بقلم – د. محمد نصار
لم تعد القوة الاقتصادية في عالم اليوم مجرد أرقام للنمو أو حجم الناتج المحلي، وإنما أصبحت أحد أهم أسلحة الدول في مواجهة الحروب والصراعات والأزمات الجيوسياسية، فالدولة التي تمتلك اقتصادا قويا، وعملة مستقرة، وموارد متنوعة من النقد الأجنبي، وقاعدة صناعية وإنتاجية متماسكة، تستطيع أن تتحرك سياسيا واستراتيجيا بقدر أكبر من الاستقلالية.
ومصر بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السكاني والسياسي والعسكري وتاريخها كأقدم حضارة على وجه الأرض ، تقف في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابا. ومن ثم فإن بناء معادلة اقتصادية مصرية جديدة لم يعد رفاهية أو خيارا مؤجلا، وإنما أصبح ضرورة للأمن القومي المصرى الذى تحيطة التوترات من كافة الحدود سواء الشرقية والجنوبية والغريبة .
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بفترات سابقة، مع تحسن النمو وتراجع التضخم وتعزيز الاحتياطيات، إلا أن صندوق النقد الدولي لا يزال يشير إلى تحديات مهمة، أبرزها ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل، وضرورة تسريع الإصلاحات الهيكلية وزيادة مساحة القطاع الخاص.
الاقتصاد أولًا.. ثم تأتي القدرة على المناورة
المعادلة التي تحتاجها مصر تبدأ من تحويل الاقتصاد من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات النقد الأجنبي إلى اقتصاد يصنع النقد الأجنبي. وهنا يجب أن تصبح زيادة الصادرات هدفًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن زيادة الإنتاج المحلي.
مصر تمتلك مقومات هائلة: سوقًا استهلاكية ضخمة، وموقعًا يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، وقناة السويس، وقطاعًا زراعيًا، وقاعدة صناعية، وثروة بشرية كبيرة، بالإضافة إلى إمكانات واسعة في الطاقة المتجددة والسياحة والخدمات اللوجستية.
لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المقومات إلى إيرادات مستدامة من العملة الصعبة. فالسياحة والتحويلات وقناة السويس والاستثمار الأجنبي مصادر مهمة، لكنها تصبح أكثر قوة عندما تدعمها صادرات صناعية وزراعية وخدمية قادرة على المنافسة عالميًا.
أولًا: مصر تحتاج إلى ثورة تصديرية
لا يمكن بناء اقتصاد قادر على مواجهة الصدمات العالمية دون قاعدة تصديرية قوية ، المطلوب ليس فقط تصدير المزيد، وإنما تغيير طبيعة الصادرات المصرية، بحيث ترتفع حصة المنتجات ذات القيمة المضافة، بدلًا من الاعتماد على تصدير المواد الأولية أو المنتجات منخفضة التصنيع ، وهذا يتطلب استراتيجية تستهدف قطاعات محددة، مثل الصناعات الغذائية، والدوائية، والهندسية، والبتروكيماويات، والمنسوجات، ومكونات السيارات، والإلكترونيات، والخدمات الرقمية ، كما يجب النظر إلى أفريقيا باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للسوق المصرية، وليس مجرد سوق إضافية.
ثانيا: الصناعة هي خط الدفاع الأول
الدولة التي تستورد معظم احتياجاتها الاستراتيجية تصبح أكثر تعرضا للضغوط الخارجية ، ولذلك تحتاج مصر إلى سياسة صناعية واضحة تستهدف إحلال الإنتاج المحلي محل الواردات غير الضرورية، مع التركيز على السلع الاستراتيجية ومدخلات الإنتاج ، ولا يعني ذلك إغلاق الاقتصاد، وإنما بناء قدرة إنتاجية تجعل مصر أكثر قدرة على الصمود عندما تتعطل سلاسل الإمداد العالمية أو ترتفع أسعار الطاقة والغذاء والشحن.
لقد أثبتت أزمات السنوات الماضية أن سلاسل الإمداد يمكن أن تتعرض للاضطراب بسبب حرب في منطقة بعيدة، ولذلك فإن الأمن الاقتصادي أصبح جزءًا من الأمن القومي.
ثالثًا: جذب الاستثمار.. ولكن بشروط مصرية
تحتاج مصر إلى المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر، لكن الأهم هو نوعية الاستثمار.
المطلوب هو الاستثمار الذي يبني مصنعًا، ويخلق وظائف، وينقل التكنولوجيا، ويزيد الصادرات، ويدخل مصر في سلاسل القيمة العالمية ، وهنا تصبح سرعة الإجراءات، واستقرار التشريعات، ووضوح قواعد المنافسة، وتكافؤ الفرص بين المستثمرين، عوامل حاسمة.
رابعًا: إدارة الدين أصبحت قضية أمن قومي
لا يمكن لدولة أن تفرض معادلة اقتصادية مستقلة بينما تظل نسبة كبيرة من مواردها موجهة لخدمة الدين ، لذلك تحتاج مصر إلى استراتيجية طويلة الأجل لإدارة الدين، تقوم على إطالة آجال الاستحقاق، وخفض تكلفة التمويل، وتقليل مخاطر إعادة التمويل، وزيادة الاعتماد على مصادر تمويل أكثر استدامة. وهنا لا يكفي تحقيق فوائض أولية فقط، بل يجب أن يتحول الفائض إلى أداة لتقليص الدين وتخفيف أعباء خدمته تدريجيًا ، فكل جنيه يتم توفيره من تكلفة خدمة الدين يمكن توجيهه إلى التعليم والصحة والبنية الأساسية والإنتاج.
خامسًا: الدولار يجب أن يأتي من الإنتاج
المعادلة الأهم هي أن تتحول مصر تدريجيًا من اقتصاد يبحث عن الدولار إلى اقتصاد ينتج الدولار ، وهذا يعني تعظيم خمسة مصادر رئيسية: الصادرات + السياحة + تحويلات المصريين بالخارج + قناة السويس + الاستثمار الأجنبي المباشر ، لكن يجب أن يكون الهدف هو زيادة هذه الموارد بالتوازي مع تقليل فاتورة الاستيراد من خلال زيادة الإنتاج المحلي ، فكلما زادت قدرة الاقتصاد على توليد العملة الأجنبية، أصبحت تقلبات سعر الصرف أقل تأثيرًا على النشاط الاقتصادي.
سادسًا: قناة السويس يجب أن تتحول إلى منظومة اقتصادية متكاملة
قناة السويس ليست مجرد ممر للسفن ، إنها يمكن أن تكون مركزًا عالميًا للصناعة والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير والطاقة الخضراء ومراكز التخزين والصناعات المرتبطة بالنقل البحري. ومن هنا يجب تعظيم القيمة الاقتصادية لكل سفينة تمر عبر القناة، وليس فقط تحصيل رسوم العبور ، فالتحديات الجيوسياسية الأخيرة أظهرت بوضوح مدى تأثر إيرادات القناة بالاضطرابات الإقليمية وحركة التجارة العالمية.
سابعًا: الطاقة.. من عبء إلى ميزة تنافسية
مصر بحاجة إلى بناء مزيج متوازن من الطاقة، يجمع بين الغاز والطاقة المتجددة والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مع التوسع في مشروعات الهيدروجين الأخضر عندما تكون ذات جدوى اقتصادية حقيقية. والهدف ليس فقط تأمين الكهرباء، وإنما تحويل الطاقة إلى عنصر جذب للصناعة والاستثمار ، فالدولة التي تستطيع توفير الطاقة بأسعار تنافسية ومستقرة تصبح أكثر قدرة على جذب الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ثامنًا: أفريقيا ليست خيارًا.. بل ضرورة استراتيجية
في ظل الصراعات الدولية على النفوذ والأسواق، تستطيع مصر أن تعزز حضورها الاقتصادي في أفريقيا ، المطلوب هو الانتقال من تصدير السلع فقط إلى تصدير الاستثمار والخبرة والخدمات والبنية الأساسية.
الشركات المصرية يمكن أن تلعب دورًا أكبر في قطاعات البناء والطاقة والاتصالات والصناعات الغذائية والدواء والخدمات المالية في القارة ، وكلما اتسع الوجود الاقتصادي المصري في أفريقيا، زادت قدرة القاهرة على بناء شبكة من المصالح الاقتصادية والسياسية التي تعزز نفوذها الإقليمي.
تاسعًا: الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي
هناك فرصة تاريخية أمام مصر في الاقتصاد الرقمي ، فالثروة البشرية المصرية يمكن أن تتحول إلى مصدر ضخم للعملة الأجنبية من خلال تصدير البرمجيات والخدمات الرقمية ومراكز التعهيد والخدمات المهنية والذكاء الاصطناعي. وهذا القطاع يتميز بأنه لا يحتاج إلى موانئ أو شحن أو كميات ضخمة من المواد الخام، وإنما يحتاج إلى تعليم جيد، وإنترنت قوي، وتدريب، وبيئة أعمال مرنة.
عاشرا: الإنسان هو الاستثمار الأكبر
لا يمكن بناء قوة اقتصادية حقيقية دون بناء الإنسان ، التعليم الفني، والجامعات، والبحث العلمي، والتدريب المهني، والصحة، والمهارات الرقمية، يجب أن تصبح جزءا من الاستراتيجية الاقتصادية، وليس ملفات منفصلة ، فالعالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد المعرفة، والدول التي تمتلك العمالة الأكثر مهارة ستكون هي الأكثر قدرة على جذب الاستثمارات والصناعات المتقدمة.
في عالم يتجه نحو صراع بين القوى الكبرى، تمتلك مصر فرصة مهمة في اتباع سياسة التوازن الاقتصادي ، فالعلاقات مع الصين لا ينبغي أن تكون على حساب أوروبا، والعلاقات مع الولايات المتحدة لا ينبغي أن تمنع توسيع العلاقات مع آسيا، والعلاقات مع الخليج يمكن أن تتكامل مع الاستثمارات الأوروبية والآسيوية والأفريقية.
زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في سبتمبر 2026، وما صاحبها من تأكيد على تعميق التعاون الاقتصادي والاستثماري، تعكس أهمية موقع مصر في خريطة إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية في الشرق الأوسط.
وهنا يمكن لمصر أن تتحول إلى حلقة وصل اقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.
في تقديري، فإن المعادلة التي تستطيع مصر من خلالها مواجهة صراعات المنطقة والعالم يمكن اختصارها في:
إنتاج أكثر + تصدير أكثر + استيراد أذكى + دين أقل + استثمار أكبر + صناعة أقوى + طاقة مستقرة + اقتصاد رقمي + تنويع للشركاء + حماية اجتماعية فعالة.
هذه ليست مجرد أهداف اقتصادية، بل منظومة متكاملة للأمن القومي ، فالدولة التي تمتلك غذاء وطاقة وصناعة وعملة أجنبية واحتياطيات وأسواق تصدير وشركاء متنوعين، تصبح أقل عرضة للابتزاز الاقتصادي وأكثر قدرة على اتخاذ قراراتها السياسية باستقلالية.
الصراعات في الشرق الأوسط تحمل مخاطر ضخمة، لكنها في الوقت نفسه تعيد تشكيل خرائط التجارة والطاقة والاستثمار ، ومصر تمتلك موقعا لا يمكن تجاهله في هذه المعادلة ، لكن الموقع وحده لا يكفي ، القوة الاقتصادية لا تبنى بالموقع الجغرافي وإنما بتحويل الموقع إلى قيمة مضافة.
ومصر تستطيع أن تفعل ذلك إذا نجحت في الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة الفرص، ومن اقتصاد يعتمد على تدفقات خارجية متقلبة إلى اقتصاد قادر على إنتاج القيمة وتصديرها.
المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة لن تكون فقط على الحدود أو في ساحات السياسة، وإنما ستكون أيضًا على المصانع، والموانئ، والأسواق، والتكنولوجيا، والطاقة، والعملات، وسلاسل الإمداد ، ومن يملك اقتصاده، يملك مساحة أكبر من قراره ، وهذه هي المعادلة التي تحتاج مصر إلى فرضها ، إقتصاد قوي ومستقل ومرن، يجعل من الجغرافيا والنفوذ السياسي والقوة البشرية المصرية أدوات لصناعة قوة اقتصادية إقليمية قادرة على الصمود والمنافسة والتأثير.













09/06/2026 - 01:02 AM





Comments