بقلم: عبد حامد
يوماً بعد يوم، وعاماً بعد آخر، تتألّق قرية صوفر وتسجّل مواقف وصروحاً خالدة، بفضل سيدات وشابات قرى صوفر، عاليه، في منطقة الشوف الشوف، وأهلنا الكرام الكبار. مواقف وصروح تشعّ بكل الأنوار الساطعة: أدباً وشعراً وثقافةً وفناً، وبالرحمة والإنسانية، والتعاضد والتكاتف، والتنافس على فعل الخير.
لقد كتبت قبل أكثر من عقد مقالاً نُشر في صحيفة الحياة اللندنية قبل احتجابها عن الصدور، بعنوان: "هل هاجرت الإنسانية؟" بسبب غياب المواقف الإنسانية. وهنا، وبفضل مواقف أهلنا في صوفر، أعتذر، وأكتب الآن الإنسانية في أبهج وأرقى وأجمل صورها.
وقبل الحديث عنها، أروي حكايتي مع حسوني. قبل أعوام شاهدت في سيارات النقل العام طفلاً بمنتهى الأدب والتربية وحسن التصرف. أعجبت به جداً، وفي مثل هذه المواقف لا أتمالك نفسي من التعبير عمّا يهزّني، رغم قلّة مجاملتي لمن لا أعرف مستواهم الثقافي وطبيعة معدنهم. التفتُّ إلى والدته التي تجلس بجانبي، فشكرتها على حسن تربيته. وهنا كان مصدر فاجعتي، حيث قالت إنه مريض، وكل أسبوع يُبدَّل دمه، ووالده عامل، واضطرت أن تبيع كل مقتنيات البيت لتأمين تكاليف علاجه. والأكثر فجيعة حين أضافت أن له ثلاث شقيقات مقعدات.
والحمد لله كنت أعرف طبيباً إنساناً فعلاً مختصاً بعلاج مثل هذه الحالات، فرجوتها أن تذهب إليه. والله، لازالت إلى اليوم لم تفارقني فاجعتي بحسوني، والألم والمرارة لم تخفت أبداً. الواجب أن تتكفّل الدولة بتأمين علاج كل مريض، لا أن تُضطر عائلة المريض إلى علاجه، مما يفاقم معاناتهم وحجم مأساتهم، وهم بحاجة لمن يمدّ لهم يد العون أصلاً. ومن هنا ندرك مدى كِبَر ونبل وحجم المواقف الكريمة والنبيلة لأهلنا الغوالي في صوفر الحبيبة.
وأترك للنبيلة الأستاذة منيرة دمشقي أن تروي قصتها مع تأسيس جمعية ريم الخيرية، خلال احتفالية أقامتها في قرية صوفر. الكرم والنبل، والجمال والحب، والتعاضد والتكافل، كلها تتدفق نُبلاً ورحمة وإنسانية وطيباً وثقافة ورقياً، تعبّر بشكل ساطع وجلي عن عظمة ومعدن لبنان، حتى وهو يمرّ في أقسى مرحلة من تاريخه وأمرّ حقبة.
كلمتي في صبحية جمعية ريم الخيرية اليوم...
صباحٌ عطرٌ من قلب صوفر... صباحٌ عطر من أوتيل صوفر الكبير، هذا الصرح التاريخي المميز... صباحٌ عطر من صوفر، هذه القرية النابضة بكل معاني الفرح والحب والحنين، من هوائها النقي والذي يشبه قلوبكم، ومن صفاء سمائها التي تشبه نوايانا وإياكم.
الترحاب بكم هنا جزءٌ من قيمنا، والضيف عندنا أغلى ما في الوجود، لأن الكرم الفعلي يبدأ بالابتسامة ويمرّ بالعطاء المتواصل ويستقر ويزيد... ولا ينتهي. فكيف إذا كانت محطتنا اليوم مشاركتكم الصبحية الخيرية لجمعيةٍ مدّت يد العون لكل مريض قصدها أو محتاج سألها.
لقد ساهمت جمعية ريم الخيرية في إعادة البسمة إلى وجوه من عرفها ومن حادثها. انطلقت فكرة تأسيس هذه الجمعية بعد فقدانٍ مفجع للشابة ريم شيا، تلك الوردة وهي في عزّ عطرها. خطفها القدر فجأة، وكان الفقدان موجعاً بل صادماً، تلاه حزن... حيرة... توتر... ألم... كآبة.
ولكن الإيمان بالله وبالقضاء والقدر موجود وما تبدّل. ولدت فكرة تأسيس جمعية تخلّد اسمها، وكنت من أشدّ الداعمين. أخبرت رئيس بلدية صوفر الأستاذ كمال شيا آنذاك، فقال: نحن إلى جانبها وسندعمها بما نستطيع ونشدّ على أيديها.
فولدت جمعية ريم في قاعة صوفر للتنمية، وانطلقت وانطلقنا في سبيل الله وقضاء الحاجة قدر المستطاع. في زحمة الحياة قد ننسى أن أجمل ما يمكن أن نهديه للآخرين ليس دائماً شيئاً يُشترى، بل كلمة تطمئن، ويداً تمتد في الوقت المناسب، وقلباً يشعر بوجعٍ لم يُحكَ.
العطاء الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج ولا إلى تصفيق، يكفي أن يصل إلى قلبٍ كان ينتظر بصيص أمل. فلنكن جميعاً أكثر من مجرد أسماء أو صور، فلنكن قلوباً تتعارف قبل أن تتصافح، وأرواحاً تتعانق قبل أن تتنافس، وأيادٍ تصنع الخير دون أن تنتظر مقابلاً.
تذكّروا دائماً: قد تنسى العيون وجوهاً كثيرة، وقد تنسى الذاكرة كلماتٍ قيلت، لكنها نادراً ما تنسى قلباً جعلها تشعر بأنها ليست وحدها. ففعل الخير ليس ضعفاً ولا منّة، هو تعبير راقٍ عن إنسانية الإنسان ومسؤوليته تجاه مجتمعه.
فالأجمل في العمل الخيري أن يكون صامتاً في عطائه، واضحاً في أهدافه، شفافاً في وسائله، عميقاً في أثره، ومحترماً لكرامة من يستفيد منه. أهلاً وسهلاً بكم في هذا اللقاء الذي نجتمع فيه اليوم حول قيمة عظيمة تسمو بالإنسان وتزرع المحبة.
نرحّب بكم لنحتفي بكل يدٍ أعطت، وكل قلبٍ أحب، وكل إنسانٍ اختار فعل الخير مقصداً.
الأستاذة النبيلة منيرة، يا بحر نبل ورحمة ولطف وطيب وثقافة ورقة ورقي... أمام هذا الخلق الرفيع والعظام المحيطة لا مجال للإضافة.
فعلاً، الأستاذة النبيلة منيرة وجمعية ريم الخيرية شواهد مشرقة، خالدة، من حاضر لبنان المعاصر.
وأختم: لعلّ الله أراد من قصة رحيل الخالدة ريم - يرحمها الله - دافعاً لتأسيس جمعية ريم الخيرية، لتكون بحراً من الخير والرحمة لكل محتاج ومنكوب، ولتفيض عليها رحمة الله إلى يوم يُبعثون.
ولتنزل رحمة الله وبركاته على صوفر الحبيبة.











08/31/2026 - 16:14 PM





Comments