تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

أمام الصمت

مفيد خطّار

الصمت، ذلك العالم المدهش بضجيجٍ خفي لا يُسمع، ليس غيابًا للصوت، بل حضورٌ آخر، أعمق مما نظن.

في عالمٍ يقيس الحقيقة بكثرة الكلام، يبهت ما لا يُقال كأنه غير موجود. لكن الصمت لا يغيب؛ إنه يضع القلب أمام نفسه بلا حجاب، ويكشفه كما هو، لا كما يريد أن يكون.

الصمت مرآة لا تجامل. لا تعيد ما نحب، بل ما نخشى. فيه تسقط التبريرات، وتخفت الأصوات التي نستند إليها، ويبقى ما لا يُقال وحده أمامنا.

نخاف الصمت، لا لفراغه، بل لامتلائه. وهنا تتفلت الذاكرة.

أتذكر عازرًا، رجلًا من قريتي، كان الأرق يقيم في لياليه كأنه ضيف لا يغادر. كنت أزوره وأنا طالب في الجامعة، وأعود إليه في عتمة الليل، كمن يفتش عن معنى يتنفس.

كان يجلس على كرسي من خيزران، بلا ظهر ولا مسند، كأنه يسند جسده إلى فراغه. وكان الصمت بيننا يثقل حتى يُسمع.

كنت أسأله، لا طلبًا للإجابة، بل لأصغي إلى كيف يقف الكلام عنده. ينظر إليّ، يبتسم، ثم يعود إلى صمته، كأنه يدخل نفسه من جديد.

وبين حين وآخر، كان يقول بصوت متكسّر: «ما بعرف… ما بعرف.» ثم يصمت، كأنه يغلق بابًا على شيء لا يستطيع الكلام عنه.

لم يكن صمته فراغًا، بل كان شكلًا من نجاة هادئة. ولم يكن قسوة، بل ترتيبًا خفيًا لما تشظّى في الداخل.

بعد أن توفاه الله، لم يبقَ لي منه ما يشبه اليقين إلا صمت غيابه. كأن شعلة عابرة مرّت من هنا، وتركت ضوءها دون جسدها. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الصمت بالنسبة إليّ غياب الكلام.

صار سؤالًا.

كم منّا يعيش في داخله، ولا يلاحظ؟

 

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock