بقلم: السيد فرنسوا الجردي
إلى متى يبقى الصراع داخل الساحة المسيحية يدور في الحلقة ذاتها، وكأنّ البلاد بخير، وكأنّ المجتمع المسيحي لا يواجه واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث؟
إلى متى تبقى الأحزاب والقوى والقيادات المسيحية منشغلة بالردود المتبادلة، والسجالات السياسية، وتصفية الحسابات، والصراع على النفوذ والمكاسب والتعيينات والحصص، فيما الخطر الحقيقي يتقدّم بصمت ويحيط بالجميع؟
أيها القادة والأحزاب المسيحية على الساحة، افتحوا عيونكم قبل فوات الأوان.
لقد وضع المجتمع المسيحي ثقته بكم. منحكم أصواته، وراهن عليكم، ودافع عن خياراتكم، واعتبركم ممثليه وحمَلة قضاياه ومدافعين عن حقوقه ومستقبله. لم يمنحكم هذه الثقة لكي تتحولوا إلى أطراف منشغلة بصراعات صغيرة، ولا لكي يصبح همّكم الأول تسجيل النقاط على بعضكم بعضاً.
لقد منحكم المجتمع ثقته لكي تكونوا رجال المرحلة.
فهل أنتم على قدر هذه المرحلة؟
المشكلة أكبر من الجميع
المشكلة اليوم ليست في من ربح جولة إعلامية، ولا في من سجّل نقطة على خصمه، ولا في من حصل على مركز أو تعيين أو حصة أكبر في مؤسسة من مؤسسات الدولة.
المشكلة ليست في أي حزب استطاع أن يرفع صوته أكثر، أو يحرج منافسه أكثر، أو يستثمر في أخطائه أكثر.
المشكلة أكبر من الجميع، وأخطر من الجميع.
المشكلة أن مجتمعاً كاملاً يفقد شبابه.
المشكلة أن آلاف الشابات والشبان يبحثون كل يوم عن فرصة للهجرة، وأن أفضل الكفاءات تحمل شهاداتها وخبراتها وأحلامها وتغادر لبنان بحثاً عن مستقبل لم تستطع دولتهم ولا قياداتهم السياسية توفيره لهم.
المشكلة أن القرى والبلدات تفقد أبناءها، وأن العائلات تتوزع بين لبنان وبلدان الاغتراب، وأن جيلاً كاملاً بات ينظر إلى المطار باعتباره بوابة المستقبل، بدلاً من أن يرى في وطنه مكاناً صالحاً للحياة.
المشكلة أن الحضور في مؤسسات الدولة يتراجع، وأن الكفاءات تضيع، وأن اليأس يدفع كثيرين إلى الانسحاب من الحياة العامة والوظيفة العامة، فيما تستمر الطبقة السياسية في الدوران داخل دوامة المناصب والحصص والنفوذ.
فماذا ينفع أن تربحوا تعييناً وتخسروا جيلاً كاملاً؟ وماذا ينفع أن تنتصروا على خصم سياسي، إذا كان الشاب الذي منحكم ثقته يبيع ممتلكاته، ويحزم حقيبته، ويهاجر بلا نية للعودة؟ وماذا ينفع أن تتصارعوا على مواقع السلطة، إذا كانت القاعدة الاجتماعية التي تستمدون منها قوتكم تنكمش وتتراجع وتفقد أبناءها يوماً بعد يوم؟
الثقة التي منحكم إياها الناس ليست شيكاً على بياض
أيها الأحزاب المسيحية، أنتم لستم مجرد أحزاب سياسية تتنافس على المقاعد. أنتم في نظر جمهور واسع حَمَلة قضية ومسؤولون عن مجتمع وضع ثقته بكم. وهذه الثقة ليست امتيازاً دائماً، وليست شيكاً على بياض، وليست رخصة للدخول في صراعات لا تنتهي.
الناس لم تمنحكم ثقتها لكي تتفرج على ردّ هنا وردّ هناك، وعلى بيان يقابله بيان، وعلى مؤتمر صحافي يتبعه مؤتمر صحافي، وعلى معارك إلكترونية يشتعل فيها الجمهور بينما القضايا الحقيقية تبقى بلا حلول.
الناس تريد أن تعرف:
ماذا فعلتم من أجل وقف الهجرة؟
ماذا فعلتم من أجل الشباب؟
ماذا فعلتم من أجل فرص العمل؟
ماذا فعلتم من أجل إعادة الثقة بالدولة؟
ماذا فعلتم من أجل حماية التعليم والاستشفاء والاقتصاد؟
ماذا فعلتم من أجل تثبيت الناس في أرضهم وقراهم وبلداتهم؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
أما السجالات اليومية، مهما علت نبرتها، فلن تبني مستقبلاً، ولن تعيد شاباً من الهجرة، ولن تفتح مؤسسة، ولن تخلق فرصة عمل.
الاختلاف حق... لكن الانتحار السياسي ليس حقاً
لا أحد يطالب بإلغاء التعددية داخل المجتمع المسيحي.
ولا أحد يطلب من الأحزاب أن تتخلى عن هويتها وبرامجها وقناعاتها.
فالاختلاف السياسي أمر طبيعي، والتنافس الديمقراطي ضرورة، وتعدد الآراء مصدر قوة عندما يكون في خدمة المجتمع.
لكن هناك فرقاً بين المنافسة والانتحار السياسي.
هناك فرق بين الاختلاف والعداء.
بين المحاسبة والتخوين.
بين المنافسة السياسية والحقد الشخصي.
وبين الدفاع عن مشروع سياسي وتحويل المجتمع كله إلى ساحة حرب بين أنصار هذا الحزب أو ذاك.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله القيادات هو أن تجعل خصمها الداخلي يبدو أكبر خطراً من الخطر الحقيقي الذي يهدد مجتمعها.
ليس من الحكمة أن تنفق الأحزاب طاقاتها في تحطيم بعضها بعضاً، فيما تتراكم الأزمات فوق رؤوس الناس.
وليس من القيادة أن يتحول الجمهور إلى جيوش إلكترونية للشتائم والدفاع الأعمى، بينما الشاب يبحث عن تأشيرة سفر، والأهل يبحثون عن ثمن التعليم والاستشفاء، والمؤسسات تنهار، والثقة بالمستقبل تتلاشى.
أين المشروع المشترك؟
إذا كنتم جميعاً تقولون إن المجتمع المسيحي في خطر، فأين المشروع المشترك لمواجهة هذا الخطر؟
أين الخطة الجدية لوقف نزيف الهجرة؟
أين المبادرة المشتركة لخلق فرص عمل للشباب؟
أين الرؤية الاقتصادية التي تعيد الحياة إلى المناطق والبلدات والقرى؟
أين المشروع الذي يشجع أبناء الاغتراب على العودة والاستثمار؟
أين التنسيق لحماية حضور الكفاءات في مؤسسات الدولة؟
أين الاتفاق على الحد الأدنى من القضايا التي لا يجوز أن تتحول إلى ساحة خلاف أو مزايدة؟
ليس المطلوب أن تذوب الأحزاب في بعضها بعضاً.
وليس المطلوب أن تتحول الساحة المسيحية إلى حزب واحد.
المطلوب أن تعرفوا أين تنتهي المنافسة وأين يبدأ المصير المشترك.
يمكنكم أن تختلفوا حول السياسة.
يمكنكم أن تتنافسوا في الانتخابات.
يمكنكم أن تحاسبوا بعضكم بعضاً.
يمكنكم أن تطرحوا رؤى متناقضة للدولة والاقتصاد والإدارة.
لكن هناك قضايا لا يجوز أن تخضع للمساومات والحسابات الضيقة:
الشباب، والهجرة، والتعليم، والاقتصاد، والمؤسسات، والأرض، والوجود، ومستقبل المجتمع.
هذه ليست ملك حزب.
هذه ليست ورقة انتخابية.
هذه قضية مجتمع كامل وضع ثقته بكم.
كفى
كفى استنزافاً للطاقات في الحروب الداخلية.
كفى تحويل كل خلاف إلى معركة كسر عظم.
كفى استثماراً في الأحقاد القديمة.
كفى إقناع الجمهور بأن المعركة الأساسية هي مع الشريك في المجتمع نفسه.
كفى صراعاً على النفوذ والمكاسب بينما الناس تخسر استقرارها ومستقبلها.
كفى تعاملاً مع المجتمع وكأنه مجرد خزان انتخابي يُستدعى عند الانتخابات، ثم يُترك وحيداً أمام البطالة والهجرة واليأس.
إن القيادة الحقيقية ليست أن تعرف كيف تحشد الناس ضد خصمك.
القيادة الحقيقية أن تعرف كيف تجمعهم عندما يصبح مصيرهم مهدداً.
والزعيم الحقيقي ليس من ينتصر في سجال إعلامي، بل من يملك الشجاعة ليقول: لقد اختلفنا بما فيه الكفاية، وحان الوقت لكي نعمل معاً من أجل إنقاذ مجتمعنا.
المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الزعماء... بل إلى رجال دولة
المجتمع المسيحي لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الخطب العالية.
ولا إلى مزيد من البطولات الكلامية.
ولا إلى قيادات تعتقد أن كل شيء يبدأ بها وينتهي عندها.
إنه يحتاج إلى رجال دولة.
إلى قيادات تدرك أن المنصب لا قيمة له إذا فرغ المجتمع من شبابه.
وأن الحصة في السلطة لا معنى لها إذا كانت العائلات تخسر أبناءها للهجرة.
وأن التعيين، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يصبح أهم من بناء دولة قادرة على إبقاء مواطنيها فيها.
فالوجود لا يُحمى بالشعارات وحدها.
والحقوق لا تُصان بالخطابات فقط.
والمستقبل لا يُبنى بالكراهية.
إنقاذ المجتمع يبدأ بصناعة أسباب البقاء.
باقتصاد يفتح الأبواب أمام الشباب.
وبتعليم يحافظ على الكفاءات.
وبمؤسسات تحترم أصحاب الخبرة.
وبدولة يشعر المواطن فيها أن له مستقبلاً.
وبقيادات تعرف أن حماية مجتمعها أهم من تحقيق انتصار عابر على خصم سياسي.
التاريخ لن يرحم
أيها القادة،
ماذا ستقولون بعد سنوات إذا استمرت الهجرة؟
ماذا ستقولون عندما تصبح القرى أكثر فراغاً؟
ماذا ستقولون عندما يكتشف المجتمع أن سنوات طويلة ضاعت في صراعات كان يمكن تأجيلها، بينما كان الخطر الحقيقي يتقدم بصمت؟
لن تنفعكم يومها البيانات.
لن تنفع التغريدات.
لن تنفع الانتصارات الوهمية.
لن يسأل التاريخ من ربح السجال.
سيسأل: ماذا فعلتم عندما كان مجتمعكم في خطر؟
والمجتمع الذي وضع ثقته بكم سيسألكم أيضاً:
هل كنتم على مستوى الأمانة؟
هل قدمتم مصلحة الناس على مصالح الأحزاب؟
هل قدمتم مستقبل الشباب على حسابات السلطة؟
هل عرفتم كيف تختلفون من دون أن تدمروا بعضكم بعضاً؟
ساعة الحقيقة
أيها الأحزاب المسيحية على الساحة،
إن المجتمع الذي وضع ثقته بكم لا يطلب المستحيل.
لا يطلب أن تحبوا بعضكم بعضاً.
لا يطلب أن تتخلوا عن قناعاتكم.
ولا أن تتوقفوا عن المنافسة.
إنه يطلب منكم شيئاً واحداً:
أن تحبوا مجتمعكم أكثر من كراهيتكم لبعضكم بعضاً.
أن تتذكروا أن هناك وطناً أكبر من الحزب.
ومجتمعاً أكبر من الزعيم.
وجيلاً أهم من أي منصب.
ومستقبلاً لا يجوز أن يُضحّى به من أجل تصفية حساب سياسي.
هذه هي ساعة الحقيقة.
إما أن تستيقظوا الآن، وتترفعوا عن صغائر الأمور، وتتصرفوا كرجال المرحلة، وتضعوا برنامجاً مشتركاً للحد الأدنى من القضايا المصيرية، فتكونوا على قدر الثقة التي منحكم إياها مجتمعكم... وإما أن تستمروا في دوامة الردود والاتهامات والمكاسب والتعيينات والصراعات الصغيرة، إلى أن تستيقظوا ذات يوم على حقيقة قاسية:
أنكم قد تربحون معارككم الحزبية الواحدة تلو الأخرى، لكنكم تخسرون المجتمع الذي وضع ثقته بكم.
كفى لعباً على حافة الهاوية. فالمجتمع المسيحي لا يحتاج إلى هواة في زمن الخطر، بل إلى رجال يدركون أن ساعة الإنقاذ قد لا تتكرر مرتين.












08/24/2026 - 07:25 AM





Comments