تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

الحوثيون ومعضلة إرهاب الاقتصاد العالمي.. والتحالف المصري السعودي لمواجهة التهديدات وإنهاء الأزمة

بقلم – د. محمد نصار

لم تعد التحركات العسكرية لجماعة الحوثيين في منطقة البحر الأحمر مجرد أزمة إقليمية مرتبطة بالصراع في اليمن، بل تحولت إلى معضلة استراتيجية تتجاوز حدود المنطقة، لتفرض نفسها على حسابات الأمن الدولي والاقتصاد العالمي، في ظل التهديدات المتزايدة للملاحة البحرية، وما تسببه من اضطرابات في حركة التجارة الدولية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، فضلًا عن انعكاساتها على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وأمام هذه التحديات، تبرز أهمية التنسيق المصري السعودي باعتباره أحد المحاور الرئيسية لحماية أمن البحر الأحمر وصون المصالح العربية، والعمل على احتواء التهديدات التي تستهدف استقرار المنطقة.

إن خطورة الأزمة الحوثية لا تكمن فقط في القدرات العسكرية التي تمتلكها الجماعة أو في طبيعة ارتباطاتها الإقليمية، وإنما في قدرتها على تحويل الممرات البحرية الاستراتيجية إلى أوراق ضغط سياسي واقتصادي، بما يهدد مصالح دول عديدة، حتى تلك التي لا تشارك بصورة مباشرة في الصراعات الدائرة بالشرق الأوسط. فالبحر الأحمر يمثل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، ويكتسب مضيق باب المندب أهمية استثنائية باعتباره حلقة وصل بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس، الأمر الذي يجعل أي اضطراب أمني فيه ذا تأثيرات تتجاوز النطاق الجغرافي للصراع.

وتتجلى خطورة استهداف السفن التجارية في أن الاقتصاد العالمي يقوم على شبكة مترابطة من خطوط النقل والإمداد، وأي تعطيل لأحد الممرات الرئيسية ينعكس على تكلفة وصول السلع والمواد الخام والطاقة إلى الأسواق. وعندما تضطر شركات الشحن إلى تغيير مسارات سفنها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، فإن ذلك يؤدي إلى زيادة المسافات الزمنية والوقود وتكاليف التشغيل والتأمين، وهو ما قد ينتقل تدريجيًا إلى المستهلك النهائي في صورة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، فضلًا عن تعطل بعض سلاسل الإنتاج والتوريد.

ومن هنا، يمكن النظر إلى الهجمات التي تستهدف الملاحة التجارية باعتبارها شكلًا من أشكال الابتزاز الاقتصادي العابر للحدود، إذ تتحول الممرات البحرية من مساحات للتعاون والتبادل التجاري إلى أدوات للضغط وفرض المعادلات السياسية بالقوة. ولا يعني ذلك أن جميع التداعيات الاقتصادية يمكن إرجاعها إلى عامل واحد، فالأزمات الدولية تتداخل فيها اعتبارات متعددة، لكن المؤكد أن استمرار التهديدات البحرية يضيف أعباء جديدة على الاقتصاد العالمي، ويزيد من هشاشة الأسواق أمام الصدمات الجيوسياسية.

وتأتي مصر في مقدمة الدول التي تتأثر مباشرة بهذه التطورات، نظرًا إلى الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس وموقعها المحوري في حركة التجارة الدولية. فقد أظهرت اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر مدى ارتباط الإيرادات المصرية باستقرار حركة السفن، كما أكدت أن حماية الممرات البحرية ليست مجرد قضية أمنية، بل تمثل ضرورة اقتصادية وتنموية تتصل بقدرة الدولة على توفير موارد النقد الأجنبي، ودعم استقرار العملة، وتعزيز فرص الاستثمار.

ولا يمكن فصل أمن قناة السويس عن أمن باب المندب والبحر الأحمر، فالممرات البحرية في هذه المنطقة تشكل منظومة استراتيجية مترابطة، وأي تهديد في جنوب البحر الأحمر يمكن أن ينعكس على حركة الملاحة شمالًا. ولذلك، فإن حماية المصالح المصرية تقتضي تبني رؤية شاملة تقوم على التعاون الإقليمي، وتبادل المعلومات، وتعزيز القدرات البحرية، ودعم الحلول السياسية التي تمنع تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا لمصر في مواجهة التحديات الأمنية التي تهدد البحر الأحمر. فالدولتان تمتلكان ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا مؤثرًا في المنطقة، كما ترتبط مصالحهما باستقرار الملاحة البحرية وحماية الموانئ والمنشآت الحيوية وضمان انسياب حركة التجارة والطاقة. ويمنح هذا التقاطع في المصالح فرصة لتطوير تعاون مصري سعودي أكثر فاعلية في التعامل مع المخاطر المشتركة، ضمن إطار يحترم سيادة الدول والقانون الدولي ويمنع اتساع دائرة الصراع.

غير أن الحديث عن تحالف مصري سعودي لمواجهة التهديدات الحوثية ينبغي ألا يُختزل في الخيار العسكري وحده، أو يُفهم باعتباره دعوة إلى توسيع المواجهة المباشرة دون حساب للعواقب. فالتجارب الإقليمية أثبتت أن العمليات العسكرية، مهما بلغت قوتها، لا تضمن بمفردها إنهاء الصراعات ذات الجذور السياسية والاجتماعية المعقدة، وأن غياب المسار السياسي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة في صور أكثر خطورة، بما يهدد أمن اليمن وجيرانه ويزيد من معاناة المدنيين.

إن المواجهة الفعالة تبدأ بتحديد طبيعة التهديد ومصادره، والتمييز بين حماية الملاحة الدولية وبين الانخراط في صراعات مفتوحة قد تستنزف قدرات الدول وتدفع المنطقة إلى مواجهات أوسع. ويقتضي ذلك تعزيز التنسيق الاستخباراتي والبحري، وتطوير آليات الإنذار المبكر، وتأمين خطوط الملاحة، ودعم الجهود الدولية الرامية إلى حماية السفن التجارية، مع الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي للبحار.

وفي الوقت نفسه، لا بد من التعامل مع الأزمة اليمنية باعتبارها قضية سياسية وإنسانية لا يمكن حلها بالوسائل الأمنية وحدها. فاستقرار اليمن يمثل عنصرًا أساسيًا في أمن شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، واستمرار الانقسام والصراع يفتح المجال أمام تنامي نفوذ القوى المسلحة وتراجع مؤسسات الدولة وتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية. ومن ثم، فإن دعم تسوية سياسية يمنية شاملة، تقوم على الحوار ومشاركة القوى الوطنية المختلفة، يمثل ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن حماية الملاحة البحرية.

كما أن المجتمع الدولي مطالب بتبني موقف واضح يرفض استهداف السفن التجارية وتهديد الممرات البحرية، بصرف النظر عن هوية السفن أو جنسيات أطقمها، لأن حرية الملاحة مصلحة دولية مشتركة وليست امتيازًا لدولة بعينها. وفي المقابل، فإن معالجة جذور التوترات الإقليمية، وتجنب توسيع دائرة المواجهة، ووقف التصعيد المتبادل، تمثل خطوات ضرورية لتهيئة بيئة تسمح باستعادة الاستقرار.

وتستطيع مصر والسعودية، بحكم مكانتهما الإقليمية، العمل على بناء مقاربة متوازنة تجمع بين الردع المشروع والدبلوماسية الفاعلة. فالتنسيق بين القاهرة والرياض يمكن أن يسهم في توحيد الرؤى العربية بشأن أمن البحر الأحمر، وتطوير ترتيبات للتعاون البحري، ودعم الجهود الرامية إلى منع تهريب الأسلحة وتعزيز قدرات الدول المطلة على البحر الأحمر في حماية سواحلها ومياهها الإقليمية، إلى جانب التحرك السياسي مع الأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة للحد من التصعيد.

ولا ينبغي أن تتوقف هذه المقاربة عند الجانب الأمني، بل يجب أن تمتد إلى التعاون الاقتصادي والتنموي، من خلال حماية الموانئ، وتأمين البنية التحتية التجارية، وتطوير أنظمة إدارة الأزمات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية بالنقل والتجارة والطاقة. فكلما ارتفعت قدرة دول المنطقة على التعاون والتعامل المبكر مع المخاطر، تراجعت فرص استخدام الممرات البحرية أداةً للضغط السياسي أو لتحقيق مكاسب عسكرية.

ومن المهم أيضًا إدراك أن التعامل مع الحوثيين لا يمكن أن ينفصل عن شبكة التفاعلات الإقليمية الأوسع، بما فيها التنافس بين القوى الإقليمية، والصراع في اليمن، والتوترات المرتبطة بالقضية الفلسطينية. فهذه الملفات تتداخل في حسابات أطراف متعددة، لكن ارتباطها لا يبرر استهداف المدنيين أو تعريض التجارة الدولية للخطر، كما أن حماية الملاحة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتجاهل الأسباب السياسية التي تغذي عدم الاستقرار في المنطقة.

إن التحدي الحقيقي أمام مصر والسعودية لا يتمثل فقط في احتواء هجمات متفرقة أو تأمين السفن العابرة، وإنما في منع تحول البحر الأحمر إلى ساحة دائمة للصراعات بالوكالة، وإرساء معادلة إقليمية تجعل أمن الممرات البحرية مسؤولية مشتركة، وتحد من قدرة أي طرف على فرض إرادته بالقوة. ويتطلب تحقيق ذلك مزيجًا من القوة الدفاعية والتنسيق السياسي والضغط الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي، مع تجنب الخطوات التي قد تؤدي إلى حرب إقليمية واسعة يصعب التحكم في نتائجها.

وفي المحصلة، فإن مواجهة التهديدات الحوثية للملاحة الدولية ليست معركة عسكرية فحسب، بل اختبار لقدرة النظام الإقليمي والدولي على حماية المصالح المشتركة من دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة. وتملك مصر والسعودية مقومات مهمة للمساهمة في صياغة رؤية عربية أكثر تماسكًا لأمن البحر الأحمر، شرط أن تقوم هذه الرؤية على تقدير دقيق للمخاطر، وتنسيق مستمر، ودعم الحلول السياسية، واحترام قواعد القانون الدولي.

إن إنهاء التهديدات التي تواجه الاقتصاد العالمي يبدأ بإعادة الاعتبار إلى حرية الملاحة باعتبارها حقًا ومصلحة مشتركة، ورفض استخدام التجارة الدولية رهينةً للصراعات السياسية والعسكرية. أما استعادة الاستقرار المستدام، فلن تتحقق إلا من خلال معالجة جذور الأزمة اليمنية، والحد من التدخلات التي تؤجج الصراع، وبناء تفاهمات إقليمية تضمن أمن الدول والشعوب.

وهنا تبرز أهمية الشراكة المصرية السعودية بوصفها فرصة لتعزيز العمل العربي المشترك، وحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، وفتح الطريق أمام مقاربة أكثر توازنًا تجمع بين الحزم في مواجهة التهديدات والانفتاح على التسويات السياسية. فالقوة الحقيقية لا تقاس فقط بالقدرة على خوض المواجهات، وإنما أيضًا بالقدرة على منع اندلاعها، واحتواء تداعياتها، وبناء نظام إقليمي يحمي الاستقرار ويصون مصالح الشعوب بعيدًا عن منطق الفوضى والابتزاز.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock