عولمة برنامج الأفراح أمرٌ مُباح!!

09/11/2026 - 14:36 PM

Your Ad Here

 

 

بقلم: مارون سامي عَزّام

قضيّة الأعراس التي يعاني مجتمعنا من تزايدها سنويًّا ليست عصيّةً على المعالجة؛ إنّما المشكلة أنّ خلايا إمداداتها تتطوّر بصورةٍ مرعبة، بآليّات احتفاليّة غربيّة "خلّاقة". والسيطرة عليها تحتاج إلى تفكيرٍ عقلانيّ فقط؛ إذ لا علاقة لها بطقوسنا، بل تهدف إلى شعشعة أنوار "شوفة الحال"، التي تطغى على الخلفيّة الحقيقيّة المنسيَّة لأهل العرس.

هناك مختصّات جاهزات "دايمن تحت طلب" العرائس، فيوسّعن دائرة التزيين بصورةٍ لم نعهدها من قبل، تشمل القاعات ومنزل أهل العروس بأشكالٍ مختلفة من الورود، التي يُفترَض أن تكون عبقةً بعطرها، لكنها تعبق برائحةٍ ماديّةٍ زخمةٍ جدًّا، نظرًا إلى ارتفاع كلفتها؛ ورغم ذلك، يتجنّد والد العروس لتنفيذ "رغبة ابنته الأخيرة"، بما أنّها مُقبلة على افتتاح موسم ربيع فرحها، مستجيبًا لها "خوفًا" من نفيها إلى عزلةٍ قسريّة، مع أنّها ستواظب بانتظام على زيارة منزل والديها!

الورود التي توضع إلى جانبي العروس، أو عند مدخل القاعة كقوس نصر للأنا!، تحوّلت إلى ضيافةٍ بصريّةٍ تحمل "رقيًّا اجتماعيًّا ظاهريًّا"، وهي دليلٌ على غيرة العروس من اللواتي سبقنها؛ فانزرعت الفكرة في دماغها وأزهرت بالمنافسة، دون أن تأخذ بعين الاعتبار القدرة الماليّة لوالدها، فهي تحسبها "من جُمْلة هالمصاريف".

طابع الأفراح الحديثة المفروضة على الأهالي "من غير إشي" غربيّ، وتوابعها معروفة. منها نشر مقاطع من الفرح على صفحاتهم في موقع "فيسبوك"، لزيادة نسبة المشاهدة وبثّ ضجيجها في آذان المشاهدين، إذ يُطلَب منهم التفاعل قدر الإمكان، مع ناشرها عبر جميع منصّاته. ألم تُفرض بهذه الصورة عولمة التهنئة الرقميَّة على المتابعين؟!! نشهد حديثًا أيضًا انتقاداتٍ مصوّرةً من قِبَل البعض على تطبيق "تيك توك" تحديدًا، ينتقدون فيها تضخّم جدول الفرح، ولكن... "سَمعان مش هون".

من جملة هذه التوابع "إنتاج حفلات وداع العزوبية" المنتشرة، ذات المنشأ الغربيّ الترفيهيّ، فقد كَتَبَ لها السيناريو مجموعةٌ مقرّبة من الأصدقاء، ليقضوا وقتًا وداعيًّا طويلًا مع العريس أو العروس، فيمرحون إلى أن تُزهِر براعم الفجر. هذا الاحتفال الأهوج يعكس مرحلة الانعتاق من طيش الشباب والانضمام إلى نادي الاستقرار الزوجي. بهذا الأسلوب يُخفّفون من رهبة المرحلة الحياتيّة الجديدة؛ يعني كأنّ العروسَين كانا معزولَين عن أصدقائهما طوال السنة، علمًا بأنّ لقاءاتهم مستمرّة وعامرة بالأحاديث المطعّمة بالضحكات الهستيريّة.

الأعراس لم تعد مقتصرةً على موسم الصيف، بل امتدّت إلى الفصول كلّها، بعدما أصبحت معظمها تُقام داخل القاعات المكيّفة. فاضطرّ أصحاب العرس أن ينقلوا موقع فرحهم إليها، لصِغَر مساحة بعض بيوتهم التي لا تتّسع لاستقبال جميع المدعوّين في زيانة العريس، التي من المفروض أن تكون أهليّةً؛ فتَمسَّك البعض بهذا البذخ الجديد تحت شعار "فش حدا أحسن من حدا"، وغدت القاعات المنفذ الوحيد لإنقاذ أصحاب العرس من "سواد الوجِه" الذي سيلاحقهم في ذاكرة الناس، وهذه عولمة تخطيطيَّة جديدة!! 

المناسبات الثانويّة للعرس لا تراعي أوضاع الناس، التي تحتضر فيها مصاريفهم على مضاجع احتياجاتهم الاستهلاكيّة اليوميّة، لذا بوسع أهل العرس اختصار قسمٍ منها، ولن تتعطّل مدينة ملاهيهم !! المشكلة تكمن في شعار "ما الواحد متجوِّز مرّة واحدة"، فيتّخذونه مبرّرًا شائعًا، ويستعملونه غطاءً اجتماعيًّا وجيهًا!!

أحيانًا تتكدَّس الأفراح صدفةً في أسبوعٍ واحد، كرزمة ترفيهية، ممّا يعرقل التزامات الناس اليوميّة إثر تلبيتهم لها، فتتداخل مواعيدهم، لذا يضطرّون إلى تأجيل بعضها إلى ما بعد إتمام المَهَمّات المطلوبة، لأنّ الأولويّة مُنحت للانضمام إلى جيش الأفراح، الذي لن تهزمه قوّات البساطة المنتشرة على حدود التَّعقّل، ولن تردعه مُسيَّرات المجتمع الأخلاقيّة.

أستنتج، بعد كلّ ما ذكرت، أنّ أفراحنا أصبحت مُعرَّبةً في مضامينها وسلوكيّاتها؛ فالعرس يبدو محلّيًّا في ظاهره، لكنّ جوهره مُعرَّب كلّيًّا ولا يشبهنا، بحجّة "انعدام الخبرة التجهيزيّة"، تمامًا كالدراما التركيّة المعرّبة التي لا تمتّ إلى البيئة العربيّة بصلة، بحجّة أزمة النصوص... إنّ تعريب الأعراس بهذا الشكل مرفوض تمامًا، لأنّ هذه المظاهر دخيلة على تقاليدنا المعتادة؛ لذلك أخذنا أفراحنا إلى وجهة الغرب، مستعينين بخبراته الجديدة، لنفتخر بقدرتنا على استيراد بعض أدوات أفراحه، ونفوز بجائزة "السَّبق الدوليّة" تقديرًا لعولمة أدائنا الشرقيّ في الأعراس.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment