من كربلاء إلى هرمز - الحلقة الثانية - حين لبست السياسة ثوب المذهب

09/05/2026 - 22:58 PM

San diego

 

 

رشيد ج. مينا

لم يكن ما جرى في كربلاء نهاية صراع، بل كان بداية مرحلة جديدة في تاريخ المسلمين. فالخلاف الذي دار في الأصل حول الحكم والشرعية وطريقة انتقال السلطة، وبلغ واحدة من أكثر لحظاته مأساوية بمقتل الحسين، لم يبق أسير زمانه ومكانه. أخذت الواقعة تعيش بعد أصحابها، وتتراكم حولها الذاكرة والرواية والتأويل. وكما حاولنا في الحلقة الأولى ألا نحاكم الماضي بعقائد اكتمل تشكلها بعده، علينا هنا ألا نقع في الخطأ نفسه.

فلا التشيع الذي نعرفه اليوم ولد مكتملًا في كربلاء، ولا ما أصبح يعرف لاحقًا بأهل السنة والجماعة كان يومها منظومة مذهبية مكتملة البناء والحدود والمفاهيم. نحن أمام مسارات طويلة تشكلت خلالها العقائد والفقه والمؤسسات والمرجعيات، واختلط فيها الديني بالسياسي والسياسي بالديني.

بدأ التشيع، في أحد جذوره الأساسية، ولاءً لعلي وأهل البيت وموقفًا من قضية الحكم والشرعية، ثم اكتسب عبر أجيال مضامين عقدية وفقهية أكثر تحديدًا. ولم يكن مسارًا واحدًا؛ فقد ظهرت داخله اتجاهات متعددة، منها الزيدية والإسماعيلية والإمامية، واختلفت في تحديد الإمام وفي مفهوم الإمامة وموقعها.

وفي الجهة الأخرى، أخذ ما أصبح لاحقًا المذهب السني يتشكل هو أيضًا عبر مسار طويل، وتطورت داخله مفاهيم الجماعة والخلافة ومواقف من الصحابة والفتن، ثم تشكلت مذاهبه الفقهية ومدارسه الكلامية ومؤسساته.

أي أن المسلمين لم يجلسوا بعد كربلاء ليقرروا الانقسام إلى سنة وشيعة. التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك. لكن كربلاء أعطت أحد هذه المسارات شيئًا بالغ القوة: الذاكرة الجريحة.

فالخلاف السياسي يمكن أن ينتهي بتغير الحاكم أو سقوط الدولة، أما عندما يرتبط بدم ومظلومية ومأساة متوارثة، فإنه يستطيع أن يعيش في الوجدان أطول بكثير من عمر السلطة التي أنتجته. وهنا بدأت السياسة تكتشف قوة الذاكرة.

ظهرت بعد كربلاء حركات رفعت الثأر للحسين والولاء لأهل البيت. ثم استفادت الدعوة العباسية لاحقًا من السخط على الأمويين ومن التعاطف الواسع مع أهل بيت النبي وشعارات الدعوة إلى آل البيت، قبل أن تنتهي الثورة إلى دولة عباسية لها سلطتها ومصالحها وصراعاتها الخاصة.

وهنا تتكرر قاعدة من قواعد التاريخ: ليس كل من يرفع مظلمة يريد بالضرورة إزالة أسباب الظلم، وليس كل من يستدعي رمزًا دينيًا يعمل لتحقيق قيم ذلك الرمز؛ فالسياسة تعرف جيدًا كيف تستخدم الوجدان للوصول إلى السلطة. ومع مرور القرون، أصبح للمذاهب علماؤها ومدارسها ومؤسساتها ومرجعياتها وبيئاتها الاجتماعية، وأصبح الانتماء المذهبي في مناطق كثيرة جزءًا من تعريف الجماعات لنفسها. وهذا بحد ذاته لا يعني الصراع.

فالتنوع في الاجتهاد والممارسة الدينية يمكن أن يعيش داخل المجتمع الواحد من دون أن يتحول إلى حرب. المشكلة تبدأ عندما تصبح الهوية الدينية وحدة سياسية، وعندما تجد السلطة أن قدرتها على حشد الناس باسم المذهب أسهل من إقناعهم بمشروع للحكم. ولعل التجربة الصفوية في إيران واحدة من أهم المحطات في هذا المسار.

فمع قيام الدولة الصفوية سنة 1501 أُعلن التشيع الاثنا عشري مذهبًا رسميًا للدولة، وعملت السلطة عبر فترة طويلة على ترسيخه في مجتمع كانت قطاعات واسعة منه سنية. واستُقدمت كذلك خبرات وعلماء شيعة من مناطق مختلفة، وأسهمت مؤسسات الدولة والدين معًا في تحول إيران تدريجيًا إلى مركز رئيسي للتشيع الاثني عشري. لكن اختزال ذلك كله في العقيدة وحدها يكرر الخطأ نفسه.

فالدولة الصفوية كانت دولة تسعى إلى تثبيت سلطتها وبناء هويتها ومواجهة خصومها، وفي مقدمتهم الدولة العثمانية. وأصبح الاختلاف المذهبي أحد عناصر التنافس بين قوتين تتصارعان كذلك على الحدود والأرض والتجارة والنفوذ والشرعية.

وفي المقابل وظفت الدولة العثمانية بدورها المؤسسات والشرعية السنية في صراعها مع الصفويين، ووصل الأمر في مراحل مختلفة إلى استخدام الفتاوى الدينية ضمن الصراع السياسي والعسكري. ولذلك اكتسب التنافس العثماني–الصفوي بعدًا مذهبيًا واضحًا، من دون أن يكون المذهب وحده تفسيرًا كافيًا للحروب بينهما.

وهكذا استعادت السياسة خلافات التاريخ لتخوض بها معارك جديدة. وهنا ينبغي أن نكون منصفين: التوظيف المذهبي لم يكن حكرًا على الشيعة أو الصفويين، ولا على السنة أو العثمانيين.

فكلما احتاجت السلطة إلى الهوية الدينية لتثبيت شرعيتها أو تعبئة مجتمعها أو مواجهة خصمها، كان التاريخ حاضرًا في خدمتها. وهذه نقطة أساسية في قراءتنا، لأن غايتنا ليست الانتقال من رواية مذهبية إلى رواية مذهبية مضادة. لقد كانت المشكلة، ولا تزال، في تسييس المذهب ومذهبة السياسة. ولم يكن لبنان بعيدًا عن هذه الإشكالية، وإن كانت تجربته ذات خصوصية مختلفة.

فالشيعة في لبنان مكون تاريخي قديم، وليس ظهورهم السياسي والاجتماعي الحديث نتيجة للثورة الإيرانية. وفي ستينيات القرن العشرين برز الإمام موسى الصدر في مشروع لإعادة تنظيم حضور الطائفة الشيعية ومعالجة الحرمان الاجتماعي والسياسي الذي كانت تعانيه مناطق وفئات واسعة، وأصبح أول رئيس للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ثم ظهرت حركة المحرومين في سياق لبناني سابق للثورة الإيرانية. وتؤكد الدراسات الحديثة أن نشاط موسى الصدر وتنظيمه للمجتمع الشيعي اللبناني يعودان إلى الستينيات، أي قبل 1979 بسنوات طويلة.

وهنا ينبغي أن نحذر من قراءة الماضي بنتائج المستقبل: موسى الصدر ليس الخميني، والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليس حزب الله، وحركة المحرومين ليست مشروع ولاية الفقيه. لكن التجربة اللبنانية تكشف مشكلة أخرى.

ففي نظام يقوم أصلًا على الاعتراف السياسي بالطوائف، عندما تشعر جماعة بالغبن يكون من الطبيعي أن تسعى إلى تعزيز تمثيلها ومؤسساتها. لكن نجاح كل طائفة في بناء مؤسساتها الخاصة لا يقود بالضرورة إلى دولة أقوى؛ فقد يقود إلى توازن أكثر إحكامًا بين طوائف قوية داخل دولة أضعف. وهنا تكمن إحدى مفارقات التجربة اللبنانية.

بدل أن يصل المواطن إلى حقوقه من خلال الدولة، أصبح في كثير من الأحيان يصل إلى الدولة من خلال طائفته وزعيمه وحزبه. وبدل أن تكون الدولة مظلة الجميع، تحولت في مراحل كثيرة إلى مساحة تفاوض بين ممثلي الجماعات على الحصص والنفوذ.

ومن هنا تعثر، مرة بعد مرة، استكمال مشروع بناء الدولة منذ إعلان دولة لبنان الكبير.

وليس المقصود إلغاء الطوائف أو محاربة الدين. فحرية الاعتقاد والعبادة جزء من كرامة الإنسان. المطلوب أن تتحرر العقيدة من وظيفة السلطة، وأن يتحرر المواطن من الحاجة إلى طائفته للحصول على حق أو وظيفة أو حماية يفترض أن توفرها دولته.

وعندما تصبح الجماعة أقوى من الدولة، يظهر خطر آخر: الخارج.

فالقوة الإقليمية لا تحتاج عندئذ إلى السيطرة على الدولة كلها. يكفي أن تجد حزبًا أو زعامة أو مؤسسة تستطيع بناء علاقة خاصة معها، حتى يصبح الخارج جزءًا من التوازن الداخلي، والداخل جزءًا من صراع الخارج.

ولبنان عرف ذلك مع قوى وطوائف ودول مختلفة، ولذلك لا يجوز اختزال التدخل الخارجي في طائفة واحدة أو دولة واحدة.

لكن عام 1979 سيأتي بتحول كبير.

سقط نظام الشاه وقامت الجمهورية الإسلامية في إيران بقيادة آية الله روح الله الخميني، حاملة تصورًا دينيًا وسياسيًا ثوريًا يتجاوز في خطابه حدود الدولة الإيرانية. وعادت عناصر من التاريخ لتدخل في خطاب سياسي معاصر: كربلاء، والمظلومية، والشهادة، وولاية الفقيه، والثورة، وفلسطين، ومواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، ونصرة المستضعفين. ومن هنا سيبدأ فصل مختلف تماما

 

موعدكم القريب مع الحلقة الثالثة:

حين أصبحت الذاكرة قوة في مشروع النفوذ.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment