في قبضة العبث: شهادة من قاع المأساة العراقية

09/12/2026 - 14:28 PM

Jonathan Amireh

 

 

عدي حاتم

ليس أشد إيلاماً للروح من أن يُطالب المظلوم بإثبات براءته أمام حكام زمن غائر في الفساد.

في عراق يتنفس المآسي ويضمّد جراحاً لا تندمل، تقف زمرة عائلية مأجورة، مع أذرع مسلحة باعت ولاءها للجوار وخانت أرضها وأهلها، لتبث حول شخصي شائعات مسمومة، تُطلق ألسنتهم تهم الاتجار والتآمر والبعث، هادفين إلى إسقاط صوتي وترهيب قلمي، فقط لأنني أبيت إلا أن أضع المرآة أمام وجوههم الكالحة وأكشف للعلن فسادهم وخيانتهم.

ولن أهبط بمستواي للرد على تهم "التصهين" و"التأمرك"، فالجميع يعلم أن من يستولون على مقاليد هذا البلد منذ عام 2003 لم يأتوا إلا على متن المجوقلات الأمريكية، يُقادون من واشنطن التي تمولهم منذ ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته. إن هذه الشتائم المحروقة لم تعد تُرهب أحداً، بل غدت أداة مفضوحة لم تعد تنفع في زمن بات فيه العراقيون ،على الرغم من أهوال حكم صدام حسين، يرون في جحيم الأمس أهون من المحيط الغارق بالمصائب الذي حُكم عليهم بالعيش فيه اليوم.

من جهتي، لا أداهن ولا أجامـل: إن نظام البعث منذ أن قفز إلى السلطة بالدعم الخارجي عام 1963، هو العلة الأولى والمسؤول الأول عن كل هذا الخراب المتراكم. هو من حطم بنية الدولة، وهو من غرس في قلب المجتمع العراقي إسفين الطائفية والتفرقة والعنصرية النازفة. والغريب في أمر هؤلاء المتسلطين الجدد، أن جلهم أو عوائلهم كانوا جزءاً من تلك الآلة، صلات، وعلاقات أمنية وروابط شخصية جمعتهم حتى برأس النظام نفسه. فنوري المالكي، زعيم "حزب الدعوة"، كان عضواً في حزب البعث في السبعينيات، في زمن لم يكن فيه الانتماء إجبارياً بعد، إذ لم يُفرض الإجبار القسري إلا مع مطالع الثمانينيات.

إنني لا أكتب اليوم لأستجديكم "صك غفران". لا أحتاج براءة من طغاة جعلوا من العراق مكباً لنفايات الجيران، وجدار صد لحمايتهم، وسحقوا هذا الشعب ليجعلوا منه وقوداً لحروبهم البديلة، وسلخوا الأرض ليحولوها إلى ساحة لصفقاتهم، أكتب شهادة للحقيقة التي لم أخفها يوماً، فسيرتي المهنية والوطنية الممتدة منذ عام 1996 مدونة بمداد واضح لا يختفي.

أما عن الماضي، فقصتي هي قصة كل عراقي عجنته مأساة هذا الوطن. ولدت في قرية نائية تُطل على ألم النجف، ولم تكن طفولتي سوى أولى القرابين في معبد ذلك العبث، فمنذ مطالع الثمانينيات، وأنا لم أزل غضاً لا يتجاوز عمري أربع أو خمس سنين، كانت بيوتنا المصنوعة من "الصرائف" وسعف النخيل المتهالك ساحة مستباحة لأزلام السلطة.

كانوا يقتحمون دارنا القروية، يحصون حتى أفرشة نومنا، ويتسللون في عتمة الليل ليتصنتوا خلف جدران القصب السخيفة، علّ أباً أو أمّاً أو طفلاً ينبس بكلمة هَمْس ضد الحاكم المستبد. وفي تلك السن المبكرة، احتجزني رجال الأمن بالقرب من كوخنا، يقفون فوق رأسي الغرير ليستجوبوني عن أبي وأقربائي، وعن أحاديثهم السياسية وما يقولونه عن صدام، ويسألونني بقسوة محاكمة رهيبة: "هل تحب الخميني؟".

يا لبشاعة الموقف! طفل في الرابعة يواجه مقصلة التخيير! شتمت الخميني ، فهو شريك صدام في مآسينا، إذ كنت أدرك بحس الفطرة أن أي كلمة أخرى كانت كفيلة بإبادة أسرتي عن بكرة أبيها، وهو المصير الذي سقاه النظام لأسر عراقية لا تُحصى.

غير أن المشهد الذي صاغ وعيي، وحفر في أعماق روحي أبعاد الوجود والخوف، وقع في ليلة شتاء قارسة، حيث كنا ننام جميعاً تحت أغطية الفقر في كوخنا وكنت مشدوداً بأبي شداً وجدانياً أرى فيه إلهاً أرضياً لا تقهره قوة في الكون. في تلك الليلة، شعرت بأبي يتسلل مغادراً الفراش نحو البستان الخارجي، تبعت خطواته في الظلمة حافياً، واختبأت خلف نخلة عتيقة.

وهناك... في أقصى البستان بعيداً عن أعين العالم، رأيت ذلك الجبل ينهار! أطلق أبي العنان لدموعه وبكى بكاء امرأة ثكلى فقدت كل شيء، هزني المرأى زلزالاً مرعباً، أن ترى آلهة طفولتك تهوي باكية مستكانة! لم أتمالك نفسي، فغلبتني زفرة بكاء وصراخ مخنوق في جوف الليل.

هرع إليّ أبي، احتضنني بوعثاء خائفة، ودموعه تبلل وجهي الصغير: "ما الذي جاء بك يا بني؟". سألته بصوت يرتجف: "هل تخاف أن يعدموك؟". أجابني دون تردد، وبصوت يقطر بالمرارة: "كلا يا بني... لا أخاف الموت، بل أخاف على شرفناا!". ثم استدرك سريعاً كي لا يزرع الرعب في قلبي الصغير، فقطع حديثه ومسح دموعه قائلاً: "لماذا تبعتني؟ لا تشغل بالك بهذه الأمور، سأزيد مصروفك، اذهب ونام واستمتع... إنما بكيت لذكرى ما حلّ بالإمام الحسين".

لم أُلِحّ عليه يومها، لكن ذلك المشهد وظلال تلك الليلة هما اللذان حدّدا كل خطوة خطوتُها لاحقاً تحت ظل ذلك النظام.

لقد كان صدام حسين يتعامل مع هذا الشعب كغنيمة مستباحة، وكانت أولى عقوباته البطشية لترهيب الخصوم قبل إعدامهم هي "هتك العرض وانتهاك الحرمات". لذلك سكت أبي، وسكتت غالبية هذا الشعب الصابر، لم يكن السكوت خوفاً من الموت أو حبّاً في الحياة، بل حماية لشرف كان لديهم أغلى من ملايين الأرواح.

ومن رحم هذه اللحظة الرهيبة، ومن ألم أبي المحتبس خلف تلك النخلة، وُلد موقفي الرافض لكل طغيان. ويعرف أبناء جيلي أن الانتماء القسري للبعث كان قدراً مقدوراً على كل طالب يصل المرحلة المتوسطة، باستثناء أولئك الذين حملت أسرهم شارة "المغضوب عليهم" أمنياً لوجود أقارب لهم ينتمون لأحزاب المعارضة أو فارين من بطش النظام. وحين تخرجت من الثانوية، كانت أبواب التعليم العالي مغلقة صمّاء أمام أي شاب لا يحمل بطاقة الانتماء للبعث.

يا لها من مصيبة وجودية! كيف لي أن أنتمي لحزب أمقته، لكي أتمكن من مقعد دراسي في الجامعة التي أهلتني لها درجاتي؟ وهنا تداخلت الأقدار؛ أنقذني رجل شريف، مختار منطقة "الراشدية" في الكوفة، والذي رغم كونه "عضو فرقة" في البعث، إلا أن إنسانيته طغت على حزبيته، فمنحني تأييداً سكنياً أتاح لي الالتحاق بجامعة بغداد كسائر أبناء جيلي.

واستمر الوجود الشكلي حتى عام 1997.. كنت على وشك التخرج من كليتي، لكن في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1997، انقضت عليّ أجهزة مديرية الأمن العامة. كانت قائمة التهم كافية لإبادة سلالة بكاملها: (شتم رئيس الدولة "صدام حسين" وإهانة عائلته، الانتماء لأحزاب معادية، والتجهير بأفكار مناهضة للحزب والثورة في جامعتي بغداد والمستنصرية والأقسام الداخلية). يعرف كل من تنفس هواء العراق في ذلك العصر أن هذه التهم لا تعني مجرد إعدام المتهم، بل إبادة عائلته حتى الدرجة الرابعة وتصفية أصدقائه. ولكن، بمعجزة لا تُفسر إلا برحمة القدر وبقايا شوائب الخير في نفوس بعض الطيبين، نجوت من الموت المحقق.

أُفرج عني بعد أشهر من العذاب، ولكن بقيد "الإقامة الجبرية". حُرّمت من مغادرة بغداد إلا بإذن رسمي. وحتى حين كان يأخذني الشوق العارم لرؤية أمي، كان عليّ أن أرفع طلباً للجهات الأمنية، أنتظر جوابه لأسابيع أو شهر، بين مطرقة القبول وسندان الرفض. وعندما حاولت العودة لجامعتي، أُغلقت الأبواب في وجهي مجدداً؛ إذ كيف يُقبل في الجامعة من فُصل من الحزب؟

وظل هذا الكابوس يطوق أنفاسي حتى عام 2002، حين صدر العفو العام. خلال تلك السنوات الخمس، لم تكن حياتي سوى متوالية من المراقبة الشديدة، والاقتحامات الليلية لغرفتي المستأجرة في بغداد، والاعتقالات "الاحترازية" الكافية لمحو أي أمل بالاستقرار.

وفي عام 1999، أُعيد اعتقالي -هذه المرة من قبل "المخابرات العامة" - والسبب؟ مقال ثقافي! كتبته عن مكتبة الشيخ الأميني في النجف، تلك الخزانة الروحية التي تتجاوز حمولتها المليون كتاب، وتضم بين جدرانها مخطوطات نادرة بخط الإمام علي، والإمام الصادق، والإمام أبي حنيفة النعمان، وأمهات كتب الصحاح والحديث. وكان ذنبي العظيم أنني طرحت سؤالاً على مسؤول المكتبة: "لماذا لا تُنشأ للمكتبة منصة إلكترونية على الإنترنت؟" أجابني بأن الدولة تطالبهم بمبالغ طائلة لا طاقة لهم بها. تلقفت المعارضة في الخارج هذه الجزئية، وضُخمت في الإعلام الدولي (كالصحافة الفرنسية والصحف الألمانية)، ليدفع المقال بي إلى غياهب المخابرات.

هناك، في زنازينهم، تعرضت لألوان من التعذيب ما زالت آثاره شاهدة على جسدي ونفسي حتى هذه اللحظة. ولم ينقذني من براثنهم إلا تسريبات نشرتها صحف أجنبية ومعارضة عن إعتقالي وعن احتمال إعدامي، فأُجبر النظام على إطلاقي بعد أن اقتادوني أمام الكاميرات لأقول تحت تهديد إبادة عائلتي ، ما ينفي قصة اعتقالي وتعذيبي.

ثم كان الاعتقال الأخير عام 2002 في سجن "الرضوانية" الرهيب بسبب النشر أيضاً، ولم أخرج منه إلا مع العفو الصادر في تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه.

أتحدى اليوم كبار الساسة، وأدعياء "المقاومة"، وقادة الأحزاب القابضين على السلطة: هل مرّ أحدكم بربع ما مررت به من تنكيل وعذاب على يد النظام السابق؟ أنتم من صعدتم على جثثنا وآلامنا لتصنعوا سلطة لا تقل بشاعة عمن سبقكم!

أنا لا أطلب صك براءة من أحد، فجراحي هي وثيقتي، وشهادة القلم هي خلودي، وسيبقى صوتي حراً يكشف زيفكم كما كشف زيف من قبلكم.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment