جنوب لبنان في معادلة واشنطن وطهران.. هل أصبح الأمن اللبناني جزءًا من التفاوض الأمريكي الإيراني؟

09/03/2026 - 16:42 PM

San diego

 

 

كتبت د. أسماء مجدي *

لم تعد تلال علي الطاهر في جنوب لبنان مجرد نقطة عسكرية متقدمة في المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله". فمع الكشف عن تحذير إيراني للولايات المتحدة من شن إسرائيل عملية عسكرية واسعة للسيطرة على المنطقة، تحولت التلال إلى اختبار يتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية ليطال مستقبل التفاهمات الأمريكية الإيرانية، وحدود العلاقة بين المسار اللبناني والصراع الإقليمي الأوسع. وبحسب ما كشفت عنه وكالة "رويترز" في الثالث من سبتمبر، نقلت إيران عبر سلطنة عُمان في منتصف أغسطس رسالة إلى واشنطن تحذر فيها من أنها سترد بقوة في حال تنفيذ إسرائيل هجومًا واسعًا على علي الطاهر. اللافت أن طهران لم تتعامل مع العملية المحتملة باعتبارها مواجهة منفصلة بين إسرائيل و"حزب الله"، وإنما ربطتها بمذكرة تفاهم إسلام آباد التي توصلت إليها مع الولايات المتحدة في يونيو الماضي، والتي تضمنت وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان.

ومن هنا يتمحور سؤالاً يتجاوز مستقبل التلال نفسها: هل أصبح الأمن في جنوب لبنان جزءًا من معادلة التفاوض بين واشنطن وطهران؟

من جبهة لبنانية إلى بند في تفاهم إقليمي

عندما تم التوصل إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026، لم يقتصر الاتفاق على وقف المواجهة المباشرة بين البلدين. فقد نصت المذكرة على إنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات، مع إشارة صريحة إلى لبنان، والتأكيد على احترام سيادته ووحدة أراضيه.

وجاء إدخال لبنان في الاتفاق نتيجة طبيعية للترابط الذي فرضته الحرب الإقليمية منذ مارس، عندما تحولت المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى صراع متعدد الجبهات، وأعاد "حزب الله" فتح الجبهة اللبنانية دعمًا لطهران، لترد إسرائيل بعملية عسكرية موسعة داخل الأراضي اللبنانية. وبذلك أصبح وقف الحرب في لبنان مرتبطًا بدرجة ما بالمسار الذي يدير العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. وأكد هذا الترابط لاحقًا إنشاء آلية لخفض التصعيد ضمن المفاوضات التي أعقبت مذكرة إسلام آباد، بمشاركة لبنان والوسطاء، بهدف الحد من احتمالات الاحتكاك وإدارة وقف العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية.

كانت هذه الترتيبات قادرة على إنتاج قدر من التهدئة، لكنها لم تعالج المعضلة الأساسية. فإسرائيل ليست طرفًا مباشرًا موقعًا على مذكرة إسلام آباد، بينما ترى طهران أن العمليات الإسرائيلية ضد «حزب الله» تقع ضمن الالتزامات التي يفترض أن يضمنها الجانب الأمريكي وهذه الفجوة أصبحت اليوم في قلب أزمة علي الطاهر.

لماذا علي الطاهر؟

تكمن أهمية علي الطاهر في موقعها قبل أي شيء آخر. ترتفع المنطقة نحو 600 متر، وتقع على مسافة تقارب 15 كيلومترًا من الحدود مع إسرائيل، وتوفر إطلالة على أجزاء واسعة من جنوب شرق لبنان.

وتعتقد إسرائيل أن المنطقة تحتوي على بنية عسكرية تحت الأرض تستخدمها قوات "حزب الله" للقيادة والتخزين وإدارة العمليات، ولذلك تعرضت خلال الأشهر الماضية لضربات متكررة ومحاولات لعزلها وقطع طرق الإمداد إليها. ولكن القيمة السياسية للتلال أصبحت أكبر من قيمتها العسكرية.

فبالنسبة إلى إسرائيل، تمثل السيطرة عليها خطوة في اتجاه إبعاد البنية العسكرية لـ«حزب الله» عن المناطق التي تعتبرها مصدر تهديد للشمال الإسرائيلي، كما يمكن توظيفها للضغط من أجل تسريع ملف نزع سلاح الحزب وترسيخ منطقة أمنية مختلفة في جنوب لبنان.

أما بالنسبة إلى "حزب الله"، فإن خسارة المنطقة لا تعني فقط فقدان موقع عسكري. قبول الحزب بتسليمها تحت الضغط العسكري الإسرائيلي قد يتحول إلى سابقة يمكن تطبيقها على مواقع أخرى، بما يؤدي تدريجيًا إلى تغيير قواعد الانتشار العسكري في الجنوب دون تسوية شاملة لمسألة الانسحاب الإسرائيلي.

أما إيران، فتنظر إلى المسألة من مستوى مختلف. فإذا استطاعت إسرائيل فرض تغيير ميداني كبير في لبنان بعد توقيع مذكرة إسلام آباد دون أن تتمكن واشنطن من منعه، يصبح السؤال بالنسبة لطهران متعلقًا بقيمة التفاهم الأمريكي الإيراني نفسه. ولهذا جاء التحذير الإيراني موجهًا إلى واشنطن، وليس إلى تل أبيب وحدها.

واشنطن أمام معضلة الضامن

تكشف أزمة علي الطاهر حدود الدور الأمريكي في لبنان. فالولايات المتحدة تتحرك في أكثر من اتجاه. هي الراعي الأساسي للمفاوضات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح "حزب الله"، وفي الوقت نفسه الشريك الاستراتيجي الأول لإسرائيل، كما أنها الطرف المقابل لإيران في تفاهم إسلام آباد. كما تحاول واشنطن الجمع بين ثلاث أولويات قد لا تكون منسجمة دائمًا.

الأولى هي منع عودة الحرب الشاملة مع إيران.

الثانية هي الحفاظ على الدعم الأمني لإسرائيل.

الثالثة هي الدفع نحو ترتيبات جديدة في لبنان تقوم على توسيع سلطة الدولة والجيش وتقليص الوجود العسكري لـ "حزب الله".

ولكن المشكلة تظهر عندما تتعارض هذه الأولويات على الأرض. فالضغط على "حزب الله" لتسليم مواقع عسكرية قد يخدم التصور الأمريكي لمستقبل لبنان، لكنه إذا تم من خلال عملية إسرائيلية واسعة يمكن أن يؤدي إلى رد إيراني أو عودة التصعيد الإقليمي، وهو ما يهدد المسار الأمريكي الإيراني الذي تحاول واشنطن الإبقاء عليه. ومن هنا يصبح التعامل مع علي الطاهر اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الالتزامات المتشابكة التي نتجت عن تفاهماتها المختلفة.

إيران ورفع كلفة العملية الإسرائيلية

التحذير الإيراني لا يعني بالضرورة أن طهران قررت الدخول مباشرة في مواجهة بسبب علي الطاهر.

الأقرب أنه محاولة لرفع الكلفة السياسية والعسكرية للعملية قبل حدوثها. فإيران تعلم أن ميزان القوى الميداني في لبنان تغير، وأن "حزب الله" يتعرض لضغوط عسكرية وسياسية داخلية وخارجية. ولذلك فإن توسيع المواجهة من إطارها اللبناني الإسرائيلي إلى إطار أمريكي إيراني يمنح طهران وسيلة إضافية لردع إسرائيل. بدلاً من أن تكون المعادلة محصورة في سؤال حول قدرة "حزب الله" على الرد على الهجوم الإسرائيلي، يصبح السؤال متعلقًا باحتمال أن يؤدي الهجوم إلى تقويض تفاهم أوسع مع إيران.

وهذا يفسر أيضًا اختيار سلطنة عُمان قناة لنقل الرسالة، فمسقط أصبحت خلال الأشهر الماضية أحد الممرات الرئيسية للاتصال غير المباشر بين طهران وواشنطن، سواء في ملف هرمز أو الترتيبات المتعلقة بالتصعيد العسكري. ولكن هذا الأسلوب يحمل مخاطرة بدوره، فكلما ربطت إيران أمن "حزب الله" باتفاقاتها مع واشنطن، زاد التعامل مع الملف اللبناني باعتباره جزءًا من مفاوضاتها الإقليمية. وهو أمر قد يوفر للحزب حماية مؤقتة، كما أنه يمكن أن يعمق ارتباط مستقبل الأمن اللبناني بالتفاهمات بين القوى الخارجية.

أين لبنان من المفاوضات حول لبنان؟

الدولة اللبنانية موجودة في آليات خفض التصعيد والمفاوضات، والجيش اللبناني يمثل العنصر الرئيسي في معظم التصورات المطروحة للمناطق التي يفترض أن تنسحب منها إسرائيل أو يتراجع منها وجود "حزب الله". ولكن القرارات التي تحدد احتمالات الحرب والسلام ما زالت موزعة بين أطراف تتجاوز الدولة اللبنانية. إسرائيل تربط انسحابها بملف سلاح "حزب الله". و"حزب الله" يربط مسألة السلاح باستمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.  وإيران تربط أمن الجبهة اللبنانية بالتزامات الولايات المتحدة ضمن مذكرة إسلام آباد. أما واشنطن فتعمل على إدارة هذه المسارات بالتوازي.

وبذلك يجد لبنان نفسه طرفًا حاضرًا في المفاوضات، ولكنه ليس الطرف الوحيد القادر على تحديد نتائجها. وهذه المشكلة ليست جديدة في التاريخ اللبناني، ولكن المرحلة الحالية تختلف في أن المطلوب هو بناء نظام أمني جديد للجنوب في وقت تتغير فيه البيئة الإقليمية بأكملها.

فلبنان يناقش الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح ومستقبل اليونيفيل وانتشار الجيش، بينما تتفاوض واشنطن وطهران حول ملفات تشمل الحرب والعقوبات وهرمز والبرنامج النووي وأدوار الحلفاء. ومن الصعب في هذه الظروف عزل المسارين بعضهما عن بعض.

ثلاثة سيناريوهات لعلي الطاهر

يمكن أن تتجه الأزمة الحالية إلى ثلاث مسارات رئيسية.

السيناريو الأول: هو الوصول إلى تسوية تسمح بانتشار الجيش اللبناني في المنطقة مقابل انسحاب أو إعادة تموضع الأطراف الموجودة فيها. وهذا السيناريو يمكن أن يكون السيناريو الأكثر ترجيحاً مع المسار الذي تدفع إليه واشنطن، لأنه يسمح بتقليص احتمالات المواجهة دون إعطاء إسرائيل أو "حزب الله" صورة انتصار عسكري كامل.

السيناريو الثاني: هو استمرار الحصار والضغط الإسرائيلي دون اقتحام واسع. وقد يسمح هذا الخيار لإسرائيل بالحفاظ على الضغط العسكري في انتظار تغير الظروف السياسية أو التفاوضية، مع تجنب خسائر عملية برية قد تكون مكلفة.

السيناريو الثالث: فهو شن عملية إسرائيلية واسعة للسيطرة على المنطقة، وهنا ستكون النتائج أكبر بكثير من حدود علي الطاهر. فإذا رد "حزب الله" بصورة موسعة أو اعتبرت إيران العملية خرقًا يستوجب الرد، فقد تعود الجبهة اللبنانية لتصبح مدخلًا إلى تصعيد إقليمي جديد. ولذلك فإن القضية الحالية لا تتعلق بمن يسيطر على تلة فقط وإنما بمن يستطيع فرض تفسيره للتفاهمات التي أوقفت الحرب السابقة.

لبنان بين التسوية الإقليمية واستعادة القرار

تكشف أزمة علي الطاهر أن النظام الأمني الذي يتشكل في جنوب لبنان لن يكون نتاج التوازن اللبناني الداخلي وحده، ولن ينتج أيضًا عن العلاقة العسكرية بين لبنان وإسرائيل فقط. فالولايات المتحدة وإيران أصبحتا جزءًا مباشرًا من معادلة وقف التصعيد، بينما تتحرك قوى أوروبية لدعم الجيش اللبناني، وتستعد المنطقة في الوقت نفسه لمراحل جديدة من التفاوض بشأن الحرب الأمريكية الإيرانية. ولكن ارتباط لبنان بهذه المعادلات يحمل وجهين. فالتفاهم الدولي والإقليمي قد يمنع حربًا واسعة ويوفر غطاءً لترتيبات تسمح بانتشار الجيش وعودة السكان وإعادة الإعمار. وقد يؤدي الاعتماد المستمر على التفاهمات الخارجية إلى إبقاء القرار الأمني اللبناني رهينة تغير العلاقات بين واشنطن وطهران أو الحسابات الإسرائيلية.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لا يتعلق بمصير علي الطاهر وحدها. والسؤال هو ما إذا كانت التسويات الجارية ستعيد الملفات الأمنية تدريجيًا إلى مؤسسات الدولة اللبنانية، أم ستنشئ نظامًا جديدًا لإدارة الجنوب تكون فيه بيروت طرفًا بين أطراف عدة تحدد قواعد الحرب والسلام. ما يحدث في علي الطاهر يقدم أول اختبار واضح لهذه المعضلة. فإذا انتهت الأزمة بتسوية تسمح للجيش اللبناني بالانتشار وتمنع توسع الحرب، قد تصبح المنطقة نموذجًا يمكن البناء عليه لمعالجة مواقع أخرى في الجنوب.

أما إذا تحولت إلى مواجهة إسرائيلية إيرانية غير مباشرة على الأراضي اللبنانية، فسيكون ذلك دليلًا على أن وقف الحرب لم يفصل لبنان عن الصراع الإقليمي، بل أعاد إدماجه فيه بصيغة جديدة. وعندها لن يكون السؤال فقط من يسيطر على تلال علي الطاهر، بل من يمتلك فعليًا القدرة على رسم مستقبل الأمن في جنوب لبنان.

وأخيراً، تكشف تطورات الجنوب اللبناني أن العلاقة بين المسار اللبناني والتفاوض الأمريكي الإيراني لم تعد مجرد ارتباط غير مباشر تفرضه تحالفات المنطقة، ولكنها أصبحت جزءًا من معادلة أمنية تتقاطع فيها حسابات واشنطن وطهران وتل أبيب مع مستقبل الدولة اللبنانية ودورها في الجنوب، وتعد أزمة علي الطاهر ليست سوى أحد أكثر التعبيرات وضوحًا عن هذا التحول. كما أن إدراج لبنان ضمن تفاهمات خفض التصعيد الإقليمي لا يعني بالضرورة أن تلك التفاهمات قادرة على إنتاج استقرار دائم، فالتسويات الخارجية تستطيع وقف المواجهة أو تأجيلها، ولكنها لا تستطيع وحدها معالجة القضايا التي تعيد إنتاجها، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، وسلاح "حزب الله"، وانتشار الجيش اللبناني، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب.

ولذلك، من الممكن أن يكون التفاوض الأمريكي الإيراني قادرًا على منح لبنان مساحة لالتقاط الأنفاس ولكنه لن يشكل بديلًا عن وجود تسوية تعيد للدولة اللبنانية موقعها المركزي في إدارة أمنها وحدودها. وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة: فهل تتحول التهدئة الإقليمية إلى فرصة لاستعادة القرار الأمني اللبناني، أم يصبح لبنان مجددًا ساحة تتغير قواعدها كلما تغيرت موازين التفاوض بين القوى الإقليمية والدولية؟

 

* الدكتورة أسماء مجدي تُعدّ واحدة من الوجوه الأكاديمية الصاعدة في مجال العلوم السياسية في العالم العربي. تشغل منصب معيدة (Assistant Lecturer) في معهد البحوث والدراسات العربية – قسم العلوم السياسية، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) تحت مظلة جامعة الدول العربية. وتتابع دراستها العليا كباحثة دكتوراه في العلوم السياسية، مع اهتمام بحثي واسع يشمل العلاقات الدولية، الشؤون الروسية، قضايا الشرق الأوسط، السياسة الخارجية، الجيوبوليتيك، السياسات العامة، والدراسات الاستراتيجية والأمنية.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment