تركيا بين الصعود الاقتصادي والعودة للساحة الدولية كقوة مؤثرة

08/28/2026 - 21:25 PM

Arab American Target

 

 

بقلم د. محمد نصار 

تشهد تركيا في العقود الأخيرة تحولا لافتا، حيث تتصاعد طموحاتها الاقتصادية وتتعاظم أبعاد حضورها السياسي على الساحة الدولية ، هذا الصعود المتزامن يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة أنقرة على ملء الفراغ المتزايد للنفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، لتفرض نفسها كقوة إقليمية مؤثرة بامتياز ، إن فهم هذه الديناميكية المعقدة يتطلب استعراضا دقيقا للإنجازات الاقتصادية التركية، وتحليلا لسياساتها الخارجية المتجددة، وتقييما للفرص والتحديات التي تواجهها في سعيها لترسيخ مكانتها الدولية.

لقد شهد الاقتصاد التركي نموا ملحوظا خلال السنوات الماضية، مدعوما بعوامل متعددة منها الموقع الجغرافي الاستراتيجي، القوى العاملة الشابة، والاستثمارات في البنية التحتية ، تحولت تركيا من بلد يعتمد بشكل كبير على الزراعة إلى مركز صناعي وتجاري حيوي، مع قطاعات قوية في السيارات، المنسوجات، الأجهزة المنزلية، والطيران ، وقد انعكس هذا النمو على مستوى معيشة المواطنين، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة ، على سبيل المثال، نمت حصة تركيا من التجارة العالمية، وأصبحت وجهة سياحية رئيسية، مما ساهم في تعزيز احتياطياتها النقدية وتنويع مصادر دخلها. هذا التقدم الاقتصادي لم يكن ليتحقق لولا سياسات حكومية داعمة، ركزت على تحرير الأسواق، تشجيع الصناعة، وتحديث البنية التحتية، بما في ذلك إنشاء شبكات مواصلات حديثة ومشاريع طاقة متجددة.

مقابل هذا الصعود الاقتصادي، تعيد تركيا تشكيل سياستها الخارجية، ساعية إلى استعادة دورها التاريخي كلاعب إقليمي محوري ، لم تعد تركيا تكتفي بدورها التقليدي كعضو في حلف الناتو، بل تسعى إلى بناء شبكة علاقات واسعة ومتوازنة مع مختلف القوى العالمية والإقليمية ، إن هذا التوجه يتماشى مع التحولات الجيوسياسية العالمية، وخاصة تراجع الانخراط الأمريكي الملحوظ في بعض مناطق العالم، بما فيها الشرق الأوسط ، يشعر صانعو السياسة في أنقرة بأن هناك فرصة تاريخية لملء هذا الفراغ، لا سيما وأن تركيا تمتلك مقومات تؤهلها لذلك، من تاريخ مشترك مع دول المنطقة، وقوة عسكرية معتبرة، واقتصاد ناشئ.

لقد اتخذت تركيا خطوات عملية لتعزيز نفوذها الإقليمي ، ففي سوريا، على الرغم من تعقيدات الصراع، حافظت تركيا على وجود عسكري وسياسي، ساعية إلى حماية حدودها ومصالحها الاستراتيجية، وفي نفس الوقت، لعبت دورًا في المفاوضات المتعلقة بالمستقبل السياسي لسوريا، بالتعاون مع روسيا وإيران في إطار مسار أستانا ، وفي ليبيا دعمت الحكومة الشرعية، وقدمت مساعدات عسكرية ولوجستية، مما غير موازين القوى على الأرض ، أما في شرق المتوسط، فقد دخلت تركيا في خلافات مع اليونان وقبرص ودول أخرى حول ترسيم الحدود البحرية والموارد الهيدروكربونية، لكنها في المقابل عززت علاقاتها مع دول مثل الجزائر ومصر.

على الصعيد الاقتصادي، لم تتردد تركيا في استخدام نفوذها التجاري والاستثماري لتعزيز علاقاتها السياسية، من خلال المساعدات التنموية، والقروض الميسرة، والاستثمارات في الدول الشريكة.

إن الرغبة التركية في ملء الفراغ الأمريكي في الشرق الأوسط ليست مجرد طموح نظري، بل تستند إلى قراءة استراتيجية للواقع الجيوسياسي ، مع انسحاب واشنطن التدريجي أو إعادة ترتيب أولوياتها، تجد قوى إقليمية أخرى، مثل تركيا، مساحة أكبر للتحرك ، تتطلع أنقرة إلى دور يتجاوز مجرد الحفاظ على استقرار حدودها، لتصبح ضامنا للأمن، ومحفزا للنمو الاقتصادي، وصانعا للسلام في المنطقة ، هذا الدور الجديد لا يتعارض بالضرورة مع المصالح الأمريكية، بل يمكن أن يمثل شراكة تكميلية، حيث تخفف تركيا العبء عن الولايات المتحدة، وتساهم في تحقيق الاستقرار في منطقة شديدة الأهمية.

ومع ذلك، فإن الطريق نحو ترسيخ هذه المكانة الدولية المأمولة لا يخلو من التحديات داخليا ، تواجه تركيا ضغوطا اقتصادية، مثل التضخم وارتفاع الديون، والتي قد تؤثر على قدرتها على الاستمرار في تحمل تكاليف سياساتها الخارجية الطموحة خارجيا، تواجه تركيا منافسة من قوى إقليمية أخرى، مثل إيران والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى علاقات متوترة مع بعض الدول الأوروبية ، كما أن موقفها من بعض القضايا، مثل حقوق الإنسان أو سجلها في الديمقراطية، قد يثير قلق الشركاء الدوليين ، علاوة على ذلك، فإن علاقتها المتشعبة مع روسيا، التي تتسم بالتعاون والتنافس في آن واحد، تمثل تحديا دائما يتطلب توازنا دقيقا.

فى الختام ، تقف تركيا اليوم عند مفترق طرق حاسم ، إن صعودها الاقتصادي المتواصل يوفر لها الأدوات اللازمة لتعزيز نفوذها السياسي على الساحة الدولية ، في ظل تراجع الانخراط الأمريكي المتوقع في الشرق الأوسط، تمتلك أنقرة فرصة تاريخية لملء هذا الفراغ، ولعب دور القوة الإقليمية المؤثرة ، ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الطموح يتطلب تجاوز التحديات الاقتصادية الداخلية، وإدارة العلاقات الخارجية المعقدة بحكمة، وإثبات قدرتها على أن تكون شريكا موثوقا وجزءا من الحلول الإقليمية، وليس مجرد قوة تسعى لملء فراغ .

إن مستقبل تركيا كقوة دولية مؤثرة يعتمد على قدرتها على الموازنة بين طموحاتها الاقتصادية وسياساتها الخارجية، وعلى استجابتها للتغيرات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

 
 
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment