لبنان ليس ولايةً في الجمهورية الإسلامية… والسيادة اللبنانية ليست وجهة نظر إيرانية
بقلم: فرانسوا الجردي
حين يتحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن «العقلانية» ويطالب لبنان بأن يتحلى بها، لا بد من التوقف قليلاً أمام هذه النصيحة الدبلوماسية القادمة من طهران.
ليس لأن لبنان يرفض النصيحة من حيث المبدأ، بل لأن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
أي عقلانية يقصد عراقجي؟
هل يقصد عقلانية الدولة اللبنانية؟
أم العقلانية التي تقتضي من لبنان أن يراعي مصالح إيران قبل مصالحه؟
هل يريد من لبنان أن يكون دولة ذات سيادة، أم دولة تراعي دائماً حسابات المحور الإيراني؟
هنا تحديداً تكمن المشكلة.
يا معالي الوزير… لبنان ليس ساحة إيرانية
لبنان ليس محافظة إيرانية.
وليس ورقة في السياسة الخارجية الإيرانية.
وليس منصة متقدمة لأي مشروع إقليمي.
وليس دولة مطالبة بأن تدفع أثماناً عن صراعات لا يقررها اللبنانيون.
لبنان دولة عربية ذات سيادة، لها دستورها ومؤسساتها وجيشها وحكومتها وشعبها، وهي وحدها صاحبة الحق في تحديد مصالحها الوطنية وعلاقاتها الخارجية.
ومن هنا، فإن النصيحة الإيرانية للبنان بأن «يتعقل» تصبح مثيرة للسخرية عندما تأتي من دولة بنت، طوال عقود، نفوذاً إقليمياً واسعاً عبر حلفاء وقوى مسلحة خارج حدودها.
فأي عقلانية هذه التي تسمح لدولة بالتدخل في ساحات الآخرين ثم تطلب من تلك الساحات أن تكون عقلانية؟
العقلانية ليست أن يخضع لبنان
لبنان لا يرفض الحوار.
ولا يرفض العلاقات الدبلوماسية.
ولا يرفض احترام إيران كدولة.
لكنه يرفض أن يتحول احترام الدول إلى حق لها في التدخل في القرار اللبناني.
هناك فرق هائل بين أن تقول إيران:
«نحن نحترم لبنان وسيادته ونقبل بخيارات حكومته.»
وبين أن تقول:
«على لبنان أن يتعقل، وأن يتصرف وفق ما نراه مناسباً.»
الأولى دبلوماسية.
أما الثانية فهي وصاية مقنّعة باللغة الدبلوماسية.
ولقد جرّب لبنان الوصايات بما يكفي.
دفع ثمن الوصاية السورية.
ودفع ثمن الوصاية الفلسطينية.
ودفع ثمن الصراعات العربية والإسرائيلية.
ودفع ثمن التنافس الإقليمي والدولي.
ولن يكون من المقبول أن يُطلب منه اليوم أن يقبل وصاية جديدة تحت أي عنوان، أكان مقاومة أو محوراً أو تحالفاً أو «عقلانية».
من يملك قرار لبنان؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
ليس السؤال ماذا تريد إيران.
ولا ماذا تريد إسرائيل.
ولا ماذا تريد الولايات المتحدة.
ولا ماذا تريد أي عاصمة عربية أو إقليمية.
السؤال هو:
ماذا يريد لبنان؟
ومن يقرر باسمه؟
الإجابة يجب أن تكون واضحة ولا تحتمل التأويل:
الدولة اللبنانية.
الحكومة اللبنانية.
المؤسسات الدستورية.
والشعب اللبناني عبر مؤسساته الشرعية.
لا سفير.
ولا وزير خارجية أجنبي.
ولا محور إقليمي.
ولا تنظيم مسلح.
ولا أي قوة أخرى.
السلاح ليس بديلاً عن الدولة
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن أخطر ما يمكن أن يحصل في أي دولة هو أن يصبح هناك قراران:
قرار رسمي للدولة، وقرار فعلي لقوة خارج المؤسسات.
لأن وجود القرارين يعني عملياً سقوط مفهوم السيادة.
لا يمكن أن تكون هناك دولة واحدة إذا كان هناك أكثر من قرار استراتيجي.
ولا يمكن أن تكون هناك سياسة خارجية واحدة إذا كانت قوة داخلية تستطيع أن تربط لبنان بمحور إقليمي أو تدخل البلاد في مواجهة عسكرية دون أن يكون القرار حصراً بيد الدولة.
ولا يمكن أن تكون هناك سيادة حقيقية إذا كان السلاح قادراً على فرض معادلة سياسية تتجاوز المؤسسات.
لذلك، فإن استعادة القرار اللبناني ليست مشروعاً ضد أحد.
إنها مشروع لبنان الدولة.
إيران تريد احترام سيادتها… فلتبدأ باحترام سيادة لبنان
من حق إيران أن تدافع عن أمنها القومي.
ومن حقها أن ترسم سياستها الخارجية.
ومن حقها أن تختار حلفاءها.
لكن من حق لبنان أيضاً أن يفعل الشيء نفسه.
وهنا يجب أن يكون الموقف اللبناني بالغ الوضوح:
كما لا تقبل إيران أن يقرر الآخرون عنها، لا يجوز أن تقرر هي عن لبنان.
كما ترفض أن يكون أمنها القومي خاضعاً لإرادة الخارج، يرفض لبنان أن يكون أمنه القومي تابعاً لحسابات الخارج.
كما تتمسك إيران بسيادتها، يتمسك لبنان بسيادته.
وهذا ليس عداءً لإيران.
هذه هي أبسط قواعد العلاقات بين الدول.
كفى التعامل مع لبنان باعتباره «ساحة»
المشكلة ليست في إيران وحدها.
المشكلة في كل دولة تتعامل مع لبنان باعتباره ساحة مفتوحة لمصالحها.
لكن لأن عراقجي اختار أن يعطي لبنان درساً في العقلانية، فمن حق اللبنانيين أن يسألوه:
أين كانت هذه العقلانية عندما تحولت دول المنطقة إلى ساحات نفوذ؟
أين كانت هذه العقلانية عندما أصبحت قوى مسلحة مرتبطة بمحاور إقليمية لاعباً أساسياً في دول عربية؟
أين كانت هذه العقلانية عندما أصبح لبنان نفسه جزءاً من حسابات صراع إقليمي يتجاوز حدوده ومصالحه؟
وأين هي هذه العقلانية عندما يُطلب من اللبناني أن يتحمل نتائج خيارات لم يشارك في صنعها؟
العقلانية لا تعني أن يدفع الضعيف ثمن قرارات الأقوياء.
والسيادة لا تعني أن تكون الدولة مستقلة على الورق وخاضعة في القرار.
لبنان لا يحتاج إلى إذن كي يكون سيادياً
هناك حقيقة يجب أن تصل إلى كل العواصم:
لبنان ليس مضطراً إلى الحصول على موافقة أحد كي يستعيد دولته.
ليس مضطراً إلى استئذان طهران كي يحصر السلاح بيد مؤسساته الشرعية.
وليس مضطراً إلى الحصول على مباركة أي محور كي يقرر سياسته الخارجية.
وليس مضطراً إلى قبول أي معادلة تضعف دولته تحت شعار «الواقعية».
فالواقعية الحقيقية ليست أن نتكيف مع الأمر الواقع إلى الأبد.
الواقعية هي أن نبني دولة قادرة على إنهاء الأمر الواقع.
المطلوب من إيران ليس نصائح للبنان… بل احترام للبنان
إذا كانت طهران تريد فعلاً علاقات طبيعية مع لبنان، فالمطلوب ليس إرسال النصائح.
المطلوب هو احترام السيادة اللبنانية.
احترام المؤسسات اللبنانية.
احترام القرار اللبناني.
احترام الحكومة اللبنانية.
والتعامل مع لبنان كدولة مستقلة، لا كجزء من منظومة إقليمية.
عندها فقط يمكن الحديث عن علاقات ندّية ومحترمة.
أما أن يكون المطلوب من لبنان أن «يتعقل» كلما تعارض قراره مع المصالح الإيرانية، فهذا ليس منطق الدول.
إنه منطق الوصاية.
لبنان لن يكون تابعاً لأحد
آن الأوان لكي يكون الخطاب اللبناني واضحاً، بلا خوف ولا مواربة ولا حسابات رمادية:
لبنان ليس تابعاً لإيران.
لكنه أيضاً ليس تابعاً لأي دولة أخرى.
لبنان ليس ساحة عربية.
ولا ساحة إيرانية.
ولا ساحة إسرائيلية.
ولا ساحة أميركية.
ولا ساحة دولية.
لبنان وطن ودولة وسيادة.
وإذا كان المطلوب من اللبنانيين أن يتعقلوا، فنحن نتعقل فعلاً.
نتعقل عندما نرفض أن يقرر الآخرون عنا.
نتعقل عندما نطالب بحصر السلاح بيد الدولة.
نتعقل عندما نريد سياسة خارجية لبنانية لا سياسة خارجية مستوردة.
نتعقل عندما نرفض تحويل بلدنا إلى صندوق بريد للحروب الإقليمية.
ونتعقل عندما نقول إن أفضل علاقة للبنان مع أي دولة في العالم هي علاقة الندّ بالندّ، والدولة بالدولة.
أما أن يكون معيار العقلانية هو مقدار خضوع لبنان لحسابات طهران، فهذه ليست عقلانية.
هذا اسمه نفوذ.
والنفوذ شيء.
والسيادة شيء آخر.
ولبنان اختار السيادة.
فيا معالي الوزير عراقجي:
لا تعطوا لبنان دروساً في العقلانية قبل أن تتعلموا احترام استقلال قراره.
لبنان لا يريد حرباً مع إيران.
ولا يريد عداءً مع إيران.
ولا يريد التدخل في شؤون إيران.
لكن لبنان يريد أن يقول شيئاً واحداً، وبأعلى صوت:
اتركوا للبنان قراره… كما تريدون لإيران قرارها.
فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على الوصاية.
ولا تُبنى على السلاح.
ولا تُبنى على المحاور.
تُبنى على السيادة والاحترام المتبادل.
ومن لا يفهم هذه المعادلة، فليبحث عن معنى العقلانية في مكان آخر.
أما لبنان، فقد عرف أخيراً أن أول طريق العقلانية هو أن يكون سيد نفسه











08/31/2026 - 16:47 PM





Comments