مقال صحفي تحليلي كم اعداد ضياء الدين مرزقي
يستعيد لبنان بعض انتظامه المؤسسي، لكنه لم يستعد بعد قدرته التنفيذية. فقد انتقل من فراغ رئاسي طويل إلى انتخاب رئيس وتشكيل حكومة نالت ثقة البرلمان، غير أن هذا المسار تزامن مع تمديد ولاية المجلس النيابي، واستمرار التوتر العسكري في الجنوب، واقتراب نهاية الولاية الأخيرة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، فيما ظل الإصلاح الاقتصادي والمصرفي والإنساني رهناً بقرارات لم تُنفّذ كاملة. لذلك فإن السؤال المركزي لم يعد: هل توجد مؤسسات؟ بل: هل تستطيع هذه المؤسسات فرض قراراتها وحماية السكان وإعادة بناء الاقتصاد؟
أولاً: مؤسسات عادت، لكن التسوية لم تتحول إلى تغيير بنيوي
أنهى مجلس النواب في 9 كانون الثاني/يناير 2025 فراغاً رئاسياً تجاوز عامين بانتخاب جوزيف عون. وبعد أربعة أيام، كُلّف نواف سلام بتشكيل الحكومة بتأييد 84 نائباً من أصل 128، في خطوة أعادت تشغيل المسار الدستوري بعد فترة طويلة من التعطيل السياسي.
تشكلت حكومة سلام في 8 شباط/فبراير 2025 من 24 وزيراً، بعد مفاوضات شاقة بين القوى الطائفية والسياسية. ووفق رويترز، حصلت حركة أمل على حق اختيار أربعة وزراء والموافقة على وزير خامس، فيما لم يمتلك حزب الله وحلفاؤه الثلث المعطّل بحسب توصيف التقرير. تكشف هذه الصيغة أن الحكومة لم تولد من قطيعة مع نظام تقاسم السلطة، بل من تسوية أعادت توزيع القدرة على التعطيل والتفاوض داخله.
في 26 شباط/فبراير 2025 نالت الحكومة الثقة بـ95 صوتاً من أصل 128. وتضمن بيانها تعهداً بأن تكون للدولة السلطة الحصرية في قراري الحرب والسلم، والبدء بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي، وإعطاء المودعين أولوية في معالجة الأزمة المصرفية. غير أن الثقة البرلمانية تمنح الحكومة تفويضاً سياسياً، ولا تثبت وحدها تنفيذ تلك التعهدات. فحصرية القرار الأمني، وإعادة هيكلة المصارف، وتسوية الخسائر، وإعادة الإعمار ملفات تتطلب قدرة على فرض القرار، لا مجرد إعلان الأولويات.
ثم جاء قرار مجلس النواب في 9 آذار/مارس 2026 بتمديد ولايته عامين وتأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في أيار/مايو. وصوّت 76 نائباً من أصل 128 لمصلحة التمديد، وفق رويترز. حافظ القرار على استمرارية المجلس المنتخب في 2022، لكنه أضعف انتظام التداول الانتخابي. ولا تسمح المصادر التي جرى التحقق منها بحسم دستورية التمديد، ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه قراراً سياسياً موثقاً، لا تسوية قانونية نهائية.
المحصلة السياسية مزدوجة: عودة الرئاسة والحكومة والثقة تمثل تقدماً إجرائياً، بينما يكشف تمديد البرلمان أن انتظام المؤسسات لا يساوي بالضرورة تجدد الشرعية التمثيلية.
ثانياً: الجنوب يختبر احتكار الدولة للقوة
لم يتحول وقف إطلاق النار المعلن في 19 حزيران/يونيو 2026 إلى استقرار مستدام. أفادت رويترز باستمرار الضربات وبقاء قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، فيما قالت اليونيفيل في 27 آب/أغسطس إن العنف انخفض مقارنة بالأشهر السابقة، لكن النشاط العسكري داخل منطقة عملياتها ازداد مجدداً. وتبقى روايات إسرائيل وحزب الله متعارضة بشأن الخروقات والمسؤولية عن العمليات والضحايا؛ لذلك لا يجوز تقديم رواية أي طرف بوصفها إثباتاً مستقلاً.
ارتبط التصعيد اللبناني مباشرة بالتصعيد الإقليمي الأوسع. ووفق رويترز، أطلق حزب الله النار على إسرائيل في 2 آذار/مارس بعد يومين من الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، فردت إسرائيل بقصف جوي وهجوم بري وسيطرت على شريط بعمق يقارب عشرة كيلومترات داخل جنوب لبنان. يوضح ذلك أن أمن لبنان لا يتحرك داخل حدوده وحدها؛ فهو يتأثر بمسار المواجهة الإقليمية، وبقدرة الأطراف الخارجية على ضبط حلفائها أو توسيع المواجهة.
العقدة المركزية هي ترتيب ما بعد التصعيد: إسرائيل تربط الانسحاب بنزع سلاح حزب الله، بينما يرفض الحزب بحث أسلحته قبل الانسحاب الإسرائيلي. وتحدثت تقارير عن قائمة مختصرة لدول يمكن أن تتحقق من نزع السلاح، لكن الدول وعدد القوات والصلاحيات لم تكن معلنة ومكتملة في آخر تحديث موثوق تم التحقق منه. لذلك فإن المسألة ليست تقنية فقط؛ إنها تفاوض على ترتيب الأولويات: من ينسحب أولاً، ومن يتحقق، ومن يملك القوة أثناء المرحلة الانتقالية.
مدد مجلس الأمن ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، مع انسحاب منظم وآمن تالٍ وفق القرار 2790. كما رحب القرار بخطة نشر 6,000 عنصر إضافي من الجيش اللبناني جنوباً منذ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وطالب الدولة ببسط سلطتها على كامل أراضيها. لكن القرار يضع موعداً مؤسسياً ولا يضمن نتيجة سياسية أو أمنية. وقد أكدت واقعة 12 كانون الثاني/يناير 2026 هذه الهشاشة، عندما رصدت اليونيفيل دبابات إسرائيلية قرب سردا وأطلقت إحداها ثلاث قذائف سقطت اثنتان منها على مسافة تقارب 150 متراً من حفظة السلام، من دون إصابات.
حتى 2 آب/أغسطس 2026، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية حصيلة تراكمية بلغت 4,333 قتيلاً و12,250 جريحاً، من دون تفصيل منشور يوزع الضحايا بحسب الجهة المنفذة. ويجب عدم دمج هذه الحصيلة تلقائياً مع أرقام أوتشا، لأن الفترات الزمنية ومنهجيات العد مختلفة.
ثالثاً: اقتصاد خرج من الانكماش ليعود إليه
أظهر الاقتصاد اللبناني تعافياً قصيراً في 2025. فقد قدّر البنك الدولي النمو الحقيقي للناتج المحلي بـ 4.2%، مع فائض مالي إجمالي بلغ 3.9% من الناتج وفائض أولي بلغ 4.7%. لكن هذا التحسن لم يكن محصناً ضد الصراع. ويتوقع البنك الدولي انكماشاً حقيقياً قدره 6.4% في 2026 وتضخماً عند 17.5%. هذان الرقمان توقعان، لا حصيلتان نهائيتان، لكنهما يوضحان حجم الصدمة التي أصابت الطلب والاستثمار والسياحة وسلاسل الإمداد.
يبدو الدين العام أقل ارتفاعاً عند قياسه إلى الناتج، إذ يقدّر البنك الدولي النسبة عند 130.6% في 2025 و127.9% في 2026. غير أن الانخفاض النسبي لا يعني أن الدين أصبح مستداماً. فالتقرير يقدّر إجمالي الدين عند 48.158 مليار دولار في 2025 و49.844 ملياراً في 2026، ويشير إلى أن إعادة الهيكلة لم تبدأ فعلياً حتى تاريخ التقرير.
كما أن استقرار سعر الصرف لا يعني استعادة القوة الشرائية. فالتضخم المتراكم، وتآكل المدخرات، وتراجع الائتمان، وتجزؤ السيولة جعلت الاستقرار الاسمي مؤشراً محدوداً. وتظهر بيانات مصرف لبنان في نهاية حزيران/يونيو 2026 أصولاً أجنبية إجمالية قدرها 48.7339 مليار دولار، لكن الأصول الأجنبية السائلة باستثناء الذهب بلغت 11.443 مليار دولار فقط. ولا ينبغي وصف الرقم الإجمالي بأنه احتياطي قابل للاستخدام؛ فالسلسلة محاسبية أوسع من صافي الاحتياطيات.
أحرز إصلاح القطاع المصرفي تقدماً تشريعياً جزئياً. قال صندوق النقد في شباط/فبراير 2026 إن مشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع خطوة أولى لإتاحة الودائع تدريجياً، مع ضرورة احترام ترتيب المطالبات وتحميل المساهمين والدائنين الأدنى أولوية الخسائر قبل المودعين. وفي 20 آب/أغسطس أفادت رويترز بإقرار تعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف، مع بقاء الموافقات والتنفيذ العملي موضع متابعة. وعليه، فإن إعلان القانون لا يساوي ضمان استرداد الودائع، كما أن توزيع الخسائر سيظل جوهر النزاع الاجتماعي والسياسي.
رابعاً: الأزمة الإنسانية ليست رقماً واحداً
تظهر البيانات الإنسانية أن العودة الجزئية لا تساوي عودة آمنة. قدّرت أوتشا بقاء نحو مليون شخص نازحين حتى 31 آب/أغسطس 2026، بينما قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 18 آب/أغسطس إن نحو 860 ألفاً عادوا إلى مناطقهم وبقي نحو 360 ألفاً نازحين، بينهم ما لا يقل عن 22 ألفاً في ملاجئ جماعية. لا ينبغي جمع هذه الأرقام أو تقديمها كتناقض مباشر؛ فهي صادرة في تاريخين مختلفين ووفق تعريفات ومنهجيات مختلفة.
العودة إلى منطقة الأصل قد تعني الانتقال إلى مسكن متضرر أو منطقة تفتقر إلى الماء والكهرباء والرعاية الصحية. ولهذا حذرت المفوضية من أن رقم العائدين لا يثبت الاستقرار الدائم. فالأسرة قد تعود مؤقتاً، أو تتنقل ذهاباً وإياباً، أو تبقى قريبة من منزلها في نزوح غير مسجل داخل المنطقة نفسها.
في القطاع الصحي، سجلت أوتشا 62 مرفقاً صحياً متضرراً أو مغلقاً، و190 حادثة اعتداء على الرعاية الصحية بين 2 آذار/مارس و31 أيار/مايو، نتج عنها 128 وفاة و332 إصابة بين العاملين الصحيين. هذه الأرقام لا تعكس خسائر مادية فحسب؛ إنها تعني أن الوصول إلى الرعاية المنقذة للحياة أصبح مرتبطاً بأمن الطرق وسلاسل الإمداد وتوفر العاملين.
أما المياه والتعليم، فيواجهان اختناقاً متزامناً. تقدّر اليونيسف أن 2.8 مليون شخص يواجهون صعوبات شديدة في الحصول على مياه آمنة وخدمات صرف ونظافة مُدارة بأمان. وحتى 30 حزيران/يونيو، تضررت أو دمرت 340 مدرسة، ما هدد عودة ما لا يقل عن 100 ألف طفل إلى الدراسة، بينما كان 256 ألف طالب قد تأثروا بالنزوح أو إغلاق المدارس أو تحويل المدارس إلى ملاجئ في قياس سابق.
تعمق الأزمة أخطار حماية الأطفال. ووفق اليونيسف، بلغ التقزم بين الأطفال دون الخامسة 14%، و19% بين الأطفال السوريين النازحين، فيما شكّل الأطفال 26% من الناجين المبلغ عنهم من العنف القائم على النوع الاجتماعي حتى 31 آذار/مارس. لذلك فإن ملف الخدمات ليس ملحقاً أمنياً؛ إنه عنصر من عناصر قدرة الدولة على البقاء.
ما الذي سيحدد المسار؟
ثلاث اختبارات ستحدد ما إذا كان لبنان يتجه إلى تثبيت مؤسسات الدولة أو إلى إعادة إنتاج أزمته.
الاختبار الأول أمني. يتطلب انتهاء ولاية اليونيفيل في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026 ترتيبات واضحة للانسحاب، والتحقق، وانتشار الجيش، وآلية منع الفراغ. أي غموض في هذه المرحلة قد يحول الموعد الإداري إلى مصدر تصعيد.
الاختبار الثاني مالي. يحتاج لبنان إلى توزيع معلن وعادل للخسائر المصرفية، وإطار لإعادة هيكلة الدين، وإصلاحات قابلة للتنفيذ لا قوانين معلقة. كما يحتاج إلى حماية صغار المودعين والخدمات الأساسية خلال فترة الإصلاح، لأن التقشف غير المحمي قد يحول الإصلاح المالي إلى أزمة اجتماعية.
الاختبار الثالث اجتماعي. لن تكفي عودة السكان أو فتح المدارس شكلياً ما لم تتوافر مساكن صالحة، وماء وكهرباء وصحة وتعليم وتمويل إنساني مستمر. وقد وافق البنك الدولي في كانون الثاني/يناير 2026 على تمويل بقيمة 350 مليون دولار، منها 200 مليون للحماية الاجتماعية و150 مليوناً للتحول الرقمي، لكن التمويل لا يتحول تلقائياً إلى قدرة مؤسسية ما لم تقترن به إدارة شفافة وتنفيذ محلي.
الخلاصة: الفجوة بين الشرعية والقدرة
لبنان ليس أمام انهيار مؤسساتي شامل، ولا أمام تعافٍ مكتمل. الصورة الأدق هي تعايش مسارين متعاكسين: مسار يعيد تشغيل الرئاسة والحكومة والبرلمان ويحقق بعض الفوائض المالية والتمويل الاجتماعي، ومسار آخر يمدد البرلمان، ويترك الجنوب في ترتيب أمني متنازع عليه، ويؤجل حسم خسائر المصارف، ويضع الخدمات أمام نزوح ودمار ونقص تمويل.
لهذا فإن عودة الدولة لا تُقاس بعدد المؤسسات التي تعمل في بيروت، بل بقدرتها على تنفيذ قراراتها في الجنوب، حماية المودعين، إعادة الأطفال إلى مدارسهم، وتأمين خدمات يستطيع المواطن الوصول إليها. حتى 4 أيلول/سبتمبر 2026، لا تزال هذه القدرة قيد الاختبار.
ملاحظات منهجية
المقال لقطة زمنية تنتهي في 4 أيلول/سبتمبر 2026. فُصلت التقديرات والتوقعات عن النتائج المحققة، ولم تُجمع أرقام الضحايا أو النزوح الصادرة عن جهات مختلفة بسبب اختلاف الفترات والتعريفات. كما أن وصف التدمير بأنه «يبدو منهجياً» يظل تقييماً منسوباً إلى اليونيفيل، وليس حكماً قضائياً نهائياً. أما الخط الأزرق فهو خط انسحاب حددته الأمم المتحدة عام 2000، وليس حدوداً دولية مرسمة نهائياً.














09/06/2026 - 02:50 AM





Comments