د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
اتفاقية مكة التي تضم السعودية وتركيا وباكستان، ووقعت في أغسطس 2026 شكلت صدمة وزلزال سياسي، يذكرنا بالزلزال السياسي عندما وقعت السعودية اتفاق تهدئة مع طهران برعاية بكين في مارس 2023، لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كان نهاية لهذا الاتفاق، لكن اتفاق مكة جاء كصيغة بديلة وموازية للترتيبات الأمنية القائمة في المنطقة، وعلى رأسها الاتفاقية الإبراهيمية التي تقودها إسرائيل، لكن هل لسقوط المخا في 10 سبتمبر 2026 ردة فعل لاتفاق مكة، وهل هناك علاقة بتفجيرات علي الطاهر في جنوب لبنان عناصر حزب الله كانوا محاصرين بعلي طاهر شككوا بعمل قياداتهم، وفق تسجيلات حصرية للحدث، في نفس اليوم الذي سقطت فيه المخا، رغم البعد الجغرافي بينهما، والتراشق السياسي بين إسرائيل وبريطانيا، لأن إسرائيل ترى أن بريطانيا السبب في بقاء النظام الإيراني، وكل أصول النظام في بريطانيا، بسبب أن بريطانيا بدأت تقف أمام اسرائيل في سوريا في السودان وهي غير متقبلة لإسرائيل الكبرى الاتفاقية الإبراهيمية التي تود أن تحل محل نفوذ بريطانيا خصوصا وأن بريطانيا لديها شراكات مع دول المنطقة، بينما إسرائيل شراكاتها محدودة، وتقف السعودية امام توسعة الاتفاقية الابراهيمية، وجاءت اتفاقية مكة لتحجمها.
جاء اتفاق مكة لبناء شبكة أمن جماعي إقليمي، لتجنب الهيمنة الإسرائيلية المنبثقة عن الاتفاقيات الإبراهيمية من جهة، وللحد من النفوذ الإيراني من جهة أخرى، لضمان عدم بقاء المنطقة تحت رحمة قطبين إقليميين.
تحالف مكة يمهد الطريق لتحول عميق في الأمن الإقليمي، ولا يمثل الاتفاق نهاية للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة، بل يشير إلى الاستعداد لنظام أكثر اهتماما بأمنه الإقليمي بدلا من الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة، ومهما بلغ عمق الشراكة مع الولايات المتحدة، فإنها ليست ضمانة تلقائية للحماية، بل تود السعودية التحرر من عقود طويلة ظلت مستهلكة للأمن، رغم انه حقق لها الأمن في جوانب معينة، لكنه يعاني من خلل بنيوي، أهمها أن القرارات تتخذ جزئيا من الخارج، فيما اتفاق مكة أخيرا يبدأ في بناء توازن لا يعتمد كليا على أي قوة خارجية، وفي نفس الوقت يسهم اتفاق مكة في تسريع توطين الصناعات الدفاعية، وهي أحد أهم مستهدفات رؤية السعودية 2030، أي أنه اتفاق مكة يتجاوز مفهوم التحالف العسكري التقليدي.
خصوصا بعدما أمضت إيران عقودا في بناء نفوذ إقليمي يتجاوز قدراتها وحدودها، مستثمرة حاجة الولايات المتحدة للدور الإيراني في العراق قبل وبعد احتلاله في 2003، واستثمرت إيران ثورات ما يسمى بالربيع العربي، وتمدد نفوذها من العراق إلى سوريا ليلتقي نفوذها بلبنان ثم ينتقل إلى اليمن، لمحاصرة السعودية قلب العالم الإسلامي، لكن عبر تحالف سعودي تركي أمريكي بريطاني تم تحرير سوريا، لحاجة أوروبا لطاقة دول الخليج بعد حرب أوكرانيا، وبعد حرب غزة، أيضا احتاج العالم للقضاء على أذرع إيران في لبنان، وبشكل خاص بعد القضاء على حماس، وبداية حرب أمريكية إسرائيلية لتحجيم إيران وأذرعها في المنطقة، ضمن صراع النفوذ بين الولايات المتحدة والصين تهدف الولايات المتحدة السيطرة على الممرات والطاقة، لمنافسة الحزام والطريق.
حلف مكة أعلن أنه لن يحارب أحد، بل حلف وقطب يتمتع بنفوذ إقليمي لمنع إسرائيل من ملئ الفراغ بعد انهيار إيران، ولا يهدف تحالف مكة استبعاد أحد، فتركيا وباكستان لهما حدود طويلة مع طهران، فأهم وظيفة لتحالف مكة الردع.
سقوط المخا كان الاختبار الميداني الأول لاتفاق مكة، لما لها من أهمية استراتيجية هي والمناطق المحيطة بها المطلة على البحر الأحمر وباب المندب، كانت صدمة ميدانية واختبارا مبكرا لتحالف مكة بعد شهر واحد فقط من تأسيسه، ولا زالت الاتفاقية في مراحلها المؤسسية الأولى، ولم يتم تفعيل آليات التدخل العسكري المباشر في اليمن، في حين اقتصرت العمليات على إسناد جوي سعودي مكثف لمحاولة احتواء الموقف ميدانيا باعتبار أن السعودية تمتلك أقوى قوة جوية في منطقة الشرق الأوسط.
انقسمت التفسيرات حول السقوط المفاجئ للمخا وما حولها، مهما كانت هذه التفسيرات فإن السقوط السريع دبر بليل ولم يكن سقوط عسكري أو هزيمة عسكرية، ومهما قيل من أن العملية كانت استدراجا للحوثيين إلى مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي بعد تهديدهم المباشر لأمن الملاحة العالمي في مضيق هرمز، فإنه تفسير غير منطقي أن تتلاشى قوات المقاومة بهذه السرعة، وهناك معلومات كشفت عنها ( شيبا إنتليجنس) أن مسؤولين أمنيين حوثيين عقدوا اجتماعا غير معلن مع ضباط استخبارات دولة إقليمية في 20 أغسطس، وتقديم الدعم للحوثيين بشرط قطع العلاقة مع إيران والتنسيق مع المجلس الانتقالي الجنوبي بشان الحكم المستقبلي لليمن والترتيبات السياسية والأمنية. ولم يحدد الحوثيون موقفهم من هذا العرض، ومعروف عن الحوثيين أنهم يلعبون على الصراعات ويتقنون استثمارها، واستمدوا قوتهم من خلالها، إلى جانب أنهم ورقة إقليمية تستخدم ضد السعودية.
سقوط المخا يخدم المصالح الاستراتيجية لإيران بشكل مباشر التي تعتقد انها قادرة على رفع أسعار النفط بعد غلق المضيقين إلى 400 دولار للبرميل، وبالفعل أعلنت طهران عن غلق المسار الجنوبي في مضيق هرمز الذي يمر بعمان، وفي الوقت نفسه قد يدفع بتداعياته نحو تعزيز جبهة الاتفاق الإبراهيمي كخيار ردع إقليمي، فالتطور الميداني في اليمن لا يقتصر على الصراع الداخلي، بل يمثل نقطة تحول كبرى تعيد تشكيل توازنات القوى في الشرق الأوسط وممرات الطاقة العالمية.
سيطرة الحوثيين على المخا تمنح طهران أوراق ضغط استراتيجية غير مسبوقة، وأن طهران أصبحت تتحكم بممرين من أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم، ويمنحها ورقة تفاوضية قوية، من أجل رفع الحصار عنها، ويتيح هذا السقوط للحرس الثوري وحلفائه نقطة تمركز متقدمة للإشراف والمراقبة العسكرية المباشرة في عمق البحر الأحمر.
وإن كان سقوط المخا سلاح ذو حدين، فهو يمنح إيران نفوذا ميدانيا خانقا، لكنه بالوقت نفسه يسرع من اصطفاف خصومها الإقليميين والدوليين لتثبيت دعائم هيكل أمني جديد يرتكز في جوهره على شبكة علاقات على الاتفاق الإبراهيمي، لكن السعودية لديها خيارات أخرى عديدة، منها التحالف البحري الذي شكلته في يوليو وأغسطس 2026 في إعادة هندسة الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر، وقد اكتسب هذا التحالف أهمية قصوى بعد التطورات الميدانية المتمثلة في سقوط المخا الاستراتيجية، وتشير التقارير الدبلوماسية والعسكرية إلى ان التحالف يعمل كركيزة محورية للتنسيق في حال اتخاذ قرار برد حاسم وجماعي ضد التصعيد الحوثي، خاصة وأن الجماعة الحوثية أعلنت سابقا فرض ما أسمته حصارا بحريا على السفن المرتبطة بالسعودية واستهداف منشآت الطاقة، وستمنعها من المكاسب الأرضية الجديدة بعد استيلائها على المخا لفرض قيود هيكلية على حركة التجارة الدولية والعمل كمصد دفاعي لحماية خطوط الإمداد البحرية، خصوصا وأن هناك أنباء عن بدء الحوثيين نشر الألغام في مضيق باب المندب واستهداف جميع السفن.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا













09/13/2026 - 18:38 PM





Comments