لبنان… بين تحريرين؟

09/13/2026 - 15:40 PM

Your Ad Here

 

 

مفيد خطّار

 

جماعة تضع نصب عينيها تحرير المقدّس من براثن الاحتلال، إيمانًا منها بما جاء في كتابها، وأخرى تتبنّى خطابًا معاكسًا، وتسعى إلى استعادة ما تعتبره أرضًا مقدّسة لها، وترى أن من حقّها تحريرها واسترجاعها والحجّ إليها بعد أن احتلّها الآخر. وهكذا، لا يعود الصراع في لبنان صراعًا على أرض لبنانية فحسب، بل يصبح صراعًا بين رؤيتين للتحرير، لكلّ منهما مرجعيّتها وقراءتها للمقدّس، ولكلّ منهما جغرافيا تتجاوز حدود لبنان. ولا يمكن إغفال العامل السياسي، بما يحمله من مصالح وأهداف اقتصادية واستراتيجية، حيث يُستخدم الدين لتبرير ما يتجاوز الدين نفسه.

إنّه صراع كتب وتأويلات؛ كتاب يمنح، بحسب معتقد أصحابه، شرعية للتحرير، وتأويل يُستند إليه لتبرير تحرير معاكس. وبين هذا التحرير وذاك، تتحوّل الأرض اللبنانية إلى ساحة لصراع يتجاوزها، ويُطلب من لبنان أن يدفع ثمن معركة ليست معركته وحده.

ليس هذا جديدًا على لبنان. فمنذ أزمنة بعيدة، كان هذا البلد، بحكم موقعه، ممرًّا للقوى والجيوش والغزاة، وأرضًا تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين. وتتبدّل القوى والأسماء والرايات، لكن النتيجة كثيرًا ما تكون واحدة: يرحل المتصارعون، ويبقى لبنان مثقلًا بالدمار، ويبقى أبناؤه يدفعون ثمن معركة لم تكن معركتهم وحدهم. وهنا تكمن إحدى أعقد مآسي لبنان: أن ينقسم اللبنانيون حول الغريب، بدل أن يتّفقوا على لبنان؛ وأن يصبح السؤال: أيّ مشروع خارجي أقرب إلينا؟ بدل السؤال الأهم: كيف نحمي لبنان من أن يصبح مشروعًا في يد الآخرين؟

والمفارقة أن هذين المشروعين المتعاكسين قد يجد كلّ منهما، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في استمرار الآخر ما يخدم أهدافه. وكأن الغاية، حين تُمنح صفة القداسة، تصبح قادرة على تبرير الوسيلة، مهما بلغت قسوتها. عندها تصبح المحرّمات قابلة للاستباحة. يُستباح الوطن باسم التحرير، ويُهجّر الإنسان، وتُستغلّ بيئته جزءًا من مشروع أكبر منها. وفي المقابل، يُنظر إلى التحرير المعاكس، من وجهة نظر أصحابه، على أنّه يبرّر أقسى وسائل الموت والدمار، ما دام الهدف استعادة أرض يرونها مقدّسة أو حقًّا مغتصبًا.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية: حين يصبح المقدّس مبرّرًا للقتل، يصبح كل طرف قادرًا على رؤية نفسه محرّرًا، ورؤية الآخر عدوًّا يستحق كل شيء. لكن أيّ تحرير هذا الذي يحتاج إلى قتل الإنسان كي يحرّر الأرض؟ وأيّ قداسة تلك التي لا تستطيع أن تحمي الإنسان من أجلها؟ وأيّ إيمان يبقى إيمانًا حين يتحوّل إلى ذريعة لاستباحة الوطن؟

فالأرض، مهما كانت مقدّسة في عيون أصحابها، لا تصبح أقدس من الإنسان الذي يعيش عليها. والكتاب، مهما علا شأنه في قلب المؤمن، لا يمكن أن يتحوّل إلى رخصة لقتل من يختلف في تفسيره. والإيمان الذي يحتاج إلى الموت كي ينتصر، يحتاج قبل كل شيء إلى أن يراجع نفسه.

أما لبنان، فلا ينبغي أن يبقى ممرًّا للغزاة أو ساحة لصراع الآخرين. ألم يحن الوقت لأن يتعلّم من تاريخه، وأن يدرك أبناؤه أن الغريب، مهما كان حليفًا أو محرّرًا أو صاحب قضية، يعود في النهاية إلى أرضه، بينما يبقى اللبنانيون وحدهم أمام الركام؟

ربما آن للبنان أن يختار تحريرًا ثالثًا؛ تحريرًا لا يحتاج إلى عدو كي يثبت نفسه، ولا إلى أرض خارج حدوده كي يمنح وجوده معنى. تحريرًا يتحرّر فيه الوطن من الاستباحة، والإنسان من الخوف، والإيمان من توظيفه في الحرب. وهنا يصبح الحياد خيارًا وطنيًا: لا حيادًا عن قضايا الإنسان أو الحق والعدالة، بل حيادًا يحمي لبنان من أن يكون ساحة لصراعات الآخرين.

الحياد لا يعني لبنان ضعيفًا أو أعزل، بل يحتاج إلى دولة قوية وجيش قوي وحديث ومحترف، قادر على حماية الحدود والسيادة، ومواكب لأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا العسكرية. فقوة الجيش تكون للدفاع عن الوطن وردع المعتدي، لا لتكون أداة في صراعات المحاور أو وسيلة لفرض مشاريع الآخرين. فالحياد ليس نزعًا لقوة لبنان، بل تحريرًا لقرار هذه القوة من أن يُستخدم خارج مصلحة الوطن.

لكن لبنان لا ينبغي أن يفهم الحياد بوصفه انكفاءً عن العالم، بل عودة إلى دوره الطبيعي. فبحكم موقعه وتاريخه وتكوينه، ليس لبنان جدارًا يفصل الشرق عن الغرب، ولا ساحة يتصارع فوقها الشرق والغرب، بل جسر بينهما؛ جسر ثقافي وروحي واجتماعي وفكري، ينتقل عبره غنى الشرق إلى الغرب، كما ينتقل غنى الغرب إلى الشرق.

لقد كان لبنان، في أفضل لحظاته، مساحة يلتقي فيها المختلفون، لا مساحة يتقاتلون فيها؛ قادرًا على أن يأخذ من الشرق عمقه الروحي والثقافي، ومن الغرب انفتاحه على العلم والحداثة والمؤسسات، وأن يصوغ من هذا اللقاء تجربة لبنانية خاصة.

لذلك، فإن حياد لبنان لا يعني إغلاق أبوابه أمام قضايا العالم، بل فتحها على العالم كله: حاضرًا في الشرق من دون أن يتحوّل إلى جبهة له، ومنفتحًا على الغرب من دون أن يتحوّل إلى تابع له. أن يكون صلة وصل لا نقطة اشتعال، وجسر عبور لا ساحة عبور.

لبنان يحتاج إلى أن يصبح وطنًا نهائيًا لأبنائه؛ لا محطة مؤقتة في مشروع أكبر، ولا جبهة متقدمة لقضية خارج حدوده، ولا أرضًا تُستعمل ثم تُترك لأهلها. وإذا كان لكل طرف كتابه، ولكل كتاب تأويله، ولكل تأويل تحريره، ولكل تحرير محرّماته التي تصبح مباحة عند الضرورة، فربما يكون أعظم تحرير هو تحرير الإنسان من الوهم الذي يجعله يقتل باسم الله، ثم يظن أنّه يحرّر الأرض.

وربما يكون تحرير لبنان الحقيقي أن يتحرّر من حاجته إلى الآخرين كي يكون وطنًا، ومن حاجته إلى الصراع كي يثبت وجوده؛ أن يتحرّر من أن يكون ساحة ليصبح جسرًا، ومن أن يكون ممرًّا للغزاة ليصبح ممرًّا للثقافة والروح والفكر، ومن أن يكون ضحيّة لتاريخ الآخرين ليصبح شريكًا في صناعة المستقبل. وأن يختار، مرّة واحدة وإلى الأبد، أن يكون وطنًا نهائيًا لأبنائه.

لبنان ليس ساحة بين الشرق والغرب، بل جسر بينهما. ولبنان، إذا عرف كيف يستعيد رسالته، لن يكون مجرّد وطن. لبنان أكثر من وطن؛ لبنان رسالة.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment