رشيد ج. مينا
مرّ في كلام وزير الإعلام بول مرقص بعد جلسة مجلس الوزراء المخصصة لمناقشة مشروع الموازنة تعبير قد يبدو للوهلة الأولى ماليًا وتقنيًا عابرًا: «تكييف الرسوم والضرائب وملاءمتها مع سعر الصرف». وسارع الوزير إلى التوضيح بأن الأمر لا يعني استحداث رسوم أو ضرائب جديدة، وإنما تكييف الرسوم القائمة بما يتواءم مع سعر الصرف.
حسنًا أيها السادة، لنفترض أنها ليست ضرائب جديدة. ولكن ماذا تعني للمواطن زيادة قيمة رسم كان يدفعه بمبلغ معين فأصبح مطالبًا بدفع أضعافه، لمجرد أن اسمه بقي كما هو؟
المواطن لا يدفع أسماء الضرائب والرسوم، بل يدفع قيمتها من دخله. وإذا كان «تكييف» الرسم مع سعر الصرف سيؤدي إلى رفع ما يدفعه المواطن، فإن العبء الذي يقع عليه قد لا يقل ثقلاً عن استحداث رسم جديد، مهما اختلف التوصيف المحاسبي والقانوني.
ومن هنا يصبح السؤال المشروع: إذا كنتم تريدون تكييف الرسوم مع سعر الصرف، فهل جرى تكييف دخل اللبناني مع سعر الصرف أيضًا؟
هل استعادت الرواتب والأجور قدرتها الشرائية؟ وهل أعيدت حقوق المتقاعدين والعاملين في القطاع العام وأصحاب المداخيل المحدودة بما يتناسب مع الانهيار الذي أصاب قيمة النقد؟
لقد استبشر اللبنانيون بالعهد والحكومة خيرًا، وعلق كثيرون الآمال على أن يكون المسار الجديد انقلابًا على نهج سابق وُصم بالفساد والعجز والمحاصصة وهدر المال العام، وأن تبدأ مرحلة استعادة الدولة ومؤسساتها وقدرتها على القيام بواجباتها. ولم يكن المطلوب معجزات في أشهر. فالانهيار الذي تراكم خلال عقود لا يمكن إصلاحه بقرار أو بموازنة واحدة، ومن الإنصاف الاعتراف بذلك. لكن الناس من حقها أيضًا أن تسأل: أين أصبح الإصلاح الذي ينعكس مباشرة على حياتها؟
أين المحاسبة الجدية واستعادة الأموال والحقوق؟
وأين المحاسبة التي انتظرها اللبنانيون طويلًا؟ أين فتح الملفات التي أهدرت فيها أموال الدولة، وملاحقة من أثروا بصورة غير مشروعة من المال العام أو من استغلال السلطة والنفوذ؟ وأين التطبيق الجدي لقاعدة «من أين لك هذا؟»، لا كشعار للانتقام السياسي، بل كقاعدة للمساءلة وحماية المال العام؟
قبل أن تبحث الدولة عما بقي في جيب المواطن، عليها أن تبحث عما خرج من خزائنها، وكيف خرج، وإلى أين ذهب، ومن استفاد منه.
فالعدالة لا تستقيم عندما يكون الأسهل ملاحقة المواطن برسم جديد أو «تكييف» رسم قديم، بينما تبقى ملفات الهدر والفساد والإثراء غير المشروع معلقة، وتبقى الأموال التي يفترض استعادتها خارج متناول الدولة.
وليس المقصود إطلاق الاتهامات جزافًا أو إدانة الناس بلا بينة؛ فالمحاسبة الحقيقية لا تكون بالتشهير، وإنما بقضاء مستقل، وتحقيق مالي جدي، ورفع الحمايات السياسية، وتطبيق القوانين على الجميع بلا استثناء. ومن يثبت أنه اكتسب أمواله بصورة مشروعة تحمى حقوقه، ومن يثبت أنه استولى على المال العام أو أثرى بصورة غير مشروعة يحاسب وتستعاد الأموال وفق القانون. فالخزينة لا تُصلح فقط بما تجمعه الدولة من الناس، بل أيضًا بما تمنع هدره وتسترده ممن اعتدى عليه.
أين الكهرباء التي لا يضطر المواطن معها إلى دفع فاتورتين وثلاث؟
أين المياه والطبابة والتعليم والطرق والخدمات العامة التي يمولها المواطن أصلًا من الضرائب والرسوم؟
وأين الإصلاح الإداري الذي يجعل الدولة أقل كلفة وأكثر إنتاجًا قبل أن تطلب من المواطن أن يدفع أكثر؟
وأين استكمال استعادة القرار والسيادة وحصرية السلاح بيد الدولة، ووضع الخطط التي تحمي لبنان وتحرر ما بقي محتلًا من أرضه؟
لا يمكن للدولة أن تنظر إلى سعر الصرف عندما تحدد ما تريد أن تستوفيه من المواطن، ثم تغض النظر عنه عندما تنظر إلى ما يحصل عليه المواطن منها.
هذه ليست معادلة متوازنة.
فالرسوم والضرائب ليست غاية في ذاتها. المواطن يدفع للدولة لكي تكون هناك دولة:
إدارة وخدمات وأمن وقضاء وتعليم وطبابة وبنية تحتية وحماية اجتماعية ومؤسسات تؤدي وظائفها.
أما أن يُطلب منه أن يؤمن الكهرباء والمياه والتعليم والاستشفاء والنقل من ماله الخاص، ثم تعود الدولة إليه لتعيد «تكييف» ما تستوفيه منه وفق سعر الصرف، فمن الطبيعي أن يسألها: وماذا كيّفتم أنتم من حقوقي وخدماتي وفق سعر الصرف؟
وهنا تكمن مشكلة تتجاوز هذا الخبر أو ذاك.
فالمواطن اللبناني يعيش منذ سنوات بين أخبار عن رسم محتمل هنا، وزيادة هناك، وتسريبات عن إجراء جديد، ثم نفي أو توضيح، فيما يبقى الاتجاه العام واحدًا: البحث في جيبه أسهل من إصلاح الدولة التي تمد يدها إلى ذلك الجيب.
الحكم الرشيد لا يكون بالرؤية بعين واحدة.
ولا تكون معالجة العجز المالي بمجرد البحث عن كيفية زيادة إيرادات الدولة، بل بالسؤال في الوقت نفسه:
كيف تخفض الهدر؟ كيف تحسن الجباية العادلة؟ كيف تكبر الاقتصاد؟ كيف تعيد الثقة؟ كيف تحاسب؟ وكيف تجعل المواطن يرى مقابل ما يدفعه دولة حقيقية وخدمات حقيقية؟
نحن لا نقول للحكومة:
لا تجبوا الضرائب.
فلا دولة تقوم من دون إيرادات، ولا خدمات عامة يمكن تمويلها من دون مساهمة المواطنين كل بحسب قدرته وفي إطار العدالة.
لكننا نقول: أصلحوا قبل أن تثقلوا. حاسبوا قبل أن تطالبوا. استعيدوا المال العام قبل أن تبحثوا عما بقي في جيوب الناس. وأعيدوا للدولة وظيفتها قبل أن تعيدوا تسعير رسومها. ولا يزال كثير من اللبنانيين يريدون نجاح هذا العهد وهذه الحكومة، لأن فشلهما لن يكون انتصارًا لأحد، بل خسارة جديدة للبنان. ولذلك فإن هذا الكلام ليس دعوة إلى إسقاط الأمل، بل إلى حماية ما بقي منه.
أيها السادة، لا تحبطوا الناس.
لا تجعلوا الموازنة مرة أخرى مجرد عملية حسابية تبحث عن التوازن في الأرقام على حساب اختلال حياة البشر.
فالناس صبرت طويلًا، وتحملت ما يفوق قدرتها، وعلقت آمالًا على أن يكون القادم مختلفًا. لا تخرجوها من صبرها، ولا تفقدوها إيمانها بإمكان قيام دولة تستحق أن يدفع المواطن لها، لأنه يرى أنها تعمل من أجله لا أنها تتذكره فقط عندما تحتاج إلى ما في جيبه.












09/13/2026 - 15:18 PM





Comments