الدكتور لويس حبيقة
بالرغم من الخسائر الكبيرة المتراكمة في البنى التحتية والقطاعات المنتجة والهجرة الانسانية الشابة المنتجة، بقيت المصارف اللبنانية جاذبة للأموال حتى سنة 2019 السوداء التي ما زلنا نعاني من نتائجها المؤلمة في كل القطاعات والمناطق. أسواء ما نتج عنها وما زلنا نعاني منه هو حجز الودائع المصرفية في مجتمع بنى ثقة كبيرة على المؤسسات المصرفية وأصحابها ومسؤوليها. ما أصعب أن يتبين للإنسان أن الثقة التي وضعها في مؤسسة أو سياسة أو أشخاص كانت خاطئة أو أقله كانت في غير محلها.
أعطى قانون النقد والتسليف الاستقلالية العملية لمصرف لبنان وجعل المصارف تنمو كمؤسسات سليمة تحوز على ثقة المواطن المحلي والأجنبي مستثمرا ومستهلكا. حاذ القطاع المصرفي على ثقة قطاع الأعمال مما جعل الاقتصاد يتطور جاذبا رؤوس الأموال للاستثمار في الشركات والعقارات والمناطق. تطور الناتج المحلي الاجمالي بنسب كبيرة حتى سنة 1975 أي قبل بدء الحرب الداخلية.
مهما أنتجنا من قوانين اصلاحية في المصارف والنقد وفي محاربة الفساد، فعودة الثقة ستكون بطيئة وتدريجية ولا ترتكز الا جزئيا على القوانين الجديدة مهما كانت شاملة وكاملة. ما يعيد الثقة هي الممارسة النزيهة لمدة طويلة من الزمن على مستوى المؤسسات الخاصة والعامة والتي ستعيد تدريجيا الأمل والثقة الى المواطنين والشركات. في الواقع شهدنا تغييرات ايجابية على مستوى ادارة مصرف لبنان وأجهزة الرقابة، لكننا لم نر بعد تغييرات مماثلة ومناسبة على صعيد المصارف خاصة الكبيرة والمؤسسات المالية كافة.
على المصارف أن تنتج ادارات جديدة توحي الثقة للمواطن كي يجدد ايمانه بالقطاع الذي ميز لبنان نوعيا. على المصارف والمؤسسات المالية أن تغير قياداتها بما يتناسب مع الأجواء الجديدة حتى لو لم تكن هذه الادارات تحديدا ومباشرة مسؤولة عن الكارثة التي حصلت. نطلب من مصرف لبنان تشجيع كل هذه المؤسسات على تغيير المسؤولين أي انتخاب قيادات جديدة شابة طموحة كفؤة تتمتع بالحيوية والعلم وحسن التخاطب وتوحي الثقة بالمستقبل.
هنالك قوانين جديدة ستؤمن الايطار الذي سيعمل ضمنه القطاع المصرفي. هل ستعود عندها الودائع الى أصحابها؟ لا قبل تحديد حجم الفجوة المالية والمسؤولين عنها، بل كيف ومتى ستتم التغطية؟ سيأخذ النقاش أوقاتا طويلة ولا يمكن معرفة النتائج بدأ من اليوم. في المنطق، المسؤولون عن الفجوة هم 3 جهات هي وزارة المالية ومصرف لبنان والمصارف وان يكن بدرجات مختلفة. حتى المصارف لا يمكن وضعها جميعها في نفس الخانة بل وجب التمييز بينها تبعا لحجمها ومسؤوليتها في تدهور الأوضاع. لا شك أن مصرف لبنان يملك كل المعلومات عن أفعال كل مصرف وبالتالي تحديد المسؤوليات سهل وواجب.
ما المطلوب اليوم، خاصة وأن المواطنين يحتاجون الى أموالهم المحجوزة منذ 2019 للاستهلاك وتعليم الأولاد وشراء التأمينات الصحية وغيرها. الانتظار صعب، بل كفى بيعهم الأوهام والشعارات. عودة الودائع أساسي للأمل في بناء الثقة في المصارف ومستقبلها؟ المطلوب الاستمرار في تسديد الودائع شهريا عبر تعميمات مصرف لبنان الحالية حتى معرفة كيفية تسديدها كليا ومتى. التسديد الشهري ورفع السقوف 50 ألف دولار أخرى لا يفيان بالغرض، لكنهما يعالجان بعض الأوجاع الكبيرة التي يعاني منها المواطنون. على وزارة المالية ومصرف لبنان أن يؤكدا للمودعين أن التعاميم ستستمر مع رفع القيمة الشهرية تدريجيا حتى معالجة الخسائر نهائيا.
للأسف مشاكل لبنان أكبر من مشاكل قطاع مصرفي أو حتى مالي، بل تدخل في قلب الفساد العام الذي يضرب كل شرايين الدولة. الحلول صعبة لكن ان حصلت ستكون دائمة.













08/24/2026 - 07:03 AM





Comments