غسان صفير
رحل الأباتي بولس نعمان، وفي رحيل بعض الرجال، لا نشعر بأن إنساناً قد غاب فحسب، بل بأن صفحةً من الزمن قد أُغلقت، وأن شيئاً عزيزاً من معنى ذلك الزمن قد رحل معه. فثمة أرواح تعبر الحياة، وأرواح تترك فيها أثراً لا يزول.
كان الأباتي بولس نعمان من هؤلاء.
لم يرَ الرهبنة إنسحاباً من العالم، بل دخولاً أعمق في جوهره ووجعه ومسؤوليته، ولم يرَ الإيمان ملاذاً نهرب إليه من قسوة الحياة، بل قوةً تجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهتها. كان يعرف أن الروحانية الحقيقية لا تُقاس بمقدار إبتعاد الإنسان عن الأرض، بل بقدرته على أن يحمل شيئاً من السماء إلى الأرض؛ وأن الإيمان الذي لا يلامس وجع الإنسان وحريته وكرامته ووطنه، يبقى ناقصاً مهما علت كلماته.
لذلك عاش إيمانه لا كفكرة، بل كمسؤولية، وحمل لبنان في وجدانه، لا وطناً يُقال إسمه، بل أمانةً تُعاش وتُدافع عنها.
ولعل الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عبرها، بل بما إستطاع أن يتركه من معنى في حياة الآخرين. فالسنوات، مهما طالت، تنتهي؛ والأجساد، مهما قاومت، تعود إلى التراب. أما ما أعطيناه من حب، وما زرعناه من نور، وما أيقظناه في نفوس الآخرين من رجاء وكرامة ووعي، فقد يتجاوزنا ويستمر بعدنا.
هنا يكمن أحد أسرار الموت.
فحين يغيب الجسد، يسقط كل ما هو عابر، ويبقى الجوهر: الإنسان الذي أحب، والكلمة التي قالها، والموقف الذي دفع ثمنه، واليد التي إمتدت إلى محتاج، والروح التي إستطاعت أن تجعل وجودها رحمةً في حياة الآخرين. ولهذا لا يكون موت الإنسان الصادق غياباً كاملاً.
إنه إنتقال من حضورٍ نراه إلى حضورٍ نحمله؛ من وجهٍ إعتدنا أن نراه، إلى صورةٍ تستقر في الذاكرة؛ ومن صوتٍ كان يصل إلينا، إلى صدىً يسكن في الداخل. ولهذا نشعر اليوم بشيء من اليُتم.
ليس لأن قامةً كبيرة غابت فحسب، بل لأننا نفتقد واحداً من أولئك الذين كان وجودهم يقول، بصمته قبل كلامه، إن في هذا العالم من لا يزال يؤمن بأن للإنسان كرامة، وللكلمة مسؤولية، وللوطن معنى، وللإيمان قدرة على أن يكون فعلاً في التاريخ، لا مجرد عزاءٍ خارجه.
كان الأباتي يعرف أن الإنسان لا يملك الحياة؛ هو يعبر فيها. نحن لا نملك الوقت، بل نعبره، ولا نملك الآخرين، بل نلتقي بهم لبعض الوقت ثم نودعهم. وكل ما نملكه حقاً هو الطريقة التي نعبر بها. والأباتي بولس نعمان إختار أن يعبر وفي قلبه نور، وفي يده أمانة، وفي ضميره وطن.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في رجلٍ عند نهاية الطريق، أنه لم يكتفِ بأن يعيش، بل أعطى لحياته معنى يتجاوز حياته.
ترك إيماناً لم ينكسر أمام صعوبة الزمن، ومحبةً لم تكن كلاماً، وذاكرةً روحية ووطنية ستبقى شاهدةً على رجلٍ آمن بأن الحياة، مهما أثقلتها العتمة، تستحق أن تُعاش في سبيل ما هو أسمى منها.
وحين نقول إنه رحل إلى النور، فذلك لأن الإنسان الذي أمضى حياته يبحث عن الحقيقة، ويخدم الإنسان، ويحمل في قلبه إيمانه ووطنه، لا تنتهي رحلته عند حدود الجسد.
هناك، حيث لا يعود الإيمان إنتظاراً، بل لقاءً؛ وحيث لا يعود الرجاء فكرةً، بل حقيقة.
لقد تعبتَ طويلاً في الطريق، وحملتَ من أثقال وطنك وأهلك ورسالتك ما يكفي لعمرٍ طويل. آن لك أن تضع عنك أعباء الرحلة، وأن تستريح في حضرة النور الذي آمنتَ به، ومشيتَ نحوه طوال حياتك.
سنفتقدك، لأن بعض الرجال حين يرحلون لا يتركون فراغاً في المكان فقط، بل يتركون فراغاً في المعنى.
لكن عزاءنا أن النور الذي يحمله الإنسان في حياته لا ينطفئ برحيله؛ ينتقل من حضوره إلى قلوب الذين أحبوه، ومن كلماته إلى ذاكرة الذين تعلّموا منه، ومن حياته إلى كل روحٍ إستطاعت أن تلمس شيئاً من حقيقة روحه.
رحلتَ إلى النور، وبقي لنا منك الإيمان، والمحبة، والذكرى، والأمانة، ولبنان الذي أحببتَه وحملتَه في قلبك حتى آخر الطريق.
رحمك الله، أيها الراهب النبيل، صاحب الروح التي إختارت أن تجعل من الإيمان حياة، ومن الحياة رسالة، ومن الرحيل عبوراً إلى النور.
فبعض الأرواح لا يغلبها الموت؛ لأنها، حين كانت هنا، تعلّمت كيف تكون أكبر من الجسد، وأبقى من الزمن.
إرحل بسلام.
#حين_يعبر_الإنسان_إلى_النور
#بس_هيك













09/12/2026 - 16:03 PM





Comments