القيادة التي تصبح روحاً للوطن من صورة الطفلة إلى فلسفة الأمانة

09/06/2026 - 12:24 PM

Your Ad Here

 

 

راءة في رسالة محمد بن راشد إلى محمد بن زايد

 

* فاروق غانم خداج

في السادس من سبتمبر 2026، وجّه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رسالة إلى أخيه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، ضمن كتابه الجديد «الرسائل»، الذي يمثل الجزء الثاني من كتاب «علمتني الحياة»، في نص يجمع بين البعد الأخوي والتأمل في معنى القيادة وبناء الدولة والمستقبل.

ولا تبدو الرسالة منفصلة عن مسار سابق في خطاب محمد بن راشد تجاه محمد بن زايد. ففي يناير 2018 وجّه إليه رسالة بعنوان «شكراً محمد بن زايد»، وصفه فيها بأنه «أخي وصديقي ورفيق دربي»، وربط تقديره له بما يقدمه للوطن ولأجياله المقبلة. وفي يناير 2021، في مناسبة مرور 15 عاماً على تولي محمد بن راشد رئاسة مجلس الوزراء، استُعيدت محطات تلك المسيرة وما رافقها من شراكة في العمل الوطني.

من هنا يمكن قراءة رسالة 2026 باعتبارها حلقة جديدة في خطاب متراكم عن الشراكة والمسؤولية والإنسان والمستقبل، لا مجرد رسالة مجاملة بين أخوين. واللافت أن أهم ما فيها ليس كثافة الثناء، وإنما الفكرة التي اختار محمد بن راشد أن يجعلها عنواناً لها: «أنت روح الوطن».

قد تبدو العبارة للوهلة الأولى تعبيراً عاطفياً، لكنها في سياق الرسالة تتحول إلى تعريف لمعنى القيادة. فالروح ليست بديلاً عن المؤسسات، ولا عن القوانين، ولا عن الاقتصاد؛ إنها القوة المعنوية التي تجعل هذه العناصر تعمل داخل مجتمع يشعر بالانتماء والثقة والاستقرار.

فالمدن تُبنى، والمرافق تُشيّد، والطرق تتسع، والمشروعات تتوالى، لكن الدولة لا تصبح وطناً حقيقياً في وجدان أبنائها إلا عندما يشعر الإنسان بأن له مكاناً آمناً في حاضرها ومستقبلها. وهنا تصل الرسالة إلى أكثر صورها الإنسانية تأثيراً: طفلة صغيرة تخرج كل يوم من بيتها إلى المدرسة.

لا تعرف الطفلة دهاليز السياسة، ولا تعقيدات الاقتصاد، ولا حسابات العلاقات الدولية. لكنها تعرف أنها آمنة. تمضي في شوارع وطنها فترى الجمال والنظام، وتصل إلى مدرستها فترى على جدرانها أن بلادها وصلت إلى الفضاء، وأن طموحاتها تعانق السماء، فتبدأ في الحلم.

هذه الطفلة ليست تفصيلاً عابراً في الرسالة. إنها، في رأيي، المقياس الذي يقترحه محمد بن راشد للحكم على نجاح الدولة.

فالدولة لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو عدد مشروعاتها أو موقعها في مؤشرات التنافسية، بل أيضاً بالسؤال البسيط: هل يستطيع طفل أن ينظر إلى الغد بثقة؟

إذا كان الجواب نعم، فإن الدولة تكون قد أنجزت شيئاً يتجاوز الأرقام.

إنها تكون قد صنعت الثقة بالمستقبل. ومن هنا ينتقل النص من الطفل إلى الأمانة. فمحمد بن راشد لا ينظر إلى ما ورثه الجيل الحالي باعتباره امتيازاً مضموناً، بل باعتباره مسؤولية يجب أن تُسلَّم إلى الأجيال المقبلة وقد أضيف إليها شيء جديد. وهنا تأتي واحدة من أكثر العبارات دلالة في الرسالة: «ما ورثناه ليس مكافأة، بل أمانة نضيف إليها قبل أن نسلّم الراية لمن بعدنا».

هذه العبارة تختصر رؤية كاملة للتنمية. فالدولة الناجحة ليست التي تحافظ على ما لديها فقط، بل التي تجعل كل جيل مسؤولاً عن إضافة شيء إلى رصيد الوطن. وهذا يقود إلى سؤال الثروة.

فالرسالة لا تتوقف عند فكرة تحويل الثروات إلى قطاعات اقتصادية وصناعات ومشروعات جديدة، بل تذهب إلى ما هو أبعد: الهدف ليس فقط صنع الثروات، وإنما صنع الأجيال القادرة على خلق الثروات وهندسة المستقبل. وهنا يصبح الإنسان أهم من المورد.

فالمال يستطيع أن يفتح الأبواب، والثروة تستطيع أن تتيح الفرص، لكن الإنسان المتعلم والقادر والمبدع هو الذي يستطيع أن يحافظ على الإنجاز عندما تتغير الظروف. ولهذا يحتل التعليم موقعاً مركزياً في الرسالة. فالتعليم، في الرؤية التي يقدمها النص، لم يعد خدمة عامة فحسب، بل أصبح جزءاً من القدرة الوطنية على المنافسة وصناعة المستقبل.

وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن السؤال الحقيقي لأي نظام تعليمي ليس: كم مدرسة لدينا؟ ولا كم طالباً يتخرج كل عام؟ بل: أي إنسان نصنع؟

فالمدرسة التي تخرج طالباً يحمل شهادة قد تنجح في وظيفتها التقليدية، أما المدرسة التي تخرج إنساناً يؤمن بقدرته على صناعة المستقبل، فهي تساهم في بناء الدولة نفسها. ومن هنا يمكن فهم صورة الطفلة مرة أخرى. إنها تذهب إلى المدرسة اليوم، لكن الدولة التي تتحدث عنها الرسالة تريدها أن تخرج منها وهي قادرة على أن تكون جزءاً من الغد.

لكن التعليم وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه وعي بالمسؤولية؛ فالمعرفة التي لا تتحول إلى عمل، والفرص التي لا تقابلها إرادة، قد تتحول مع الزمن إلى شعور بالاستحقاق بدلاً من أن تكون حافزاً إلى الإنجاز. وهنا تصل الرسالة إلى قضية أخرى لا تقل أهمية: الراحة التي قد تتحول إلى استحقاق.

يحذر محمد بن راشد من أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس دائماً التهديد القادم من الخارج، بل اللحظة التي تنتقل فيها الأجيال من ثقافة الإنجاز إلى ثقافة الاستحقاق. وهذه الفكرة تتجاوز السياق الإماراتي إلى سؤال إنساني واسع. فكل مجتمع يحقق الرفاه يواجه اختباراً مشابهاً: هل يتحول النجاح السابق إلى حافز لمزيد من العمل، أم إلى اعتقاد بأن الرفاه حق دائم لا يحتاج إلى جهد؟

الرسالة تختار الإجابة الأولى بوضوح. فالازدهار ليس امتيازاً يُستهلك، بل مسؤولية تُصان.

وهنا تبرز عبارة أخرى تختصر فلسفة القيادة في النص: «لا يُقاس الإنسان بما يملك من صلاحيات، بل بما يتحمّل من مسؤوليات».

إنها جملة تتجاوز صاحب المنصب إلى مفهوم السلطة نفسه. فالمنصب لا يمنح الإنسان قيمته النهائية، ولا عدد الصلاحيات هو الذي يصنع القائد. القيمة الحقيقية تظهر في مقدار المسؤولية التي يستطيع الإنسان أن يحملها، وفي حجم الأثر الذي يتركه بعد انتهاء زمنه. ومن هذه الزاوية تصبح عبارة «أنت روح الوطن» أكثر من إشادة بشخص.

إنها وصف للقيادة التي تجمع ولا تفرق، تطمئن ولا تخيف، تبني الثقة ولا تستهلكها، وتنظر إلى الإنسان بوصفه غاية التنمية لا مجرد أداة فيها. ولعل أجمل ما في الرسالة أن معيار النجاح فيها ليس القائد نفسه، بل الأجيال التي ستأتي بعده. فالسؤال الذي يمكن استخلاصه من النص ليس فقط: ماذا أنجز محمد بن زايد؟ بل: ماذا سيجد الأطفال عندما يكبرون؟

هل سيجدون دولة أكثر قوة؟ وتعليماً أكثر تقدماً؟ واقتصاداً أكثر تنوعاً؟ ومؤسسات أكثر قدرة على مواجهة التحولات؟ ومستقبلاً يتيح لهم أن يحلموا دون خوف؟ إذا كان الجواب نعم، فإن القيادة تكون قد تجاوزت زمنها.

لقد أصبحت أثراً في حياة أجيال لم تولد بعد. وهنا تتضح فلسفة الرسالة كاملة: المدن مهمة، والاقتصاد مهم، والمؤسسات مهمة، والعلاقات الدولية مهمة، لكن كل ذلك يفقد جزءاً من معناه إذا لم يتحول في النهاية إلى إنسان أكثر أمناً وثقة وقدرة على صناعة مستقبله.

لذلك تبدو الطفلة في بداية الرسالة ونهايتها كأنها مفتاح النص كله.

طفلة تخرج من بيتها صباحاً، تمشي إلى مدرستها، ترى وطنها من حولها، ثم ترفع عينيها إلى المستقبل وتحلم.

قد يبدو المشهد بسيطاً. لكنه، في الحقيقة، يلخص مشروع الدولة كله. فالوطن ليس فقط ما نبنيه من حجر، بل ما نبنيه في قلب الإنسان. وليس النجاح أن نترك للأجيال ما ورثناه فقط، بل أن نترك لهم قدرة أكبر على البناء مما كانت لدينا نحن. وهنا تصبح «روح الوطن» مسؤولية جماعية، لا صفة لشخص واحد فقط.

فإذا كانت القيادة تزرع الأمان والثقة والطموح، فإن المجتمع مطالب بأن يحوّل هذه القيم إلى عمل، والعائلة إلى تربية، والمدرسة إلى معرفة، والشباب إلى إنجاز. ولعل السؤال الذي تتركه رسالة محمد بن راشد لنا، بعيداً عن حدود الإمارات، هو سؤال كل وطن يريد أن يستمر: ما المسؤولية التي يستطيع كل واحد منا أن يتحملها اليوم، لكي يجد الجيل القادم وطناً أفضل مما وجدناه نحن؟

عندها فقط لا تبقى «روح الوطن» عبارة جميلة في رسالة، بل تتحول إلى فعل يومي، وإلى أمانة تنتقل من جيل إلى جيل.

* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment