سالي علاوي
في أي نظام ديمقراطي، لا تُقاس قيمة الانتخابات بعدد صناديق الاقتراع أو بنسبة المشاركة فيها، بل بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في إدارة الشأن العام. فالإنتخابات ليست مجرد إجراء دوري لاختيار أشخاص جدد، وإنما وسيلة يمنح من خلالها المواطن الشرعية لمن يمثله، ويختار برنامجاً سياسياً أو اقتصادياً، ثم يحتفظ بحقه في محاسبة من انتخبه على ما حققه من وعود وما أخفق في إنجازه.
لكن حين يُطرح الحديث عن الانتخابات في الضفة الغربية، تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها، هل يملك من يُنتخب صلاحيات كافية لتنفيذ ما يعد به؟ وهل يستطيع المواطن أن يلمس أثر صوته في حياته اليومية؟ أم أن الواقع السياسي والأمني والاقتصادي يفرض قيوداً تجعل التغيير محدوداً مهما تبدلت الوجوه والأسماء؟
هذه الأسئلة لا تستهدف التقليل من أهمية الانتخابات أو الدعوة إلى العزوف عنها، بل تهدف إلى إعادة النقاش إلى جوهر العملية الديمقراطية: ما الذي يجعل الانتخابات ذات معنى؟ وما الذي يجعل صوت المواطن أداة حقيقية للتأثير؟
الانتخابات ليست مجرد اختيار أشخاص
في جوهرها، تقوم الانتخابات على علاقة واضحة بين المواطن والسلطة. يمنح المواطن ثقته لمن يراه الأقدر على إدارة الشأن العام، مقابل التزام هذا المسؤول بتنفيذ برنامج واضح يمكن قياس نتائجه ومحاسبته عليها. ولكي تؤدي الانتخابات هذا الدور، لا بد من توافر ثلاثة عناصر أساسية: أن يمتلك المسؤول المنتخب صلاحيات حقيقية تخوله تنفيذ برنامجه، وأن تتنافس القوائم والمرشحون ببرامج واقعية وواضحة، وأن تكون هناك بيئة تسمح بمحاسبة من ينجح ومن يفشل. وعندما يختل أحد هذه العناصر، تفقد الانتخابات جزءًا من قيمتها، لأن الناخب لن يكون قادرًا على ربط صوته بالنتائج التي يعيشها على أرض الواقع.
الواقع الفلسطيني وحدود القرار
في الضفة الغربية، تعمل أي قيادة فلسطينية ضمن واقع استثنائي يفرض قيوداً معقدة على عملية صنع القرار. فالاحتلال، والانقسام السياسي، والأزمات المالية، والقيود المفروضة على الحركة، كلها عوامل تحد من قدرة المؤسسات الفلسطينية على تنفيذ كثير من السياسات التي تمس حياة المواطنين.
فالسيطرة على الحدود والمعابر ليست بيد السلطة الفلسطينية، كما أن الحركة بين المدن والقرى تخضع لاعتبارات أمنية وسياسية لا تستطيع الحكومات المنتخبة تغييرها بقرار إداري. ويضاف إلى ذلك الأزمات المالية المتكررة، والاعتماد على أموال المقاصة، وما يرافقها من صعوبات في توفير الرواتب أو تمويل الخدمات العامة.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح من الطبيعي أن يطرح المواطن سؤالاً مشروعاً: إلى أي مدى يستطيع المسؤول المنتخب تنفيذ وعوده إذا كانت أبرز الملفات المؤثرة في حياته اليومية تقع خارج نطاق سيطرته المباشرة؟
لكن هذا السؤال لا يقود بالضرورة إلى استنتاج أن الانتخابات بلا جدوى، بل إلى ضرورة التمييز بين ما تستطيع المؤسسات الفلسطينية إنجازه وما يتجاوز صلاحياتها.
بين حدود الصلاحيات والمسؤولية
ليس صحيحاً أن جميع الملفات خارجة عن إرادة المؤسسات الفلسطينية، كما أنه ليس من الدقة تحميلها مسؤولية كل ما يواجهه المواطن من تحديات.
فهناك ملفات لا تستطيع أي قيادة فلسطينية حسمها منفردة، مثل السيطرة على الحدود أو إنهاء القيود المفروضة على الحركة أو وقف التوسع الاستيطاني. وفي المقابل، هناك ملفات تقع ضمن نطاق مسؤولية المؤسسات الفلسطينية، مثل تطوير الخدمات العامة، وتحسين الإدارة، وتعزيز الشفافية، وإدارة المال العام، ومكافحة الفساد، والارتقاء بالتعليم والصحة والإدارة المحلية.
ومن هنا، تصبح المحاسبة أكثر عدلاً عندما تستند إلى فهم واضح للصلاحيات. فلا يُحاسب المسؤول على ما لا يملكه، لكنه أيضاً لا يُعفى من مسؤوليته عن الملفات التي تقع ضمن اختصاصه.
هل يعرف الناخب ما الذي ينتخبه؟
من التحديات التي تواجه أي عملية انتخابية أن كثيراً من المواطنين قد لا يملكون تصوراً واضحاً عن صلاحيات الجهة التي يصوتون لها، أو حدود قدرتها على اتخاذ القرار.
فالمشاركة السياسية لا تبدأ عند صندوق الاقتراع، بل تبدأ بمعرفة طبيعة المؤسسة المنتخبة، وصلاحياتها، وبرامج المرشحين، والفرق بين الوعود الواقعية والوعود التي تتجاوز الإمكانات المتاحة.
وعندما يغيب هذا الوعي، يتحول التصويت في كثير من الأحيان إلى اختيار قائم على الانتماء السياسي أو الاجتماعي أكثر من كونه اختياراً بين برامج ورؤى مختلفة، فتتراجع قدرة الانتخابات على إنتاج سياسات جديدة أو فرض معايير واضحة للمحاسبة.
المحاسبة .. جوهر الديمقراطية
لا تنتهي العملية الديمقراطية بإعلان النتائج، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر أهمية، وهي متابعة أداء المسؤولين ومساءلتهم.
غير أن المحاسبة لا يمكن أن تكون فعالة إذا لم يكن المواطن قادراً على التمييز بين التقصير الناتج عن سوء الإدارة، وبين القيود التي تفرضها الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية.
فالمسؤول المنتخب مطالب بأن يكون صريحاً مع المواطنين، وأن يقدم وعوداً قابلة للتنفيذ، وأن يوضح ما يستطيع تحقيقه وما يخرج عن نطاق صلاحياته. وفي المقابل، يملك المواطن الحق في أن يسأل، ويطالب بالمعلومات، ويراقب الأداء، ويحاسب على أساس النتائج الواقعية لا الشعارات.
كيف تستعيد الانتخابات معناها؟
إن تعزيز قيمة الانتخابات لا يتحقق بمجرد تنظيمها في موعدها، بل بتعزيز الثقافة الديمقراطية التي ترافقها.
وهذا يبدأ من مواطن يقرأ البرامج الانتخابية، ويسأل عن آليات التنفيذ، ويفرق بين الوعود الواقعية والشعارات، ويرفض أن يكون اختياره قائماً على الانتماء وحده.
كما يتطلب من الأحزاب والقوائم تقديم برامج واضحة، وتحديد أولويات قابلة للتطبيق، والابتعاد عن إطلاق وعود يدرك الجميع أنها تتجاوز حدود الصلاحيات المتاحة.
وفي الوقت نفسه، تتحمل المؤسسات الرسمية والإعلام والمجتمع المدني مسؤولية نشر الوعي الانتخابي، وتوضيح صلاحيات الجهات المنتخبة، وضمان نزاهة العملية الانتخابية، بما يعزز ثقة المواطن بأن صوته لن يكون مجرد إجراء شكلي.
لا يمكن إنكار أن الواقع الفلسطيني يفرض تحديات كبيرة تحد من قدرة أي قيادة منتخبة على إحداث تغيير شامل. لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للتقليل من أهمية الانتخابات أو إلى ذريعة لإعفاء المؤسسات من مسؤولياتها.
فالانتخابات ليست حلاً سحرياً لكل الأزمات، لكنها تبقى الوسيلة الأكثر شرعية لتجديد التمثيل السياسي، وتعزيز المشاركة الشعبية، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.
غير أن نجاحها لا يعتمد على وجود صناديق الاقتراع وحدها، بل على وعي الناخب، ووضوح البرامج، وصدق الوعود، ووجود مؤسسات تسمح بالمساءلة والرقابة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الانتخابات ستغيّر كل شيء، بل كيف يمكن أن نجعلها قادرة على تغيير ما هو ممكن، وأن نحول صوت المواطن من مشاركة رمزية إلى أداة رقابة وتأثير ومحاسبة.
فعندما يدرك المواطن حدود صلاحيات من ينتخبه، ويطالب ببرامج واقعية، ويتابع الأداء بعد انتهاء الاقتراع، يصبح صندوق الانتخابات أكثر من مجرد صندوق؛ يصبح بدايةً لمسار ديمقراطي يقوم على الاختيار الواعي، والمسؤولية، والمساءلة.













09/03/2026 - 17:36 PM





Comments