مقالات رأي
بين الدموع والابتسامة: طيور، جسور وعبور

الخوري الدكتور نبيل مونس *
منذ أن عبر قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى أرض الأرز والورود والجبال، انتابني شعور عميق بالغربة والشوق إلى أرض النعمة والدمعة؛ إلى الأرض التي حملت من السماء نعمة الشفاء والابتسامة، إلى أرض احتضنت آلام البشرية المتألمة، ولا تزال ترفع من هذا الوادي، وادي الدموع، أصواتًا عميقة من الأنين والوجع.
لقد حملت زيارة بابا روما الى فرنسا، أفقًا جديدًا وروحًا جديدة؛ فالبابا، على مثال بطرس، حمل إلى العالم كله رسالة الحب والجمال والخير، وهي ما ندعوه، في معجمنا الكتابي واللاهوتي، رسالة الرجاء والمحبة والإيمان.
وكم كان عظيمًا أن يجسّد هذا البابا تلك الجمالية الإنسانية واللاهوتية في قلب باريس، مدينة الإشراق والاستشراق، ومدينة اللقاء بين العقل والإيمان، وبين حضارة القلب وعالم الأضواء والضجيج والثورات.
لكن، في أعماقي، كان يجول ويصول صوت أخي بشارة، الذي فارقنا إلى دنيا الحق، إلى عالم الرحمة الأبدية.
معًا عشنا عوالم مختلفة ومتقلّبة، إلى أن سبقني إلى عالم النور الذي لا ينطفئ، وعالم المحبة التي لا تُقهر، وعالم الحياة الأبدية؛ حياة الروح وحياة الله، ذاك الذي نفخ فينا الحياة من التراب، كما فعل ويفعل في كل آن.
وحتى عند ساعة الرحيل، حين نصل إلى لحظة العبور، يأتي الله فينفض عنّا الغبار والأثقال والأحمال، لنرتفع ونرتقي ونلتقي بأحبّتنا الذين منحونا نعمة الحياة واللقاء، على رجاء أن نلتقي بهم مجددًا في الحياة الأبدية.
وداع اخي بشاره
فيا أخي الحبيب، يا “باش”، يا رفيق دربي، يا من عشنا معًا مفارق حضارات عدة، في قلب الشرق وعمق الغرب، وصولًا إلى الشمال الأقصى، حيث رأينا ولمسنا أن الإنسان بحاجة إلى أخيه الإنسان، وأن الله إله حنون عطوف رحيم، وأب للجميع.
كم تعلّمنا من تلك الرحلات، ومن لقاءاتنا وتجاربنا، أن الإنسان، مهما تعدّدت لغاته وحضاراته، يبقى محتاجًا إلى قلب يحتضنه، وإلى محبة تمنحه الرجاء، وإلى إله يفتح له أبواب الرحمة والحياة.
نم يا أخي الحبيب في الأحضان الإلهية.
فقد شهد كل من عرفك والتقى بك كم كنت مصدر حب وفرح في حياته؛ كم زرعت الابتسامة في القلوب، وتركت أثرًا من الخير والمحبة في كل مكان حللت فيه.
أنت من الغالبين، من الذين غلبوا الموت والكراهية بالمحبة، ومن أبناء الملكوت الذين دعاهم الرب إلى فرحه الأبدي، قائلًا: “نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ… ادْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ” (متى 25: 21).
نم بسلام يا أخي الحبيب، في عالم لا دموع فيه ولا ألم، حيث لا غربة ولا فراق، بل لقاء أبدي في حضرة الله.
وإلى أن يحين موعد عبورنا، ستبقى صورتك في القلب، وصوتك في الذاكرة، وابتسامتك جسرًا يعبر بنا من الدموع إلى الرجاء، ومن الفراق إلى اللقاء.
فبين الدموع والابتسامة، تبقى المحبة أقوى من الموت، ويبقى الرجاء جناحَي العبور إلى الحياة الأبدية.












