الاب البر حبيب عساف
في خريف عام 2026، يلتقي مساران من قلب الكنيسة الكاثوليكية الواحدة، وإن اختلفت طبيعتهما ومجالهما: مسار تشريعي يتجسّد في الرسالة الرسولية Mutua Concordia («الوفاق المتبادل») التي أصدرها البابا لاون الرابع عشر في 29 آب 2026، ومسار سينودسي رعوي يتمثّل في الدعوة إلى الصلاة من أجل السينودس العام العادي للكنيسة السريانية الكاثوليكية، المزمع عقده في دير سيدة النجاة – الشرفة من 17 إلى 20 تشرين الثاني 2026.
قد يبدو أن لا رابط مباشر بين وثيقة قانونية تعدّل بعض أحكام قانون الكنائس الشرقية، وبين سينودس كنسي يلتئم للتداول في شؤون كنيسة محلية. غير أن قراءة الحدثين في ضوء مفهوم واحد تكشف عن خيط لاهوتي وقانوني مشترك: الشركة الكنسية.
فالتشريع الكنسي، في التقليد الشرقي، لا يُفهم بوصفه مجموعة قواعد إدارية فحسب، كما أن السينودسية لا تختزل في آلية لاتخاذ القرارات. كلاهما يفترض رؤية للكنيسة باعتبارها شركة: شركة في الإيمان، وشركة في المسؤولية، وشركة في ممارسة السلطة.
ومن هنا يمكن قراءة Mutua Concordia وسينودس الشرفة ضمن سؤال واحد: كيف يمكن للوفاق بين رأس الكنيسة ومجمع أساقفتها أن يتحول من مبدأ لاهوتي إلى ممارسة قانونية وسينودسية تضمن وحدة الكنيسة وفاعلية رسالتها؟
أولًا: Mutua Concordia — من معالجة ثغرة قانونية إلى تأكيد منطق الشركة:
تتناول الرسالة الرسولية Mutua Concordia مسألة ذات طابع قانوني دقيق، تتمثل في تعديل بعض أحكام قانون الكنائس الشرقية (CCEO)، ولا سيما ما يرتبط بحالة شغور الكرسي البطريركي.
وقد جاءت الوثيقة لمعالجة حالة لم تكن الأحكام السابقة تعالجها بصورة صريحة، وهي الحالة التي يؤدي فيها خلل خطير ومستعصٍ في العلاقة بين البطريرك ومجمعه إلى تعذر ممارسة الخدمة البطريركية بصورة سليمة.
وتقترح الوثيقة، في هذه الحالة، مسارًا إجرائيًا يقوم على مجموعة من الضمانات: وجود سبب خطير، ومبادرة المجمع إلى طلب استقالة البطريرك، ثم اللجوء، في حال رفضه، إلى تصويت سري بأغلبية الثلثين، مع ضمان حق الدفاع، على أن يُرفع القرار في النهاية إلى الحبر الأعظم للموافقة عليه.
وهنا تكمن أهمية الوثيقة: فالتعديل ليس مجرد إضافة مادة إجرائية إلى القانون، بل ينطلق من تصور لاهوتي لطبيعة السلطة في الكنائس الشرقية.
فالعنوان نفسه، Mutua Concordia، أي «الوفاق المتبادل»، يحدد مفتاح القراءة. فالوثيقة تربط ممارسة السلطة البطريركية بعلاقة الشركة بين البطريرك، بوصفه رأس الكنيسة، ومجمع الأساقفة، بوصفه الهيئة التي تشاركه المسؤولية عن حياة الكنيسة ورسالتها.
وعليه، لا يظهر البطريرك في النموذج الشرقي بوصفه سلطة منفصلة عن المجمع، كما لا يتحول المجمع إلى سلطة مقابلة أو منافسة للرئاسة البطريركية. المطلوب هو التوازن بين الأولوية الرئاسية والمشاركة المجمعية، ضمن وحدة الكنيسة وسلطانها المشترك.
وهذا يقرّب التشريع من المفهوم الأوسع للكنيسة باعتبارها Communio، أي شركة لا تقوم على التراتبية وحدها، ولا على المشاركة المجردة وحدها، بل على ترابط المسؤوليات والسلطات في خدمة الوحدة والرسالة.
ثانيًا: سينودس الشرفة وحين تتحول الشركة إلى ممارسة:
في هذا الإطار نفسه، يمكن النظر إلى الدعوة التي وجّهها البطريرك مار إغناطيوس يوسف الثالث يونان إلى أبناء الكنيسة في الشرق وبلاد الانتشار للصلاة من أجل أعمال السينودس العام العادي، طالبًا أن يقود الرب الآباء الأساقفة «بروح المحبة والشركة الأخوية».
إن أهمية هذه الدعوة لا تكمن في بعدها الروحي فحسب، بل في دلالتها الكنسية أيضًا. فالسينودس ليس مجرد اجتماع إداري أو مناسبة لاتخاذ قرارات تنظيمية، بل هو إحدى الآليات الأساسية التي تعبّر من خلالها الكنيسة الشرقية عن طبيعتها المجمعية.
وفي التقليد السرياني الأنطاكي، يرتبط المجمع ارتباطًا وثيقًا بممارسة المسؤولية المشتركة: فيه تُناقش شؤون الكنيسة، ومن خلاله تُمارس المسؤولية الجماعية للأساقفة، وفي الإطار الكنسي نفسه تتبلور العلاقة بين رأس الكنيسة ومجمعها.
ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار سينودس الشرفة مناسبة عملية لاختبار معنى «الوفاق المتبادل» قبل أن يتحول إلى مسألة قانونية. فالقانون يتدخل عندما تصل العلاقة إلى مرحلة أزمة عميقة، أما السينودسية فتفترض أن الحوار والإصغاء والتشاور والمسؤولية المشتركة هي وسائل طبيعية لحماية الشركة ومنع الأزمات من الوصول إلى نقطة الانسداد.
وهنا تظهر قيمة Mutua Concordia: فهي لا تجعل من آلية التدخل القانوني قاعدة للعلاقة بين البطريرك ومجمعه، بل تبدو أقرب إلى شبكة أمان لحالة استثنائية، بينما يبقى الأصل هو الحوار والشركة والتعاون في خدمة الكنيسة.
ثالثًا: من القانون إلى اللاهوت وثلاثة أبعاد للقراءة:
1. البعد القانوني: حماية الكنيسة من الانسداد
على المستوى القانوني، يهدف التعديل إلى سد ثغرة إجرائية يمكن أن تؤدي، في ظروف استثنائية، إلى تعطيل الحياة الكنسية عندما تصبح العلاقة بين البطريرك ومجمعه متأزمة بصورة خطيرة.
لكن اللافت أن القرار لا يُترك للمجمع وحده، بل يبقى خاضعًا للموافقة البابوية. وهذا يعكس توازنًا بين مستويين من الشركة: استقلال الكنيسة الشرقية في إدارة شؤونها وفق تقليدها وقانونها الخاص، ووحدتها مع الكنيسة الجامعة.
وبذلك لا تصبح المجمعية مرادفًا للاستقلال عن روما، كما لا تصبح الأولوية البابوية إلغاءً للخصوصية القانونية واللاهوتية للكنائس الشرقية.
2. البعد اللاهوتي: السلطة بوصفها خدمة للشركة
أما على المستوى اللاهوتي، فإن القيمة الأعمق للوثيقة تكمن في إعادة وضع السلطة داخل إطار الشركة.
فالسلطة في الكنيسة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي خدمة للوحدة والرسالة. ولذلك فإن العلاقة بين البطريرك ومجمعه لا ينبغي أن تُفهم بمنطق المنافسة على النفوذ، بل بمنطق التكامل في المسؤولية.
وهذا ينسجم مع التقليد الكنسي القديم، ولا سيما في الفكر الأنطاكي الذي شدّد على الانسجام بين الأسقف والجماعة الكنسية، وعلى أن وحدة الكنيسة لا تنفصل عن وحدة الرئاسة والشركة.
ومن هنا يصبح القانون، في المنظور الكنسي الشرقي، خادمًا للحياة الكنسية وليس بديلًا عنها. فالمادة القانونية لا تستطيع أن تنتج الشركة بحد ذاتها؛ إنها تستطيع فقط أن تحميها عندما تتعرض للخطر.
3. البعد المسكوني والرعوي وما الذي يستطيع الشرق أن يقدمه؟
تكتسب المسألة بعدًا إضافيًا عندما تُقرأ في سياق العلاقات مع الكنائس الشرقية غير الكاثوليكية.
فالكنائس الأرثوذكسية الشرقية، بحكم خبرتها التاريخية، تحمل حساسية عميقة تجاه العلاقة بين الأولوية والمجمعية، وبين دور رأس الكنيسة ودور المجمع. ولذلك فإن أي تطور في فهم ممارسة السلطة داخل الكنائس الكاثوليكية الشرقية يمكن أن يحمل أيضًا دلالة مسكونية.
وهنا تبرز خصوصية الشرق: ففي بيئة كنسية تتجاور فيها تقاليد مختلفة، وتعيش فيها الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية في كثير من الأحيان في الجغرافيا والثقافة والهموم الرعوية نفسها، تصبح مسألة كيف نختلف من دون أن ننقسم، وكيف نمارس السلطة من دون أن نفقد الشركة سؤالًا يتجاوز الإطار القانوني الداخلي.
رابعًا: من «الوفاق المتبادل» إلى «ثقافة الوفاق»
ربما تكمن القيمة الأهم في الربط بين Mutua Concordia وسينودس الشرفة في الانتقال من مفهوم قانوني إلى ثقافة كنسية. فإذا كان التشريع الجديد يضع آلية لمعالجة حالة استثنائية عندما تصبح العلاقة بين البطريرك ومجمعه مستعصية، فإن السينودسية هي المجال الطبيعي لبناء تلك العلاقة قبل بلوغها مرحلة الأزمة. وهذا يعني أن «الوفاق المتبادل» لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره إجراءً قانونيًا يُستدعى عند الضرورة، بل باعتباره ثقافة في ممارسة السلطة الكنسية: الإصغاء قبل القرار، والحوار قبل المواجهة، والتشاور قبل الحسم، والاحتكام إلى مصلحة الكنيسة قبل الاعتبارات الشخصية أو الفئوية.
ومن هنا تلتقي الوثيقتان، على اختلاف طبيعتهما، في نقطة أساسية: الشركة ليست نتيجة تلقائية للهيكل الكنسي؛ بل هي مسؤولية يجب أن تُمارس باستمرار.
قد يكون السؤال الأهم الذي يطرحه خريف 2026 على الكنيسة السريانية الكاثوليكية أوسع من مجرد تطبيق قانون جديد أو عقد سينودس دوري.
السؤال هو: هل تستطيع الكنيسة أن تجعل من الشركة أسلوبًا دائمًا في ممارسة السلطة، لا مجرد شعار لاهوتي أو مبدأ قانوني؟ وإذا كانت Mutua Concordia تضع إطارًا قانونيًا للتعامل مع حالات الانسداد القصوى، فإن سينودس الشرفة يستطيع أن يجسّد الوجه الإيجابي للشركة: أن يجتمع الأساقفة لا فقط لاتخاذ القرارات، بل للإنصات؛ لا فقط لممارسة السلطة، بل لتحمل المسؤولية؛ ولا فقط لحماية المؤسسة، بل لتجديد رسالتها. وعندها يصبح «الوفاق المتبادل» أكثر من عنوان لوثيقة قانونية. يصبح طريقة لفهم الكنيسة نفسها: رئاسة لا تنعزل عن المجمع، ومجمعية لا تنفصل عن الرئاسة، وقانون يحمي الشركة، وسينودسية تجعلها حيّة.
ومن الشرق، حيث تتقاطع جراح الكنائس وتحدياتها، يمكن لهذا النموذج أن يحمل رسالة تتجاوز حدود كنيسة بعينها، لأن الوحدة لا تعني إلغاء التنوع، وأن السلطة لا تعني الاستئثار، وأن الاختلاف لا يجب أن يقود بالضرورة إلى الانقسام.
في النهاية، تبقى كلمات الإنجيل هي المعيار الأبعد لكل إصلاح قانوني وكل مسار سينودسي: «ليكونوا واحدًا» (يو 17: 21).
فغاية القانون ليست قانونًا أفضل فحسب، وغاية السينودس ليست قرارات أكثر فحسب؛ بل أن تصبح الكنيسة، في ممارستها للسلطة وفي عيشها للشركة، أكثر قدرة على الشهادة للمسيح.












09/06/2026 - 13:00 PM





Comments