر في مجلس الاتحاد لأن الدول عجزت عن الاتفاق على التوقيت الذي ستثبّته، فبقي التبديل قائمًا. وأفادت المفوضية في آذار، بحسب وكالة «لوسا»، بأن حلًا منسقًا لا يزال ممكنًا وأنها ستعرض دراسة جديدة قبل نهاية السنة.
وفي أميركا، يقابل مشروع الصيفي الدائم مشروع منافس يدعو إلى التوقيت القياسي الدائم، ويشكّك زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون في قدرة المشروع الأول على بلوغ الستين صوتًا اللازمة لتجاوز العرقلة. أما تركيا فثبّتت الصيفي منذ ٢٠١٦، وفعلت سوريا والأردن الأمر نفسه في خريف ٢٠٢٢، فاستقرتا على توقيت غرينتش زائد ثلاث ساعات. في المقابل أعادت مصر التبديل بقانون عام ٢٠٢٣، وتواصل فلسطين العمل به. ولا تبدّل دول الخليج ساعتها، ويُعزى ذلك عادة إلى قربها من المدار، حيث يتقارب طول النهار بين الفصول، وإلى أن حرّ الصيف يفرغ ساعة الضوء المسائية من قيمتها.
عرف لبنان التوقيت الصيفي أول مرة عام ١٩٢٠، لكن العمل به تقطّع: ١٩٢٠–١٩٢٣، ثم ١٩٥٧–١٩٦١، ثم ١٩٧٢–١٩٧٨، قبل أن يُطبَّق بلا انقطاع منذ ١٩٨٤، بحسب سجلات المناطق الزمنية. والمرجع الحالي قرار مجلس الوزراء رقم ٥ الصادر في ٢٠ آب ١٩٩٨، الذي يقدّم الساعة في نهاية آذار ويؤخرها في نهاية تشرين الأول.
وما زالت في الذاكرة أزمة آذار ٢٠٢٣. فقد أعلن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي تأجيل التوقيت الصيفي إلى ٢٠ نيسان، وقيل إن الغاية تسهيل الإفطار على الصائمين في رمضان. وكانت النتيجة ساعتين في بلد واحد: مضت قناتا «إل بي سي آي» و«إم تي في» بالتوقيت الصيفي، وأعلنت الكنيسة المارونية مخالفة القرار، وارتبكت شركات كطيران الشرق الأوسط في ضبط مواعيد رحلاتها، وبدأ البعض يتحدث عن توقيت إسلامي وآخر مسيحي. وأعرب مكتب ميقاتي عن أسفه للمنحى الطائفي الذي أخذه الأمر، ثم تراجعت الحكومة بعد أيام وبدأ العمل بالصيفي منتصف ليل ٢٩–٣٠ آذار.
ولم تكن المشكلة في الساعة، بل في قرار صدر مفاجئًا وبلا دراسة، وحُمِّل ما ليس منه، فتحوّل من إجراء إداري بسيط إلى أزمة ثقة بين المؤسسات والناس.
وتعود الصورة اليوم بصيغة أخرى، فثمة أنباء عن إبقاء الصيفي، فيما لا يزال القرار الرسمي غائبًا ولم يبقَ على الموعد سوى بضعة أسابيع. ويطرح لبنان ثلاثة معطيات خاصة.
أولها المحيط الإقليمي: فسوريا والأردن والعراق وتركيا على توقيت غرينتش زائد ثلاث ساعات طوال السنة، وكذلك السعودية. فيوافق لبنان صيفًا ساعة هذه الدول ويتأخر عنها ساعة شتاءً، حتى بين بيروت ودمشق اللتين تفصل بينهما مئة كيلومتر.
وثانيها الضوء: فبحسب حسابات الشروق والغروب المنشورة لبيروت، تشرق الشمس في أيام الانقلاب الشتوي نحو ٦:٤٠ صباحًا وتغرب نحو ٤:٣٥ مساءً بالتوقيت القياسي. ومع الصيفي الدائم يصبح الشروق نحو ٧:٤٠ والغروب نحو ٥:٣٥، أي إن مدرسة يبدأ دوامها عند ٧:٣٠ ستبدأ يومها قبل شروق الشمس بنحو عشر دقائق، وإن اختلفت الأرقام قليلًا بين بيروت والبقاع وعكار.
وثالثها التقنية: فأنظمة التشغيل تعتمد قواعد للمناطق الزمنية تحدد متى تتغير الساعة تلقائيًا، ولذلك فإن أي تعديل قانوني متأخر يحتاج إلى تحديث تلك القواعد قبل موعد التطبيق. وحين ألغى الأردن التبديل أعلن ذلك قبل ثلاثة أسابيع من الموعد، فأصدرت «مايكروسوفت» إرشادات مؤقتة لتعطيل الضبط التلقائي في الأجهزة غير المحدّثة. وقرار لبناني يُعلن متأخرًا قد يترك أجهزة وأنظمة كثيرة تعرض وقتًا خاطئًا.
أمام لبنان إذن خياران ثابتان بعد إلغاء التبديل. الأول التوقيت القياسي,غرينتش زائد ساعتين، وهو الأقرب إلى توصية الأكاديمية الأميركية لطب النوم، ولا يُدخل التلاميذ العتمة، لكنه يُبقي لبنان متأخرًا ساعة عن جيرانه طوال السنة، ويجعل الفارق مع أوروبا، الثابت اليوم عند ساعة، يتراوح بين صفر وساعة.
والثاني الصيفي الدائم غرينتش زائد ثلاث ساعات، وهو يطابق المحيط الإقليمي ويمنح مساءً أطول ضوءًا، لكنه يفرض صباحات أكثر ظلمة وتأخيرًا للدوام المدرسي شتاءً على النمط الأردني، ويرفع الفارق مع أوروبا إلى ساعة أو ساعتين.
ومن زاوية العلاقة بين الساعة القانونية والشمس، يبدو التوقيت القياسي أقرب إلى الزمن الشمسي المحلي، إذ يقع الظهر الفلكي في بيروت نحو ١١:٣٧ مقابل ١٢:٣٧ مع الخيار الثاني. وتميل هذه القراءة إليه، لكن حجة الانسجام مع الجوار جدّية، ولا يحسمها إلا بحث لبناني خاص لم يُجرَ بعد.
وأيًا يكن الخيار، يبقى الدرس الأوضح من ٢٠٢٣ أن الطريقة تسبق المضمون. فقرار كهذا ينبغي أن يمرّ باختبار واضح قبل أن يصدر: أولًا، أثره في النوم والصحة وفي ضوء الصباح للتلاميذ. وثانيًا، أثره الفعلي في استهلاك الكهرباء في لبنان، لا في بلدان أخرى. وثالثًا، كلفته على الطيران والمصارف والتجارة والسياحة، وعلى الأنظمة الرقمية. ورابعًا، انسجامه مع المحيط الإقليمي ومع أوروبا. وخامسًا، رأي الناس أنفسهم، ولو باستطلاع وطني.
ثم يصدر القرار بقانون قبل أشهر من تطبيقه، لا باستثناء حكومي قبل أيام، وتُبلَّغ به شركات الطيران والمصارف والاتصالات ومزوّدو أنظمة التشغيل، ولا يُحمَّل أي بعد ديني أو سياسي.
فالمطلوب من الدولة أن تقول للناس كم الساعة، ولو مرة واحدة وإلى الأبد.