منذ عقود، والحرس الثوري الإيراني يصدّر إلى المنطقة وهماً يرتدي عباءة المقاومة، ويُلبس لبنان ثوباً لم يخطه له أحد من أبنائه، بل خاطه له من طهران من يريد لهذا البلد أن يبقى ساحة لا دولة، ووقوداً لا وطناً. جاء حزب الله يحمل شعارات تحرير القدس واجتياح الجليل، وملأ الخطب بآلاف الصواريخ وعشرات آلاف المقاتلين، حتى صدّق كثيرون أن البحر الأبيض المتوسط بات على مرمى حجر من “المقاومة”. ثم جاء الامتحان الحقيقي، فسقطت كل الأقنعة دفعة واحدة: لا اجتياح، لا تحرير، بل جنوب مدمّر، وقرى محيت عن الخريطة، وأهالٍ بالآلاف نزحوا من بيوتهم ليكتشفوا أن كل تلك الترسانة لم تكن سوى فقاعة صابون لامعة من الخارج، فارغة من الداخل، ينفجر بريقها عند أول احتكاك بالواقع.
الحقيقة التي طال إخفاؤها بستار الشعارات هي أن هذا الحزب لم يكن يوماً مشروعاً لتحرير أرض، بل
مشروعاً لاحتلال قرار. لم تكن بندقيته يوماً موجهة نحو القدس بقدر ما كانت موجهة نحو حرية اللبنانيين أنفسهم، نحو مؤسسات دولتهم، نحو قرارهم الحر في السلم والحرب. أرادوا من لبنان ولاية تابعة لفقيه لا يعرف من لبنان إلا موقعه الاستراتيجي على المتوسط، ولا يعنيه من أهله إلا كونهم أدوات في مشروع توسّعي إقليمي، يُضحّى بهم كما يُضحّى بالجنود في حرب ليست حربهم.
وطهران، التي روّجت لنفسها حامية “للمستضعفين،” لم تكن يوماً إلا حارسة لمصالحها الإمبراطورية، تُدمّر جيرانها باسم مقاومتهم، وتُفقر شعبها باسم عزتهم، وتصدّر الخراب إلى كل من صدّق وعودها. العراق يشهد، واليمن يشهد، وسوريا أنقاض تشهد، غزة ولبنان اليوم يُضاف إلى قائمة الدول التي دفعت ثمن حلم إمبراطوري لا يعنيه لا الدين ولا القضية، بل النفوذ وحده.
لكن العنكبوت مهما بنى بيته، يبقى بيته أوهن البيوت. هذه الحقيقة التي طالما رددها خطباء الحزب في غير موضعها، عادت لتلسعهم بمعناها الحقيقي: فما بُني على الكذب والوهم لا يصمد أمام إرادة شعب يريد أن يحيا، لا أن يُستشهد قسراً في حروب غيره. اللبنانيون، رغم كل الدمار، ورغم كل التضحيات التي فُرضت عليهم بغير إرادتهم، يعرفون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الطريق إلى الدولة لا يمر عبر ولاية الفقيه، بل عبر التحرر منها. ويعرفون أن التحرير الحقيقي الذي ينتظرهم ليس تحرير القدس البعيدة، بل تحرير لبنان القريب: من حزب إرهابي، من سلاح غير شرعي، من قرار مخطوف، ومن أوهام باعوها لهم بدم أبنائهم.