بقلم: راسم عبيدات *
بعد ثلاثة وثلاثين عاماً على اتفاق أوسلو، والذي كان نتيجة الاستثمار السياسي المتسرّع للانتفاضة، انتفاضة الحجر الفلسطيني أواخر 1987 وأوائل عام 1988، والتي كادت أن تنقل الدولة الفلسطينية من الإمكانية التاريخية إلى الإمكانية الواقعية، نجد أن هذه الدولة باتت بعيدة، في ظل حكومة يمين وتطرّف إسرائيلي تغلق بوابة الحل السياسي، وتقول إنه لن يكون هناك دولة فلسطينية، لا في الضفة ولا في قطاع غزة. وأكثر من ذلك، قادة الاحتلال وفي مقدّمتهم نتنياهو يقولون: "لن تُقام دولة فلسطينية لا في عهدي ولا في العهود القادمة."
أما سموتريتش فيقول: "لن نسمح بإقامة دولة فلسطينية على جزء من أرض إسرائيل التوراتية"، ويضيف: "لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني، وهذا اختراع عمره أقل من مئة عام." وقد صوّت "الكنيست" بالقراءات الثلاثة على قرار يرفض إقامة دولة فلسطينية.
وعندما ننظر إلى الأرض التي يُفترض أن تُقام عليها الدولة الفلسطينية، نرى أنها تتقلّص شيئًا فشيئًا جغرافيًا، ويجري تطهيرها ديمغرافيًا من السكان الذين يعيشون عليها، في أضخم عملية "هندسة" جغرافية وديمغرافية تتعرض لها الضفة الغربية وقطاع غزة، وحتى الداخل الفلسطيني - 48. نحن أمام مخطط طرد وتهجير قسري لفرض أغلبية إسرائيلية ما بين النهر والبحر، تلغي أي إمكانية لقيام كيانية فلسطينية تقود إلى دولة مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967.
سموتريتش يعلن أنه سيقيم دولة "يهودا والسامرة" في الضفة الغربية، وأنه عبر الضم والتهويد والاستيطان سيحقق تلك الفكرة، بإغراق الضفة الغربية التي نقل صلاحيات الحكم العسكري فيها إلى الإدارة المدنية والشرطة المرتبطة بالمؤسسة الرسمية التي يقودها. كما سيُطبّق القانون المدني الإسرائيلي على المواطنين الإسرائيليين في المستوطنات، ولم يكتفِ بالسيطرة على مناطق "سي" التي تشكل 60% من مساحة الضفة، بل ألغى المسؤولية الإدارية للسلطة عن مناطق "بي".
في المقابل، باتت الأرض الفلسطينية التي يُفترض أن تُقام عليها الدولة عبارة عن جزر متناثرة و"غيتوهات" مغلقة، حيث جرى تقسيم المقسّم من الأرض، وهناك أكثر من 1200 حاجز وبوابة تمنع حركة المواطنين الفلسطينيين. قرى مثل بيت إكسا والنبي صموئيل وتلة الخلايلة في شمال القدس تحتاج إلى تصاريح خاصة للتنقل. أما قرية النعمان قرب حاجز "مزموريا"، فهي مغلقة على سكانها ولا يُسمح لغيرهم بالدخول إليها حتى لو كان قريبًا من الدرجة الأولى.
منذ السابع من أكتوبر 2023 نشهد "توحّش" و"تغوّل" احتلالي غير مسبوقين، حيث تُشن حرب شاملة يشارك فيها المستوطنون على طول الضفة الغربية بهدف دفع شعبنا للهجرة القسرية. لا يكاد يمر يوم دون هجمات يرتقي فيها شهداء وجرحى، ويجري الاستيلاء على أراضٍ ومصادر مياه وممتلكات، وسرقة مواشي ومحاصيل، وقطع أشجار، وحرق بيوت، وقطع طرقات، وحتى احتلال منازل وطرد ساكنيها كما جرى في قصرة وتل وترمسعيا ومسافر يطا وغيرها. وابتدع سموتريتش ما يعرف بالبؤر الرعوية والمزارع الاستيطانية للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض.
أما القدس، التي يفترض أن يكون قسمها الشرقي العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية، فباتت بلداتها داخل جدار الفصل العنصري، تُقام في قلبها مستوطنات تعزل القرى عن بعضها وتمنع تواصلها الجغرافي والديمغرافي، وتحولها إلى وحدات اجتماعية معزولة، وتغيّر واقعها العمراني والبصري وهويتها الفلسطينية. يجري استدخال المستوطنين في عمقها السكاني: "معاليه زيتيم" في رأس العامود - سلوان، "نوف تسيون" في جبل المكبر، ومستوطَنات في عمق أحياء أم ليسون وأم طوبا وغيرها.
أما القرى المقدسية خارج الجدار، فيعاد "هندستها" جغرافيًا وديمغرافيًا، ويجري تهجير سكانها لخلق امتداد استيطاني من جنوب شرق المدينة إلى شمال غربها، مع إقامة المزيد من الطرق والشوارع الاستيطانية التي تحاصر الوجود الفلسطيني.
المقدسات الإسلامية والمسيحية تتعرض لانتهاكات مستمرة، والأقصى يقترب من فرض وقائع تهويدية فيه، حيث يتعرض لتفكيك صامت يطال واقعه الديني والتاريخي والقانوني والدولي، تفكيك يعيد السيطرة الدينية والرمزية عليه بالانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه بأدوات قانونية وأمنية. وبعد استكمال كل طقوس "الهيكل المعنوي"، فهم ذاهبون نحو إقامة الهيكل فعليًا، في ظل حالة انهيار عربي وإسلامي، ومواقف لفظية لا تتجاوز الحبر الذي تُكتب به، وقرارات قمم عربية وإسلامية لا تتجاوز عتبات القاعات.
أما قطاع غزة، فقد بات الاحتلال يسيطر بشكل مباشر على 70% من مساحته، ويُحاصر شعبنا هناك. القنابل الأمريكية التي ألقتها الطائرات الإسرائيلية على القطاع من أوزان 500 - 1000 رطل فاقت قوتها ما ألقي على ناغازاكي وهيروشيما بخمسة أضعاف. جرى تدمير ممنهج طال المباني والمشافي والمدارس والبنى التحتية ودور العبادة، ومسحت أحياء وعائلات كاملة، وبقي الحصار قائمًا، وجزء كبير من السكان بلا مأوى، وطلاب خارج الدراسة، ومشافي وعيادات خارج الخدمة.
على الصعيد السياسي، السلطة الفلسطينية التي يفترض أن تكون مؤقتة وتنتقل بعدها إلى دولة مستقلة، أصبحت سلطة دائمة بلا سيادة، تدير شؤون السكان إداريًا تحت سيطرة الاحتلال بسقف حكم بلدي موسّع. المواطن الفلسطيني الذي كان يعتقد أن أوسلو سيجلب له العسل واللبن، وجد نفسه محاصرًا بالجوع والبطالة والفقر والرواتب المتأخرة والمنقوصة واقتصاد هش لم تنقذه عبارات "ازرع ليمون" و"ازرع تفاح"، ولا صوامع القمح، ولا اقتصاد استهلاكي وإغاثي.
أما الانقسام السياسي، فرغم كل الحوارات واللقاءات، بقي قائمًا بل يتعمق ويتكرس. قوى الشد المستفيدة من الانقسام، وكذلك إسرائيل وأمريكا وأطراف أخرى، معنية باستمراره لإبقاء الحلقة الفلسطينية ضعيفة يجري اللعب فيها.
يمكن توصيف وضع السلطة بأنها سلطة بلا سلطة، ونظام سياسي بلا مجلس تشريعي، وسلطة انتهت ولايتها منذ زمن، وتشريعات تصدر بالمراسيم و"الفرمانات"، وسلطات تتركز بيد الرئيس، وحديث عن فساد واسع ومحسوبيات وغياب للمساءلة والشفافية.
بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على اتفاق أوسلو الانتقالي، لا دولة قامت، ولا سلطة انتهت، ولا احتلال زال. وثبت في الواقع أن هذا النهج خاطئ ومضر، وأن المقدمات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة، وأن استخدام نفس الأدوات للحصول على نتائج مغايرة غير ممكن. لذلك لا بد من مراجعة شاملة ومغادرة هذا النهج الذي لم يتبق منه سوى التنسيق الأمني والتبعية الاقتصادية، والمزيد من ضياع الأرض والحقوق.
فلسطين - القدس المحتلة













09/13/2026 - 16:46 PM





Comments