الدكتور/ محمد حسين *
لم يكن الاستبداد يوماً مجرد نظام سياسي جائر يمارس الجباية أو يحتكر المقدرات، بل هو في جوهره هدم لعماد الروح الإنسانية وتجريد للإنسان من كرامته التي كفلتها له الفطرة. فعندما تستبد السلطة بالرأي، تضيق الأوطان بأهلها، ويغدو الخوف أسلوبًا للحياة؛ فيتوارى الأحرار ويتقدم الأدعياء. وليست النهاية الطبيعية لهذا المسار مجرد تجريف اقتصاد، بل شلل يصيب وجدان الأمة، ويدفع بالدول -مهما عظم شأنها- إلى الانهيار.
جاء القرآن الكريم ليفكك هذه المعادلة الصارخة، متخذًا من فرعون النموذج الأوضح لمنظومة الفساد السياسي. فالقرآن لم يكتفِ بإدانة المستبد الذي ادعى امتلاك الحقيقة المطلقة ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾ [غافر: 29]، بل اتسعت دائرة الإدانة لتشمل بطانة الفساد التي تجمل الباطل ووزرائه اللذين يُعينوه، والجند الذين يحموه، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: 8] والرعية التي ارتضت الهوان وسكتت؛ موضحًا أن الطغيان لا يستقر إلا في بيئة تقبل الخنوع ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54]. ومن هذا الفهم البنيوي، يقدم الإسلام تصورًا مغايرًا لمفهوم الحكم؛ يقلب فيه "الهرم التقليدي" للسلطة، لتصبح الأمة هي الأصل ومصدر السيادة، بينما الحاكم ليس أكثر من وكيل أو أجير تختاره، وتراقبه، وتحاسبه، وتملك عزله إذا انحرف عن مهمته.
يتجلى هذا المبدأ بوضوح في جعل الشورى أساسًا لإدارة الشأن العام، حيث القرار نتاج حوار متكافئ بين أفراد الأمة ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، وحيث ينفى الإكراه حتى عن مقام النبوة نفسه ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ۞ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21-22]. ولم يقف هذا التصور عند حدود الاختيار، بل جعل من مقاومة الظلم والرقابة على السلطة تكليفاً أخلاقياً؛ ينهاهم عن الركون إلى الظلمة ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]، ويحذرهم من اتباع القوة الغاشمة التي لا تقيم عدلاً ولا تصلح أمراً ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ۞ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: 151-152].
لذلك نجد أن الفلسفة السياسية عند جان جاك روسو - رائد الفكر الديمقراطي الغربي – في كتابه الأشهر العقد الاجتماعي تتقاطع في جوهرها مع الشريعة الإسلامية في ترسيخ قواعد الحكم الديمقراطي؛ حيث تتجلى هذه المشابهة في خضوع الحاكم والمحكوم لمعيار قانوني واحد يكرس سيادة التشريع، وإلغاء الطبقية والكهنوت الديني لصالح المساواة والعدالة الاجتماعية، فضلاً عن التناغم بين عقد الشورى الإسلامي ومفهوم «الإرادة العامة» الذي يستمد منه الحكم مشروعية مصلحة الرعية.
والحقيقة لم تكن التطبيقات الأولى في صدر الإسلام إلا تجسيدًا عمليًا لهذه المفاهيم؛ فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الوقوف في وجه الانحراف أعظم صور الجهاد حين قال: «أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ سلطانٍ جائر»، ووضع الأمة أمام مسؤوليتها المباشرة في الأخذ على يد الظالم حتى يخضع للحق حين قال: «كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً».
وفي هذا الفضاء المنفتح، أعلن أبو بكر الصديق رضي الله عنه معالم خطابه الأول، محدداً طبيعة العلاقة بين الحاكم والرعية بعبارته الخالدة: «إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم»، لتستقر الفلسفة الإسلامية الأصيلة على أن السلطة حق للأمة تعطيه لمن يخدمها، وتنزعه ممن يظلمها.
* أستاذ القانون الدولي












09/11/2026 - 15:51 PM





Comments