معتز فخرالدين *
تنبيه ضروري قبل القراءة
هذا النص ليس دفاعًا عن حزب الله ولا تبريرًا لوضعه، بل محاولة لفهم كيف استمر هذا الوضع طوال عقود، حتى لا نكرر الأخطاء نفسها ونحن نعالجه. فالمواجهة العمياء أنتجت حروبًا، والمماطلة كرّست أمرًا واقعًا، والبديل اليوم هو خريطة طريق وطنية تعالج السلاح في سياق إعادة بناء الدولة.
لحظة ما بعد الحرب: تغيّر المعادلات
الحرب التي بدأت في غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وامتدت إلى لبنان لم تغيّر فقط حجم الخسائر التي لحقت بحزب الله، بل غيّرت البيئة التي نشأ فيها دوره العسكري والسياسي، وأعادت رسم جانب مهم من التوازنات اللبنانية والإقليمية.
خرج الحزب من الحرب بخسائر كبيرة في صفوفه وبنيته العسكرية والقيادية، وتراجعت قدرته على فرض المعادلة التي حكمت علاقته بإسرائيل وبالدولة اللبنانية لسنوات. وفي الوقت نفسه، تبدلت المعادلات الإقليمية التي وفرت له هامش الحركة والدعم.
لكن أهمية هذه اللحظة لا تكمن في إضعاف حزب الله بحد ذاته، بل في أن الظروف التي جعلت سلاحه عنصرًا حاسمًا في المعادلة اللبنانية لم تعد كما كانت. لذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كيف يمكن معالجة السلاح؟ بل أيضًا: كيف نشأت أصلًا قوة مسلحة خارج الإطار الكامل للدولة، وكيف تمكنت من الاستمرار كل هذه السنوات؟
كيف تحوّل الاستثناء إلى معادلة؟
بعد اتفاق الطائف، جرى نزع سلاح معظم الميليشيات اللبنانية، بينما بقي سلاح حزب الله استثناءً ارتبط بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. وكان لهذا الاستثناء سياقه السياسي والأمني في ذلك الوقت.
لكن الانسحاب الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000 غيّر طبيعة المسألة. فلم يعد السؤال متعلقًا فقط بمقاومة احتلال قائم، بل أصبح متعلقًا بموقع السلاح داخل الدولة، وبمن يملك القرار في القضايا السيادية، وفي مقدمها الدفاع والحرب والسلم. ومع مرور الوقت، تطورت قدرات الحزب العسكرية، واتسع حضوره الإقليمي، وأصبح جزءًا من شبكة نفوذ تتجاوز الحدود اللبنانية.
في المقابل، بقيت الدولة عاجزة عن استكمال بناء مؤسساتها السيادية وعن إنتاج صيغة وطنية مقنعة للأمن والدفاع. كما لم تنجح في معالجة الهواجس التي جعلت بعض اللبنانيين يرون في القوة الحزبية ضمانة في مواجهة مخاوفهم. وهكذا تحول الاستثناء المرتبط بظرف محدد إلى واقع سياسي وعسكري دائم. فحزب الله لم يصنع وحده أزمة الدولة، لكنه أصبح أقوى تعبير عن عجزها وعن نظام سمح، في مراحل مختلفة، بقيام قوى تتقدم على مؤسساتها أو تعمل خارجها.
الحرب وفتح النافذة
الحرب الأخيرة بدّلت ميزان القوة. فقد تلقى حزب الله ضربات قاسية، وتعرضت بنيته العسكرية والتنظيمية لأضرار كبيرة، كما تبدلت البيئة الإقليمية التي تحرك فيها لسنوات. وبالتوازي، برز حضور أكبر للجيش اللبناني في الجنوب، وعاد النقاش حول دور الدولة في حماية الحدود، وحول الجهة التي ينبغي أن تمتلك القرار النهائي في السلم والحرب.
هذه التحولات لا تحسم وحدها مستقبل السلاح، لكنها تجعل استمرار الصيغة السابقة أكثر صعوبة، وتفتح نافذة لإعادة النظر في العلاقة بين الحزب والدولة. وهنا يواجه حزب الله استحقاقًا مختلفًا: هل يستطيع الانتقال من دور يجمع بين القوة السياسية والعسكرية المستقلة إلى قوة سياسية تمارس دورها داخل مؤسسات الدولة؟
هذا الانتقال لا يعني إلغاء الحزب أو إقصاء بيئته الاجتماعية من الحياة الوطنية. فالمطلوب ليس معالجة المسألة بمنطق الغالب والمغلوب، بل الفصل بين المشاركة السياسية، وهي حق مشروع، وبين امتلاك قوة عسكرية مستقلة عن الدولة.
لكن نجاح هذا التحول لا يتوقف على موقف الحزب وحده، بل يحتاج أيضًا إلى دولة قادرة على تقديم البديل الذي يجعل التخلي عن السلاح انتقالًا إلى ضمانة وطنية، لا إلى فراغ أو خوف جديد. وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
مسار واحد: الدولة والسلاح
من الخطأ القول إن علينا أولًا بناء دولة قوية ثم نبحث في السلاح. فهذا يعني عمليًا تأجيل المشكلة إلى أجل غير معلوم، وهو منطق استُخدم طويلًا وأصبح جزءًا من الأزمة.
وفي المقابل، فإن نزع السلاح من دون تعزيز قدرة الدولة على حماية مواطنيها وتأمين حدودها لن يكون كافيًا لضمان استقرار مستدام.
لذلك لا ينبغي التعامل مع الأمرين كمرحلتين متعاقبتين، بل كمسار واحد يتحرك في اتجاهين متلازمين:
- تتقدم الدولة في مؤسساتها وقدرتها على الدفاع،
- بالتزامن مع انتقال القوة المسلحة تدريجيًا إلى إطارها الشرعي.
ويحتاج هذا المسار إلى خريطة طريق واضحة، تبدأ بمراحل محددة زمنيًا لمعالجة السلاح، وتترافق مع تعزيز قدرات الجيش والقوى الأمنية، ولا سيما في الجنوب وعلى الحدود.
كما يجب أن تقوم بالتوازي استراتيجية دفاع وطنية تحدد بوضوح مسؤولية الدولة عن الدفاع وقرار الحرب والسلم، وأن تتوافر ضمانات سياسية ووطنية تحول دون استخدام هذا الانتقال لإقصاء أي مكوّن لبناني أو الانتقاص من حقوقه. ولضمان تنفيذ هذا المسار، يمكن اعتماد آليات رقابة ومواكبة تحول دون العودة إلى الصيغة السابقة.
بهذا المعنى، يصبح الانتقال من واقع السلاح المستقل جزءًا من عملية بناء الدولة نفسها، لا شرطًا يسبقها ولا ملفًا منفصلًا عنها.
الدولة التي نريدها
لكن معالجة السلاح لا تنهي أزمة لبنان. فهي تزيل أحد أبرز مظاهرها، بينما تبقى أسباب أخرى تحتاج إلى معالجة: نظام سياسي يقوم على المحاصصة، ومؤسسات أضعف من القوى السياسية، واقتصاد تحكمه الزبائنية، ومواطن يلجأ إلى حماية جماعته عندما يعجز عن الحصول على ضماناته من الدولة.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ من سؤال آخر: ماذا ستقدم الدولة للبناني بعد أن تستعيد دورها؟
المطلوب دولة يشعر المواطن، أيًا تكن طائفته أو منطقته، أنها تحميه وتطبق القانون عليه وعلى غيره بالمعيار نفسه. دولة يكون فيها القضاء مستقلًا، والجيش مؤسسة وطنية جامعة، والإدارة في خدمة المواطن لا في خدمة الزعيم.
ومن هنا تصبح إعادة الإعمار جزءًا من استعادة الثقة. فالجنوب والضاحية الجنوبية وسائر المناطق المتضررة تحتاج إلى حضور الدولة ورعايتها، لا إلى تحويل الإعمار إلى وسيلة عقاب سياسي لبيئة اجتماعية معينة.
إذا نجحت الدولة في الجمع بين الأمن والعدالة والتنمية، يصبح الانتقال من منطق الحماية الخاصة إلى الحماية الوطنية أكثر قابلية للحياة.
لقد غيّرت الحرب الكثير من المعادلات، لكنها لم تصنع الدولة. وإذا كان ضعف حزب الله قد أضعف الصيغة التي حكمت العلاقة بين السلاح والدولة لعقود، فإن تحويل هذه اللحظة إلى بداية جديدة يتطلب أكثر من ميزان قوى مؤقت.
المطلوب أن يتحول هذا الظرف من انتصار فريق على فريق إلى إعادة تأسيس لقواعد الدولة نفسها: قانون واحد، ومؤسسات واحدة، وقرار سيادي واحد.
إذا نجح لبنان في ذلك، يمكن أن تكون هذه اللحظة بداية انتقال حقيقي من منطق القوى المتوازية إلى منطق الدولة.
أما إذا عاد الجميع إلى الحسابات القديمة، أو إلى انتظار "الوقت المناسب"، فقد تضيع فرصة أخرى ويعود لبنان إلى إنتاج أزمته بأشكال جديدة.
المسألة إذن ليست ماذا سيفعل لبنان بسلاح حزب الله فحسب، بل ماذا سيفعل بالدولة التي سمحت لهذا السلاح بأن يصبح جزءًا من معادلتها السياسية. فإذا استطاع أن يعالج المسألتين معًا، فقد تكون هذه الحرب، رغم مآسيها، بداية للخروج من الدولة المؤجلة إلى الدولة الفعلية.
* كاتب وباحث سياسي













09/03/2026 - 18:50 PM





Comments