د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
تعتقد إيران أن سيطرتها الميدانية على الملاحة في هرمز يعطيها رسالة قوة وهيمنة تهدف إلى تعزيز أوراقها التفاوضية، وليس مجرد تنازل مجاني للإدارة الأمريكية، فيما بكين وموسكو لم تظهرا استعدادا لدعم إيران عسكريا في قمة شنغهاي في الأول من سبتمبر 2026بقرغيزستان، فيما بقي الدعم الاقتصادي محدودا وسط تهديدات بعقوبات أميركية إضافية، بل هناك شكوك بشأن قدرة التكتل على تحويل التضامن السياسي إلى دعم اقتصادي أو أمني فعلي الحرب على إيران كشفت قدرة هذا التكتل، رغم أنه يشكل 40% من سكان العالم وربع اقتصاد العالم.
هددت أمريكا على لسان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بيوم إنزال اقتصادي يتضمن إجراءات لمعاقبة إيران وداعميها، فإن مواجهة طهران مع ترمب كشفت عجز منظمة شنغهاي للتعاون عن التحرك بصورة منسقة، في الوقت الذي تحي فيه مرور 25 عاما على تأسيسها، وهو بمثابة تضامن رمزي مع طهران، ومجرد إدانة خطابية للولايات المتحدة بما يتماشى مع الدعاية الصينية المعتادة التي تحافظ على ترابط اقتصادها مع الغرب لا يمكن أن تفرط بهذه المكتسبات الضخمة.
الحرب الأمريكية على إيران لم تكشف هشاشة النظام الإيراني رغم تعنته، بل تكشف حجم الرهانات أمام مجموعة شنغهاي تحاول تحدي النظام العالمي الذي يهيمن عليه الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وهو ما يسلط الضوء على مدى عدم فاعلية منظمة شنغهاي للتعاون في حماية أمن إحدى دولها الأعضاء.
إيران ليس لديها حلفاء روسيا ليس لديها علاقات استراتيجية مع إيران تتضمن الدفاع المتبادل، ولا حتى التزاما سياسيا واضحا، وقد كتب المؤرخ الأمريكي ستيفن كوتكين أن بوتين لا يبني تحالفات، بل شبكات نفوذ، تنتهي صلاحيتها حين ترتفع كلفة الدفاع عنها.
تنظر موسكو إلى إيران صفقة، واقترح موسكو على واشنطن صفقة بأن يتوقف الكرملين عن تزويد إيران بالمعلومات المخابراتية إذا توقفت أمريكا عن تزويد أوكرانيا بمعلومات عن روسيا، رفضت واشنطن هذه المقايضة.
فيما الصين كانت أكثر حدة مع إيران حينما رفضت زيارة أكبر مسؤول في إيران قاليباف بحسب تصريح زعيم حزب كوادر البناء حسين مرعش الذي دعم بزشكيان وسبق أن دعم روحاني بقوله أن الصين أبلغتنا أن زيارة قاليباف لن تتم إلى الصين إلا بعدما تفتح مضيق هرمز كما كان قبل الحرب، وحل مشكلتها مع السعودية، والسماح للسفن بعبور مضيق هرمز دون رسوم، وإنهاء مشكلتها مع أمريكا.
إيران أضاعت مذكرة التفاهم بتوظيفها مضيق هرمز كورقة تفاوض، قدمتها هدية لترمب الذي حول ملف النووي إلى ملف هرمز، بل مذكرة التفاهم أحبطتها ودمرتها إيران، وكانت دول المنطقة متحفظة من هذه مذكرة التفاهم التي وقعت في فرساي، وكانت ستؤدي إلى أزمة في المنطقة على غرار الاتفاق النووي مع 5+1 في عام 2015، ويرفض ترمب طلب إيران العودة إلى هذه المذكرة، ويعتبر أن أوانها فات وضيعت إيران عليها الفرصة، ومحاولة الترويج من أن هناك داخل إيران متطرفون ومعتدلون وهم وتضليل، بل مجرد توزيع أداور والجميع متمسك بالعقيدة الإيرانية.
تقترب إيران من حافة الهاوية عبر كسر قواعد اللعبة، وهو سيناريو اليأس بعدما انتقلت من استهداف الملاحة إلى استهداف سلسلة إنتاج وتصدير الطاقة بعدما أوعزت للحوثيين بتهديد ممرات البحر الأحمر، لكن السعودية شكلت تحالف بحري دفاعي حيدت تهديدات الحوثي لممرات البحر الأحمر، ولا زالت السعودية تصدر نفطها عبر ممر شرق غرب إلى ينبع، ما جعل أسعار النفط في مستويات معقولة عند 90 دولار للبرميل وليس كما كانت تود إيران أن يرتفع إلى 150 دولار للبرميل أو أكثر.
ما جعل إيران تلجأ إلى استراتيجية معادلة ردع جديدة عندما صرح قاليباف إذا لم نستطيع تصدير نفطنا فلن يستطيع أحد تصدير نفطه يعتبر أكثر من تهديد سياسي، تود إيران مقابل خنق إيران أيضا خنق الدول المصدرة للنفط، وأن يصبح الخليج وسوق الطاقة العالمي جزءا من معادلة بقاء إيران.
لذلك لجأت أمريكا إلى استهداف مواقع عسكرية ولوجستية وحيوية تابعة للحرس الثوري والقوات المسلحة الإيرانية في بندر عباس العصب الرئيسي للقوات البحرية لتحييد قدرات ومراكز القطع البحرية والزوارق السريعة التي تتميز بها إيران، واستهدفت بطاريات الصواريخ المضادة للسفن في جزيرة قشم، واستهدفت قواعد بحرية متطورة ومحطات رادار في جاسك وسيرك، واستهدفت قاعدة كنارك البحرية والجوية في شابهار، لشل قدرات إيران الهجومية والدفاعية للحرس الثوري، وجاء التحرك الأمريكي كتحرك وقائي بعد رصد استخباراتي بان القوات الإيرانية تستخدم السواحل الغربية لإطلاق مقذوفات ونشر ألغام بحرية متفجرة لعرقلة السفن والملاحة في مضيق هرمز.
الخناق الاقتصادي يتخطى مضيق هرمز وربيو صرح بأنه لا يوجد توافق بين أمريكا وروسيا، ووزير الخزانة الأمريكي يطالب دول الجوار بوقف أي دعم لإيران لإنهاء هذا الصراع بأسرع وقت، ورغم ان إيران اعتادت على العقوبات منذ 1979 نحو 1600 عقوبة لكن حاليا الخنق ساهم في انخفاض العملة الإيرانية إلى 2.2 مليون ريال مقابل الدولار، فيما كان قبل الحرب سعر الدولار 1.5 مليون ريال.
العمليات العسكرية الأمريكية مفتوحة بجاهزية عالية 100 ضربة في يوم واحد في 1/9/2026، وهناك خلاف داخل الإدارة الأمريكية فالسيناتور تيد كروز يرى بأن الحديث عن تغيير سلوك النظام الإيراني قد تجاوزه الزمن، ويطالب الكف عن حديث سلوك تغيير النظام إلى تمكين المعارضة ودعمها لتغيير النظام.
خطاب التهدئة الإيراني إنه لشراء الوقت ولتجنب الانهيار الاقتصادي معولين على الانتخابات الأمريكية النصفية في نوفمبر، لكنه رهان خاطئ كعادة إيران، ولن يتخلى ترمب عن الحصار والعقوبات الخانقة الذي أفرغ خطاب التهدئة الإيراني من أهدافه، لأن ترمب وجد ان التخلي عن الحصار البحري خطأ، ومصمم ترمب مواصلة الخنق الاقتصادي والعمل العسكري حتى ترضخ إيران، لكنه يتطلب جدية من الدول المجاورة وبشكل خاص من الصين وروسيا.
حاول ترمب إقناع روسيا والصين بأن أمريكا جاهزة للتصعيد العسكري إذا رفضتا التعاون مع أمريكا، لأنه إذا توقفت الصين وروسيا عن دعم النظام الإيراني سينهار بسرعة، لكن ما هي استعداد روسيا للمقايضة مع ترمب في موضوع أوكرانيا، ومع الصين تتعلق بملفات تجارية عديدة وملف تايوان، وهناك زيارة للرئيس الصيني إلى واشنطن في سبتمبر 2026، وفي ضوء سياسات بدائل عبور الناقلات في ممرات غير هرمز سيقلل من قيمة الورقة التي تتمسك بها إيران، وسيتم تفريغ أهمية المضيق.
إذا رفض البلدان واستمرت إيران في التعنت والمكابرة، ستركز أميركا ضرباتها على نحو جزيرة لارك حيث البنية التحتية العسكرية للحرس الثوري، وهو ما حدث في 1/9/2026 وهي رسالة لروسيا والصين، ليست فقط لإيران، وشملت الضربات جزيرة خارك حيث البنية التحتية النفطية لإيران، ولن يقبل ترمب سيطرة إيران على مضيق هرمز ولا حتى التفاهمات الإيرانية العمانية، ولوزير الخارجية الأمريكي في أخطر تصريح له من أن مضيق هرمز سيخسر مكانته العالمية للمنطقة كان اهم منطقة شحن خلال العامين فقط، وذلك بسبب أن السعودية تعمل على فتح طرق بديلة وجديدة لضخ نفطها إلى بحر العرب والبحر الأحمر وستلتحق كل الدول بعد السعودية مما يجعل هذا المضيق بلا أي قيمة تذكر.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا













09/04/2026 - 00:34 AM





Comments