جمال دملج *
في مثل هذا اليوم، قبل 49 عامًا، كنتُ أقف في fg]m إهدن، وفي يدي كاميرا من نوع "ياشيكا"، وأنا لم أتجاوز السابعة عشرة من العمر. لم أكن أعرف يومها أن الصورة التي التُقطت لي في ذلك المكان ستعود، بعد قرابة نصف قرن، لتضعني أمام سؤال أكبر بكثير من تلك اللحظة التي كنت أعيشها: ماذا فعلنا بلبنان؟ وماذا فعل لبنان بنا؟
في 24 آب/أغسطس 1977، كنتُ لا أزال في بدايات خطواتي الأولى في مهنة الصحافة، مراسلًا لجريدة "السفير" في محافظة شمال لبنان. ومن طرابلس توجهت إلى إهدن، للمرة الأولى بعد انتهاء "حرب السنتين"، بصحبة الزميل الراحل منيف رستم، مراسل جريدة "الشرق"، لتغطية وقائع "خلوة الجبهة اللبنانية" التي عُقدت في القصر الصيفي للرئيس اللبناني السابق سليمان فرنجية.
لم أكن، وأنا أقف هناك، أعرف أنني لا أقف أمام حدث صحافي عابر، بل أمام صفحة من تاريخ بلد سأظل ألاحقه صحافيًا طوال حياتي.
يومذاك، وفي بدايات خطواتي المهنية، قُدّر لي أن ألتقي في القصر، وجهًا لوجه، مع شخصيات لبنانية نافذة من قامة الرئيس اللبناني كميل شمعون، ورئيس حزب الكتائب بيار الجميل، وغيرهما. لكنني لم أكن أعرف أيضًا أنني سأعود إلى إهدن، بعد أشهر قليلة فقط، للتحقيق في جريمتي اغتيال سياسي: الأولى استهدفت رئيس إقليم زغرتا-الزاوية الكتائبي جود البايع، والثانية استهدفت طوني فرنجية وزوجته فيرا قرداحي وابنتهما جيهان، التي لم تكن قد تجاوزت عامها الثالث، إضافة إلى عشرات آخرين، في ما عُرف لاحقًا بـ"مجزرة إهدن".
وكانت تلك المجزرة واحدة من المحطات الدامية التي عمّقت الشرخ داخل الساحة المسيحية اللبنانية، وفتحت صفحة جديدة في مسار الحرب التي لم تكن قد قالت كلمتها الأخيرة بعد.
سوريا... وبداية زمن الوصاية
لم يكن خافيًا، منذ البداية، أن سوريا التي دخلت الأراضي اللبنانية عسكريًا في ربيع عام 1976، قبل أن تحصل في خريف العام نفسه على تكليف من جامعة الدول العربية لتشكيل "قوات السلام العربية"، كانت تتحول تدريجيًا إلى لاعب أساسي في تقرير مسار الأحداث اللبنانية.
وبعد انسحاب الوحدات السعودية والسودانية والليبية واليمنية من تلك القوات، وتحولها إلى ما عُرف لاحقًا بـ"قوات الردع العربية"، بدأ النفوذ السوري يكتسب حضورًا أكثر رسوخًا في لبنان.
وكان واضحًا، في تلك المرحلة، أن دمشق بدأت تتعامل مع الانقسامات اللبنانية بوصفها إحدى أدوات إدارة نفوذها في البلاد، وأن التصدعات داخل الساحة المسيحية لم تكن منفصلة عن الصراع الأوسع على مستقبل لبنان. وفي حزيران/يونيو 1978، قُدّر لي أن أشارك في تغطية قمة الرئيسين اللبناني إلياس سركيس والسوري حافظ الأسد التي عُقدت في مدينة اللاذقية.
يومها، لم يكن خافيًا أيضًا ذلك القدر من عدم الارتياح الذي كان ظاهرًا على وجهي الرئيسين، رغم التصريحات السياسية التي حاول الأسد من خلالها إظهار نفسه في موقع "الحمل الوديع"، في الوقت الذي كانت فيه بدايات الانخراط العسكري الإسرائيلي المباشر في الساحة اللبنانية تلوح في الأفق.
النهضة في "المناطق المحررة"
سرعان ما بدأت نتائج قمة اللاذقية تتكشف على خطين متوازيين: الأول في الحملة التي قادها الراحل بشير الجميل لطرد القوات السورية من المناطق الواقعة بين منطقتي "العدلية" في بيروت و"البربارة" في الشمال، وما يتصل بهما شرقًا؛ والثاني في استمرار التمدد السوري في مناطق لبنانية أخرى، سواء في بيروت الغربية أو الجنوب أو البقاع أو الشمال.
وإذا كانت السمة التي طغت على ما عُرف آنذاك بـ"المناطق المحررة" قد تمثلت في النهضة والبناء والتحديث، وأنا أشهد على ذلك شخصيًا خلال انتقالي من طرابلس للإقامة في جونية، قبل أن أغادر لبنان إلى جزيرة قبرص، فإن السمة التي ظلت تطغى على مناطق لبنانية أخرى كانت، في كثير من الأحيان، على النقيض من كل ما يمت إلى النهضة والبناء والتحديث بصلة... ولم يكن "حزب الله" قد تأسس بعد.
الولادة التي تعثرت
منذ ثمانينيات القرن العشرين، ظل لبنان يعاني من تعثر ولادته المحتملة بحلته الجديدة. مرة بسبب تداعيات عملية "الليطاني" عام 1978 وعملية "سلامة الجليل" عام 1982، ومرة بسبب هشاشة الوضع الداخلي التي أعقبت اغتيال بشير الجميل، ثم رفض شقيقه، رئيس الجمهورية أمين الجميل، المصادقة على "اتفاقية 17 أيار" عام 1983.
وبعد ذلك عاد التسلط السوري على الملف اللبناني، واستمر حتى انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005، بعد 29 عامًا من النفوذ والوصاية، وبعد اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري. واللافت خلال تلك السنوات الطويلة، وصولًا إلى انتخاب العماد جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، أن أركان التركيبة اللبنانية، بمختلف مكوناتها، لم تدرك، أو لم ترد أن تدرك، حجم مسؤوليتها عن استمرار الأزمة.
لقد ساهم البعض عن دراية، والبعض عن جهل، والبعض الآخر عن قصر نظر، في إيصال البلد إلى العتبة الخطيرة التي يقف على حافتها اليوم... ولعل هذا هو المصطلح الأكثر تهذيبًا الذي يمكنني استخدامه لوصف المرحلة اللبنانية الراهنة.
العودة إلى المستقبل
اليوم، وبعد 49 عامًا من تلك الصورة، أعود إليها لا لأبحث عن الشاب الذي كنتُه فقط، بل لأبحث عن لبنان الذي كان يحيط به.
أنظر إلى وجهي في الصورة، وإلى الكاميرا التي كنت أحملها، وإلى الشخصيات التي كنت أذهب إلى إهدن لتغطية اجتماعها، ثم أنظر إلى لبنان اليوم، فأشعر أحيانًا بأن نصف قرن كامل مرّ، فيما لا يزال البلد يطرح الأسئلة نفسها بأسماء مختلفة: كم حربًا كان يمكن تجنبها؟ وكم فرصة ضاعت؟ وكم جيلًا اضطر إلى دفع ثمن أخطاء لم يرتكبها؟
وإذا كانت أقداري المهنية قد حملتني خلال تلك المرحلة من لبنان إلى قبرص ثم إلى بريطانيا، ومن هناك إلى متاهات حروب قمتُ بتغطية وقائعها الميدانية، بدءًا من يوغوسلافيا، مرورًا بالشيشان وأفغانستان والصومال والعراق، وصولًا إلى عودتي للإقامة في لبنان بعد 32 عامًا من الغياب، فإن أكثر ما تعلمته خلال تلك الرحلة الطويلة هو أن الإنسان، كلما اقترب أكثر فأكثر من دوائر الحروب، أدرك أكثر فأكثر أهمية السلام.
وبصورةٍ أدق: كلما اقتربتُ من الحروب أكثر، أدركتُ السلام أكثر. وكلما ابتعدتُ عن لبنان ثم عدتُ إليه، أدركتُ أن أكثر ما يفتقده هذا البلد ليس القدرة على البقاء، فقد أثبت أنه قادر على ذلك، وإنما القدرة على أن يعيش.
تعلّمتُ أيضًا أن الوطن لا يمكن أن يكون مجموعة ساحات متجاورة، وأن الدولة ليست تفصيلًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الأزمات، وأن السلام ليس مجرد غياب مؤقت للحرب.
وبعد 49 عامًا، لا أملك ترف اليأس من لبنان، ولا أملك في الوقت نفسه ترف تجاهل ما خسره.
لقد رأيتُ هذا البلد في الحرب، ورأيته في السلم، ورأيت لبنانيين يموتون وهم يعتقدون أنهم يموتون من أجل لبنان، ثم رأيت لبنان نفسه يدفع ثمن كل تلك الحروب.
ولهذا ربما أصبحتُ أكثر اقتناعًا بأن مستقبل لبنان لا يمكن أن يُبنى إلا عندما يصبح السلام خيارًا، والدولة مرجعية، والسيادة ممارسة يومية لا مجرد شعار.
ولعل ما كنت أردده طوال سنوات عمري المهني عن أن "ما أضيق العيش في لبنان لولا فسحة بكركي واليرزة" يحتاج اليوم إلى تعديل بسيط: ما أضيق العيش في لبنان لولا فسحة بعبدا وبكركي واليرزة... وهنا يكمن بيت القصيد.
*كاتب وإعلامي لبناني











08/23/2026 - 16:52 PM





Comments