لبنان... من مرتفعات علي الطاهر إلى مرتفعات الوهم

09/11/2026 - 16:31 PM

Jonathan Amireh

 

 

 

 

سيرينا جمال دملج *

قرأتُ اليوم منشورًا على "فيسبوك" كتبه أحد زملاء أبي العزيز، منذ زمان عملهما معًا في "أبو ظبي" و"العربية" قبل قرابة ربع قرن، نقل فيه مواقف وشهادات بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية حول مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان، وفقًا للتالي:

"إذاعة جيش العدو الإسرائيلي: نكشف الآن بأن عملية السيطرة على تلة علي الطاهر استغرقت 3 أشهر وسط مقاومة عنيفة من قبل حزب الله.

صحيفة معاريف العبرية: خيّر الجيش الإسرائيلي عناصر حزب الله في تلة علي الطاهر بين الموت أو الاستسلام، لكنهم رفضوا الاستسلام وخاضوا اشتباكات، بعضها من مسافة قريبة.

صحيفة معاريف العبرية - آفي أشكينازي: كان قتال عناصر حزب الله في علي الطاهر أشبه بمعركة كربلاء.

القناة 12 العبرية: يقول الجيش الإسرائيلي إن عناصر حزب الله كان بإمكانهم مغادرة تلة علي الطاهر والاستسلام، لكنهم لم يفعلوا. ويؤكد الجيش أن حزب الله سعى طوال فترة العملية إلى دعم العناصر المتحصنة، وإجلاء الجرحى، وتزويدهم بالإمدادات".

سأل أحد أصدقاء الناشر في تعليق: "أكيد الصحف الإسرائيلية هيك كاتبة؟!".

فأجابه الناشر: "إي، هيك كاتبة... لأن الإعلام الإسرائيلي أقل صهيونية من الإعلام اللبناني ومعظم العربي... تحياتي".

وردّ المعلّق: "لا إله إلا الله. معاريف كاتبة مقاتلي حزب الله قتال الكربلائيين؟! يا سيد ولوو".

أبي... وتقييم المنشور

لا أعرف إن كانت هذه الاقتباسات قد نُقلت بدقة، ولا أملك، في هذه اللحظة، نصوصها الأصلية لأتحقق من سياقها أو من ترجمتها. لكن ما لفتني في المنشور لم يكن مضمون الاقتباسات وحده، بل الطريقة التي جرى استقبالها بها، ثم تحويلها سريعًا إلى شهادةٍ مكتملة الأركان على "انتصار" لم يعد يحتاج إلى دليلٍ آخر.

سألتُ أبي العزيز عن الخلفية المهنية لزميله القديم. فأجابني بالقول إن مطعم "موال" في أبوظبي و"البازركان" في دبي كانا بين أجمل الأماكن التي جمعتهما على موائد الطعام، وأحيانًا على موائد السياسة، قبل أن ينتهي به المطاف بالعودة إلى لبنان للعمل في "قناة الميادين"، القريبة من الضاحية الجنوبية لبيروت ومن حزب الله أيضًا.

توقفتُ عند هذه الذكرى الصغيرة. فالأشخاص الذين جمعتهم الصحافة في الأمكنة البعيدة، والذين تقاسموا الطعام والحديث والقلق المهني، قد يجدون أنفسهم، بعد سنوات، في مواقع سياسية وإعلامية مختلفة. لكن اختلاف المواقع لا يلغي قيمة الذاكرة، ولا يلغي حق كل واحدٍ منهم في أن يروي ما يراه. ما يثير القلق يبدأ حين تتحول الرواية الشخصية أو السياسية إلى بديلٍ عن الوقائع، وحين يصبح التصديق عليها امتحانًا للولاء.

تناقض المرتفعات

في قصة علي الطاهر، لا تبدو المشكلة في أن يكون هناك قتالٌ عنيف، أو أن يكون مقاتلون قد أبدوا مقاومةً شرسة. فالحروب، بطبيعتها، تنتج مشاهد من هذا النوع. وليست البطولة العسكرية، حتى حين تكون حقيقية، هي المعيار الوحيد الذي تُقاس به نتائج الحرب. السؤال الأهم يبقى: ماذا كانت النتيجة؟ ماذا حلّ بالموقع؟ ماذا حلّ بالقرى المحيطة؟ ماذا حلّ بالسكان؟ وماذا بقي من القدرة على حماية الأرض ومنع تمدد الخطر؟

وبين مرتفعات الأرض ومرتفعات الخطاب، يبدو أن مسافةً واسعة قد نشأت. فعلى الأرض هناك مواقع تُستهدف، ومساحات تُخلى، وقرى تُدمّر، وسكانٌ يتركون بيوتهم، ودولةٌ تجد نفسها أمام واقعٍ أمني لا تملك وحدها قرار صناعته. أما في الخطاب، فكل خسارة قابلةٌ لأن تُعاد صياغتها باعتبارها "ملحمة"، وكل انسحاب يمكن تقديمه على أنه "إعادة انتشار"، وكل تراجع يصبح "صمودًا استراتيجيًا"، وكل سؤال عن الجدوى يتحول إلى إساءةٍ للمقاومة أو إلى طعنٍ في الشهداء.

وهنا تكمن خطورة الشطط: ليس في المبالغة وحدها، بل في إلغاء الحق في السؤال. فمن حق أي طرف أن يعتز بمقاتليه، وأن يحيي ذكرى من سقطوا، وأن يروي معاركه بالطريقة التي يراها مناسبة. لكن ليس من حقه أن يطلب من الناس إغلاق أعينهم عن النتائج، أو أن يعتبر الاعتراف بالخسارة خيانة، أو أن يجعل من كل روايةٍ مغايرة مؤامرةً إعلامية.

الاقتباسات... والرؤية الواضحة

أما القول إن الإعلام الإسرائيلي "أقل صهيونية" من الإعلام اللبناني أو العربي، لمجرد أن بعض وسائله قد تنقل إشادةً بمقاومة مقاتلي حزب الله، فهو ينتمي إلى المنطق نفسه الذي يحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والاقتباس المنقول إلى حقيقةٍ مطلقة. فالإعلام الإسرائيلي ليس كتلةً واحدة، كما أن الإعلام اللبناني والعربي ليس كتلةً واحدة. وقد تنشر وسيلةٌ إسرائيلية روايةً عسكريةً أو شهادةً ميدانيةً لأسبابٍ تتصل بالشفافية أو بالتنافس الداخلي أو بالرغبة في تفسير الإخفاق، من دون أن يعني ذلك أنها تخلّت عن موقعها السياسي أو عن رؤيتها للصراع.

ثم إن الإشادة بالشجاعة، إن صحت، لا تعني الاعتراف بالحق السياسي. قد يعترف الخصم بشراسة خصمه، لكنه لا يعترف بالضرورة بشرعية مشروعه. وقد يصف جيشٌ معركةً بأنها صعبة، من دون أن يكون قد منح الطرف الآخر انتصارًا استراتيجيًا. لذلك فإن اقتطاع جملةٍ من سياقها، ثم بناء روايةٍ كاملة عليها، ليس تحليلًا سياسيًا، بل صناعةٌ جديدة للأسطورة.

خصوصية معنى الدولة

الأكثر إيلامًا أن هذه الأساطير لا تُنتج حياةً أفضل للبنانيين. إنها لا تعيد النازحين إلى بيوتهم، ولا تمنع الغارات، ولا تحمي القرى، ولا تعيد للدولة قرارها. بل قد تمنح الجمهور لحظةً من التعويض النفسي، قبل أن تتركه أمام السؤال نفسه: لماذا يدفع الناس ثمن معارك لا يملكون قرارها، ولماذا يُطلب منهم أن يصفقوا للرواية بدل أن يسألوا عن الحصيلة؟

إن مرتفعات علي الطاهر ليست مجرد موقعٍ عسكري. إنها اختبارٌ لمعنى الدولة، ولحدود السلطة، وللفارق بين المقاومة بوصفها فعلًا دفاعيًا محددًا، وبين السلاح حين يتحول إلى مشروعٍ سياسي وأمني مستقل عن المؤسسات الشرعية. فإذا كان الجيش اللبناني هو المؤسسة التي يُفترض أن تتولى حماية الأرض، فإن تسليمه المواقع لا ينبغي أن يُقدَّم بوصفه تنازلًا أو هزيمة، بل باعتباره عودةً للقرار إلى مكانه الطبيعي.

وربما آن الأوان للانتقال من "مرتفعات الميدان" إلى "مرتفعات الحقيقة". والحقيقة لا تحتاج إلى إنكار خسائر الخصم أو تضخيم بطولاتنا، بل إلى النظر في الوقائع كما هي: ما الذي حُمي؟ ما الذي فُقد؟ من دفع الثمن؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم؟

فحين تتحول الخسارة إلى أسطورة، يصبح الاعتراف بالواقع أصعب من مواجهة العدو. وحين يصبح السؤال تهمة، لا يعود الخطاب دفاعًا عن الأرض، بل دفاعًا عن صورةٍ ذهنية لا تريد أن ترى الأرض نفسها.

 

*  إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية مقيمة في واشنطن

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment