تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
أخبار الجالية اللبنانية والعربية

حين تنتقل المعركة إلى المصارف وأسواق النفط

العراق ما بعد القواعد بين صفر برميل ودولار مرتفع .. من يدير معادلة السيادة العراقية على الأرض العراق ما بعد القواعد بين صفر برميل ودولار مرتفع .. من يدير معادلة السيادة العراقية على الأرض؟

بقلم / دعاء هزاع الجابري – اليمن

في تاريخ الدول ثمة لحظات لا تبدأ حين يقع الحدث، بل حين تنكشف دلالته، وحين تغادر القوات العسكرية أرضا أنهكتها الحروب يظن الناس أن الصفحة قد طويت وأن السيادة استعادت مساحتها، الا أن التاريخ أكثر تعقيدا من مشهد الوداع، فالجيوش قد تعبر الحدود بينما تبقى المصالح جالسة خلف الطاولات، وتظل مفاتيح أخرى في أيدي من لا يحتاجون إلى ارتداء الزي العسكري كي يكونوا حاضرين.

وفي العراق جاء سبتمبر بصورة الانسحاب الأمريكي ثم جاء أكتوبر بأسئلة أكثر قسوة، وهي: صفر في بعض بيانات واردات النفط العراقية إلى الولايات المتحدة، ودينار يتراجع أمام الدولار، واقتصاد يعتمد على النفط لتمويل القسم الأكبر من حياة الدولة، وبين المشهدين ” العسكري والمالي ” تقف بغداد أمام امتحان يتجاوز انتهاء مهمة عسكرية إلى سؤال القدرة على امتلاك القرار حين تتغير طرق التجارة وتضيق الموارد، فاكتمال الانسحاب الأمريكي من القواعد العراقية وفق الموعد المعلن لا يعني نهاية العلاقة بين ” بغداد وواشنطن ” ولا اختفاء المصالح المتشابكة بينهما، لأن النفوذ لا يسكن الثكنات وحدها، والسيادة لا تختبر عند البوابات العسكرية المؤصدة بل تظهر أيضا في المصارف والموانئ ومسارات الأموال.

واليوم أمام الاعلان عن توقف استيراد النفط العراقي من الجانب الأمريكي وتسجيل ” صفر برميل ” خلال اسبوع، يأتي السؤال الأهم وهو: هل يصمت النفط امام هذا المشهد المتسارع بالمتغيرات أم تتغير وجهته ؟، ففي أسواق الطاقة يحمل ” الصفر ” أكثر من معنى لكنه لا يمنحنا حق اختراع المعنى الذي نريده، فتسجيل واردات أمريكية صفرية من النفط العراقي خلال أسبوع لا يثبت وجود قطيعة تجارية نهائية أو قرار سياسي بوقف الشراء بل يرتبط بمواعيد الشحن واحتياجات المصافي وتغير وجهات التصدير، الا أن الرقم نفسه يفتح سؤالا أوسع، في: أين تتجه الثروة العراقية حين تتغير شهية المشترين؟، حيث تقدم الأسواق الآسيوية اليوم وفي مقدمتها ” الصين ” منافذ مهمة أمام النفط العراقي وتمنح بغداد فرصا لتنويع وجهات البيع، غير أن تعدد المشترين لا يصنع استقلالا اقتصاديا تلقائيا، فالاستقلال لا يقاس بعدد الناقلات التي تعبر البحار بل بقدرة الدولة على حماية إيراداتها وتحويلها إلى اقتصاد منتج ومؤسسات وخدمات مستقرة. 

وفي زخم هذا التحول الاقتصادي والانقلاب الكبير به، يأتي ” الدولار ” الذي يبدو رقما بعيدا عن تفاصيل الحياة إلا انه يدخل البيوت من أبواب الغذاء والدواء والإيجار وتكاليف الاستيراد، لتنتج أزمة اقتصادية أخرى في مسار الاقتصاد العراقي، ومع تعديل سعر الصرف الرسمي إلى ” 1,520 ” دينارا للدولار، تتجلى المفارقة العراقية في: بلد غني بالنفط، لكنه شديد الحساسية لأي اضطراب يصيب تدفق العملة الأجنبية، فقد يمنح انخفاض قيمة الدينار الخزانة عددا أكبر من الدنانير مقابل كل دولار لكنه لا يخلق دولارات جديدة، وفي المقابل سترتفع تكاليف الاستيراد وتتراجع القوة الشرائية لتجد الأسر نفسها أمام أسعار تتقدم أسرع من قدرتها على الاحتمال، فهنا لا تكمن الأزمة في سعر الصرف وحده بل في اقتصاد يعتمد على مورد واحد وموازنة تتأثر بتقلبات أسواق الطاقة ومؤسسات مطالبة بتحويل الثروة النفطية من مصدر دخل متقلب إلى قاعدة للاستقرار والتنمية.

أن حساسية المشهد تزداد اليوم مع استمرار إدارة إيرادات النفط العراقية عبر حساب البنك المركزي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهذا الترتيب يطرح تساؤلات حول الاعتماد المالي المتبادل بين الولايات المتحدة والعراق، وحدود المناورة المتاحة لبغداد وقدرتها على حماية التحويلات الخارجية، كما أن تزامن الانسحاب مع تغير سعر الصرف يفرض سؤالا جوهريا، وهو: هل يمتلك العراق الأدوات الاقتصادية الكافية لتحويل استقلاله السياسي إلى قدرة فعلية على اتخاذ القرار؟، ففي القرن الحادي والعشرين قد يتجسد النفوذ في قاعدة عسكرية وقد يظهر في تجارة الطاقة أو القنوات المالية أو قدرة الأسواق على رفع كلفة الخيارات السياسية، والتحدي العراقي اليوم ليس استبدال نفوذ بآخر بل توسيع مساحة الاختيار الوطني، وبذلك يفرض السؤال الأهم في: ما بعد القواعد .. من يملك مفاتيح الغد؟.

فأمنيا ستتوقف المرحلة المقبلة في قدرة القوات العراقية على مواجهة تهديدات تنظيم ” داعش ” وتطوير العمل الاستخباراتي وتعزيز التنسيق الداخلي وحسم مسألة السلاح ضمن مؤسسات الدولة، وسياسيا ستواجه بغداد اختبار الموازنة بين علاقاتها مع ” الولايات المتحدة وإيران والدول العربية وتركيا والصين ” دون أن يتحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أما اقتصاديا فالمعركة الأعمق هي تنويع مصادر الدخل وإصلاح إدارة الإنفاق وتطوير القطاع المصرفي وحماية المواطنين من آثار تراجع العملة، فشراء الصين للنفط لا يغني عن بناء اقتصاد منتج، واستمرار التعاملات المالية الدولية لا يلغي ضرورة تعزيز المؤسسات الوطنية، فالخطر الأكبر ليس أن يغادر طرف وتقترب قوة أخرى بل أن يظل العراق محاصرا بمنطق الاختيار بين ” النفوذ والنفوذ ” دون امتلاك أدوات صناعة خياره الخاص، ففي النهاية سيبقى السؤال المعلق فوق بغداد، هو: حين يغادر الجنود وتتغير أرقام النفط ويرتفع الدولار، هل تبدأ نهاية نفوذ قديم أم امتحان جديد للسيادة؟.

وبين برميل يعبر البحر، ودولار تتغير قيمته، ومواطن ينتظر غدا أقل قلقا، ستكتب الإجابة، لان العراق لا يحتاج إلى أن يختار من يمسك بمفاتيح الأبواب بل إلى أن يبني بيتا لا تتوقف حياته كلما تغير حارس الباب .

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock