م مدحت الخطيب *
نحن فاسدون، لأننا منذ عشرين عامًا ونحن نتحدث، ونهمس، ونغمز على مواطن الفساد، ونؤشر على الفاسدين، وهم يرتقون في الدولة، ونحن نُحال إلى الجرائم الإلكترونية بتهمة تعكير صفو الزعامات والقيادات...
نحن الفاسدون، لأننا ومنذ عشرين عامًا ونحن نُطبّل ونصفّق ونقول إن الوطن بخير، وهو دون ذلك...
نحن الفاسدون؛ سُرقت مقدرات الوطن أمام أعيننا، ونُهبت خيرات الأرض، وبِيعت مقدرات الدولة، ونحن نقول: الخير قادم، والظروف هي السبب وكل مر سيمر وسنخرج من عنق الزجاجة والقادم أجمل ...
نحن الفاسدون، لأننا لم نلتزم حب الوطن، وغرقنا في صمتنا، وتركناه في مستنقع الفساد كل هذه العقود، ثم جلسنا نتحسر على حالنا، حتى أصبح للفساد مؤسسات، لها حراسها وسدنتها وكهنتها...
نحن الفاسدون، لأننا نسمع كل يوم عن إلقاء القبض على موظف صغير هنا وآخر هناك، تتم إحالتهم إلى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد أو القضاء، ونسينا أن خلفهم حيتانًا هي من مهّدت لهم الطريق وشرعت لهم الأبواب..
قبل شهرين، حدثني أحدهم عن زيارة قام بها لأحد المسؤولين الكبار، وقال إن ما شاهده من ترف داخل البيت يفوق ما شاهده في بيوت كبار أمراء الخليج. فمن أين له ذلك؟ وبالطبع، مثله الآن المئات، وحتى الآلاف وبعضهم يتحدث عن حب الوطن ليل نهار...
وزير يخدم اقل من عام ويخرج في تعديل مبهم لا نعرف كيف دخل ولماذا خرج ويخرج بقصر ويجلس ينتقد الوطن حتى يُعيدوه إلى موقع اخر،
أمين عام يخدم سنتين في وزارة يطلع بفيلا، مدير مالي يطلع بطحشة سيارات وأراضٍ، مدير عام يتقاضى بدل رواتب ومكافئات ولجان ومواصلات مئات الألف قادرة على ان تصرف على سرية كاملة من أبطال حرس الحدود ويلعن الوطن ان خرج من منصبه، والمواطن المسحوق يرتجف من البرد شتاءً، ويموت من الحر صيفًا ويطلب منه أن يسكت ويصبر..
مدارس متهالكة، مستشفيات مكتظة، جامعات لا تصلها بالأحلام، نصفها مكارم، وشوارع مدمرة، ونصرخ ليل نهار بالتحديث والتطوير والنمو والازدهار...
ثم نسأل: من أين جاء كل هذا الفساد؟
والحقيقة أننا نعرف الجواب، لكننا منذ سنوات طويلة تعودنا أن نبحث عن الفاسد الصغير، ونترك الحيتان التي صنعت له الطريق...
في الختام اقول وكما قال الراحل نضال سيجري، على لسان «أسعد خرشوف» في مسلسل «ضيعة ضايعة»: «نحن الفاسدون وهم الإشراف»
نعم قد تبدو الجملة ساخرة في مسلسل كوميدي، لكنها في واقعنا لم تعد تثير الضحك بقدر ما تثير الوجع والألم والخوف من القادم... لأن الفساد لا يصنعه الفاسد وحده؛ يصنعه أيضاً من يعرف ويسكت، ومن يرى الخطأ ويغضّ الطرف، ومن يختار السلامة الشخصية على حساب سلامة الوطن والمواطن
نحن الذين لم نلتزم حب الوطن كما يجب، وغرقنا في صمتنا، وتركناه عقوداً في مستنقع الفساد، ثم جلسنا نتحسر على حالنا، تركنا الفساد يكبر حتى أصبح له مؤسسات، وحراس، وسدنة، وأصحاب مصالح يدافعون عنه وكأنه حق مكتسب لا ينازعهم عليه احد...
ولهذا، قبل أن نسأل: من أفسد الوطن؟ علينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً أكثر قسوة: أين كنا نحن عندما كان الفساد يكبر أمام أعيننا؟
فالوطن لا يفسده الفاسدون وحدهم؛ يفسده أيضاً صمت الذين كان بإمكانهم أن يقولوا: لا...حتى وان جرجروهم ليل نهار على الجرائم الإلكترونية وأمام القضاء فالوطن يستحق ذلك وهو أضعف الإيمان ..
* كاتب ونقابي اردني












09/11/2026 - 16:47 PM





Comments