بقلم: فرنسوا الجردي
لم يعد الغلاء في لبنان أزمة اقتصادية عابرة، بل أصبح اعتداءً يومياً على قدرة المواطن على العيش.
أسعار الطعام والشراب ترتفع، الوقود يستنزف الدخل، الدواء أصبح عبئاً، الأقساط المدرسية والكتب والنقل تحولت إلى كلفة تفوق قدرة كثير من العائلات، وفواتير المولدات تلتهم جزءاً كبيراً من الرواتب، فيما تتكاثر الرسوم والضرائب وكأن المواطن اللبناني لا يعيش أصلاً تحت ضغط اقتصادي خانق.
والسؤال البديهي: أين الحكومة؟
الحكومة ليست للسياسة فقط
الحكومة ليست مجلساً لإدارة الملفات السياسية وتبادل المواقف والبيانات. الحكومة موجودة قبل كل شيء لخدمة المواطن وحمايته وتنظيم حياته.
وزارة الاقتصاد مطالبة برقابة حقيقية على الأسواق ومواجهة الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
وزارة التربية مطالبة بأن ترى ما يعانيه الأهل من أقساط وكتب ونقل ومستلزمات مدرسية.
والدولة مطالبة بتنظيم قطاع الطاقة والمولدات ووضع حد للفوضى التي جعلت المواطن يدفع ثمن عجز الدولة، ثم يدفع مرة أخرى ثمن البدائل الخاصة.
أما أن تترك الأسواق والخدمات من دون رقابة جدية، ثم تطلب من المواطن أن يتحمل، فهذا ليس حلاً.
المواطن لا يستطيع أن يتحمل إلى ما لا نهاية.
من يحمي المواطن من الاستغلال؟
ليس كل ارتفاع في الأسعار نتيجة حتمية للأزمة الاقتصادية.
هناك فرق بين ارتفاع تفرضه كلفة الإنتاج والاستيراد، وبين فوضى في التسعير واستغلال حاجة الناس وغياب المنافسة والرقابة.
حتى بعض الخدمات اليومية، كخدمة الـValet Parking، باتت في أماكن كثيرة تفرض كلفة إضافية على المواطن، وسط حاجة إلى تنظيم ورقابة أوضح.
الدولة لا يُطلب منها أن تتحكم بكل سعر، وإنما أن تضمن أن السوق لا يتحول إلى ساحة مفتوحة لاستنزاف الناس.
والضرائب والرسوم؟ إلى متى؟
المواطن يدفع الضرائب والرسوم، ويدفع الكهرباء والمولد والنقل والدواء والتعليم والطعام، ثم يجد نفسه أمام أعباء جديدة.
لكن الدولة لا تستطيع أن تتعامل مع المواطن كخزينة مفتوحة.
الضرائب والرسوم يفترض أن تكون جزءاً من سياسة مالية مدروسة وعادلة، لا وسيلة لتعويض العجز على حساب شعب فقد الكثير من قدرته الشرائية.
إذا كانت الدولة تطلب من المواطن أن يدفع أكثر، فعليها أولاً أن تسأل نفسها: ماذا تقدم له في المقابل؟
كيف يعيش الفقير؟ وكيف تصمد الطبقة الوسطى؟
هذه هي القضية الحقيقية.
ماذا يفعل الموظف الذي لا يكفي راتبه لنهاية الشهر؟
ماذا يفعل المتقاعد؟
ماذا تفعل العائلة التي لديها أولاد في المدارس؟
كيف يؤمّن المواطن دواءه ووقوده وكهرباءه وطعامه؟
لقد أصبحت الطبقة الوسطى مهددة، والفقير محاصراً، والمواطن العادي يدفع ثمن كل شيء تقريباً.
وهنا لا يعود الصمت مقبولاً.
المطلوب من الحكومة ليس المزيد من الخطابات، بل خطة واضحة لضبط الأسواق، مكافحة الاحتكار، مراجعة الرسوم والضرائب، تنظيم الخدمات، تخفيف أعباء الطاقة والتعليم والنقل والدواء، ووضع المواطن في صلب السياسات العامة.
فالدولة التي لا يشعر المواطن بحمايتها عندما يُستنزف دخله، تفقد جوهر دورها.
ارحموا المواطن اللبناني. لقد دفع ما يكفي. تحمّل الأزمات، وانقطاع الكهرباء، والانهيار، والضرائب، والرسوم، وارتفاع الأسعار.
أما أن يُطلب منه اليوم أن يتحمل أيضاً عجز الدولة عن الرقابة والتنظيم والمحاسبة، فذلك لم يعد مقبولاً.
لبنان لا يحتاج حكومة تتفرج على المواطن وهو يُذبح بالغلاء.
لبنان يحتاج دولة تعمل… ودولة تحمي… ودولة تُحاسب.













09/04/2026 - 00:30 AM





Comments