المسيحيون في لبنان: استراتيجية البقاء قبل فوات الأوان

09/11/2026 - 14:26 PM

Atlantic home care

 

الوجود المسيحي لا تحميه الشعارات… بل القوة والدولة والإنسان

 

بقلم فرنسوا الجردي

المعركة لم تعد على حصة سياسية… بل على القدرة على البقاء

لم يعد السؤال الذي يواجه المسيحيين في لبنان: كيف نحافظ على حصتنا في السلطة؟ بل السؤال الأخطر: كيف نحافظ على وجودنا نفسه، ونضمن أن يبقى لبنان وطناً يستطيع أبناؤنا أن يعيشوا فيه؟

المشكلة ليست في كون المسيحيين أقلية أو أكثرية، بل في أن الهجرة المستمرة، وتراجع الولادات، والأزمة الاقتصادية، وتآكل الدولة، والانقسام السياسي، وتراجع الثقة بالمستقبل تستنزف وجودهم بصمت. والخطر الأكبر أن يتعاملوا مع هذه الوقائع بردود فعل موسمية، فيما المطلوب استراتيجية طويلة المدى.

أولاً: وقف النزف البشري

الأولوية المطلقة هي الشباب والعائلة.

لا يمكن مطالبة اللبناني بالبقاء فيما لا يجد عملاً، ولا أمناً، ولا سكناً، ولا أملاً بمستقبل أولاده. لذلك يجب تحويل وقف الهجرة إلى مشروع عملي: استثمارات في المناطق المسيحية، دعم المؤسسات الصغيرة، تشجيع السكن والزواج وتكوين العائلات، وخلق فرص عمل مرتبطة بالاقتصاد الحديث.

الهدف ليس منع الهجرة، فهذا مستحيل، بل جعل البقاء خياراً ممكناً ومجدياً.

ثانياً: تحويل الاغتراب إلى قوة

الانتشار المسيحي واللبناني في العالم يمكن أن يكون إحدى أهم أدوات الإنقاذ.

المطلوب إنشاء شبكة اغترابية فاعلة تربط أصحاب رؤوس الأموال والخبرات بالداخل، وتحول المغترب من ممول موسمي إلى شريك في الاستثمار والتعليم والتنمية والتأثير الدولي.

ثالثاً: حماية الأرض وبناء القوة الاقتصادية

من يفقد أرضه ومؤسساته ومدارسه واقتصاده، يضعف وجوده مهما كانت قوة خطابه السياسي.

المطلوب حماية الملكية من البيع الاضطراري، وتشجيع الاستثمار المنتج، ودعم الزراعة والسياحة والصناعة والتكنولوجيا، وبناء اقتصاد قادر على إبقاء الناس في مناطقهم.

الأرض ليست مجرد عقار؛ إنها جزء من الوجود.

رابعاً: الدولة هي الضمانة لا الخارج

يجب أن يكون الموقف المسيحي واضحاً: لا حماية دائمة بالسلاح، ولا بالوصايات، ولا بالمحاور.

أقوى ضمانة للمسيحيين هي دولة لبنانية سيدة، قوية، عادلة، تحتكر السلاح وتطبق القانون وتحمي جميع مواطنيها.

ومن هنا يصبح الدفاع عن سيادة لبنان واستقلال قراره وحصرية السلاح بيد الدولة مصلحة مسيحية ووطنية في آن واحد.

خامساً: وحدة استراتيجية لا وحدة حزبية

ليس المطلوب إلغاء الأحزاب أو توحيدها، بل إنهاء الخلافات التي تمنع التفكير بالمستقبل.

المطلوب مجلس استراتيجي مسيحي ـ لبناني يضم الكنائس والأحزاب والجامعات والاقتصاديين والاغتراب والمجتمع المدني، يضع خطة تمتد لعشرين عاماً، بعيداً عن الحسابات الانتخابية.

سادساً: مشروع للبنان لا للمسيحيين وحدهم

وهنا جوهر المعادلة.

لن يستطيع المسيحيون حماية وجودهم إذا تحولوا إلى جماعة خائفة ومنغلقة. قوتهم الحقيقية أن يحملوا مشروعاً للبنان كله: دولة، سيادة، حريات، قضاء مستقل، اقتصاد منتج، لامركزية إدارية، حياد، وتعددية سياسية وثقافية.

فالمسيحيون لا يحتاجون إلى لبنان مسيحياً كي يبقوا فيه؛ بل يحتاجون إلى لبنان حر ومتعدد يستطيعون أن يكونوا فيه شركاء كاملين.

المعركة الحقيقية على المستقبل

المطلوب اليوم الانتقال من سياسة الدفاع وردّ الفعل إلى استراتيجية بقاء وبناء، عنوانها: الإنسان، العائلة، الأرض، الاقتصاد، التعليم، الاغتراب والدولة.

لا يكفي أن نقول إن المسيحيين أصحاب وجود تاريخي يمتد قروناً. التاريخ وحده لا يحمي أحداً.

الوجود الذي لا يجدّد نفسه يموت، والمجتمع الذي لا يصنع مستقبله يتحول إلى ذاكرة.

لذلك فإن المعركة اليوم ليست لاستعادة الماضي، ولا للحصول على مقاعد إضافية في السلطة.

إنها معركة أن يبقى المسيحي في لبنان لأنه يريد البقاء، وأن يستطيع البقاء، وأن يشعر أن لأبنائه مستقبلاً فيه.

وهذا لا يحتاج إلى معجزة. يحتاج إلى إرادة، ووعي، ووحدة في الرؤية، وخطة، وقرار.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment