مفيد خطّار
لا نعرف قيمةَ ما نملك إلّا حين نفقده، ولا ندرك قيمةَ ما فقدناه إلّا بعد أن يمضي الوقت، ويصبح من الصعب أن نعيد الزمن إلى ما كان عليه.
تلك حال البشر. فعندما يفقد الإنسان المنطق والحكمة، تهجر الحكمة العقول، ويعلو صوت الغرائز والأوهام، ويبدأ الخراب قبل أن ندرك أننا نسير إليه. ولقد سُمِع هذا الصوت مرّةً من فم يوحنا المعمدان، صارخًا في البرية، داعيًا إلى التوبة قبل فوات الأوان.
فأين صوتُك يا ابن لبنان، المؤمن بلبنان رسالةَ تعايشٍ بين الشرق والغرب، في وطنٍ أكبر من وطن؟
أين صوتُك حين يعلو السلاح على العقل، وحين يتقدّم الانتماء إلى الجماعة على الانتماء إلى الوطن، وحين يتحوّل لبنان من جسرٍ بين الشرق والغرب إلى ساحةٍ لصراعاتهما؟
نعيش في لبنان، ولكننا لا نعرفه.
نموت في لبنان، ولكننا لا ندرك نعمةَ أن يسترنا ترابه.
نقتل لبنان، ولكننا لا ندرك أننا، حين نقتله، نقتل أنفسنا.
في بلد الرجاء، يستقرّ اليأس.
وفي بلد الجمال، يغرس البؤس أنيابه في قلب الجمال.
وفي بلدٍ كان يمكن أن يكون جسرًا بين الشرق والغرب، نبني المتاريس بين بعضنا وبعض.
نملك وطنًا صغيرًا في مساحته، كبيرًا في رسالته؛ وطنًا يستطيع أن يحمل غنى الشرق إلى الغرب، وغنى الغرب إلى الشرق، وأن يكون جسرًا ثقافيًا وروحيًا وإنسانيًا بين عالمين.
لكننا بدل أن نحمي الرسالة، قتلنا حاملها. وبدل أن نعرف قيمة النعمة، استنزفناها. وبدل أن نستدرك الانهيار، انتظرنا أن يسقط البناء على رؤوسنا. ولعلّ المأساة ليست في أننا فقدنا لبنان، بل في أننا لم نعرف قيمة ما كان بين أيدينا. فهل نستفيق قبل أن يصبح التراب الذي يسترنا شاهدًا علينا؟ وهل يرتفع من برّية العقل اللبناني صوتٌ يقول: كفى؟
كفى قتلًا للبنان باسم لبنان.
كفى تدميرًا للوطن باسم حمايته.
كفى تحويلًا للرسالة إلى ساحة، وللوطن إلى متراس، وللإنسان إلى وقودٍ لصراعات لا تنتهي.
وقبل أن ينهار البناء على مَن فيه، ليتنا نسمع الصوت؛ صوتًا يدعونا إلى التوبة، واسترداد العقل والحكمة، وتصحيح المسار، واكتشاف لبنان من جديد.
فلبنان ليس مجرّد وطنٍ نعيش فيه، بل رسالةٌ يمكن أن يعيش بها الشرق والغرب معًا؛ وطنٌ أكبر من حدوده، وأوسع من خلافات أبنائه، وأعمق من أن يُختزل في ساحةٍ لصراعات الآخرين.
وإن لم نعرف قيمة لبنان وهو بين أيدينا، فقد نعرفها حين نفقده...
لكن عندها قد يكون قد فات الأوان.
وعندها لن يبقى لنا إلا شاهدٌ واحد:
هنا يرقد... مَن أنعم الله عليهم بلبنان، فلم يعرفوا قيمة النعمة، وبجهلهم قتلوا لبنان... وانتحروا.












09/06/2026 - 12:48 PM





Comments