رشيد ج. مينا
ماذا ننتظر؟ من ننتظر؟ وإلى متى ننتظر؟
أسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها تختصر جانبًا كبيرًا من واقعنا اللبناني. فقد بلغنا مستويات من التراجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي تجعل السؤال عن المستقبل أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، ومع ذلك نتصرف أحيانًا وكأننا نعيش في بلد تجاوز أزماته، أو كأن ما ينقصه بعض النشاط والحركة كي يستعيد عافيته.
حفلات فنية، ومهرجانات سياحية، ومؤتمرات اقتصادية، ومعارض تجارية وعقارية، وندوات علمية وتكنولوجية، وحديث عن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وكيفية اللحاق بركب العالم، وربما الاستعداد للصعود إلى القمر والكواكب الأخرى، بينما لا تزال الكهرباء والمياه والبنية التحتية والخدمات العامة والتعليم والاستشفاء وفرص العمل والأمن والاستقرار أسئلة يومية معلقة في حياة اللبنانيين.
وليس في الفن مشكلة، ولا في السياحة أو الثقافة أو العلم والتكنولوجيا والمؤتمرات والمعارض ما نرفضه. على العكس، فهذه كلها مظاهر حياة وتقدم يحتاج إليها أي مجتمع يريد النهوض. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الصورة إلى ستار يحجب صورة أخرى أشد إلحاحًا:
دولة ضعفت مؤسساتها وتآكلت فاعليتها، وفساد نخر أجزاء واسعة من إداراتها، واقتصاد لم يستعد توازنه، ومواطن يحمل على كتفيه أعباء الحصول على كثير من الحقوق والخدمات التي يفترض أن توفرها له دولته.
ثم يأتيك من يقول:
شعبنا يحب الحياة ويتحدى الظروف.
نعم، اللبناني يحب الحياة، ومن حقه أن يفرح ويغني ويحتفل وأن يرفض الاستسلام لليأس. وقدرة الإنسان على الاستمرار وسط الأزمات قيمة تستحق الاحترام. لكن حب الحياة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتطبيع الحياة مع الأزمة، ولا قدرة الناس على التأقلم إلى مبرر لاستمرار الخلل.
فليست البطولة أن يتعلم المواطن كيف يعيش بلا كهرباء وماء وخدمات، وأن يؤمّن بنفسه تعليمه واستشفاءه وأمنه وفرصة عمله ومستقبل أولاده، ثم نصف قدرته على الاحتمال بأنها دليل حيوية المجتمع. البطولة الحقيقية أن يمتلك هذا المجتمع من الوعي والإرادة ما يجعله يطالب بحقوقه ويبني دولة لا يحتاج فيها الإنسان إلى أن يكون بطلًا كل يوم لكي يعيش حياة طبيعية.
فأين قضايانا الأساسية وسط كل هذا الضجيج؟
وأين الحس الوطني؟ وأين القوى الحية والنخب والكفاءات والقوى الشعبية المستقلة؟ هل اختفت، أم تراجعت، أم توزعت هي الأخرى بين الطوائف والمذاهب والجماعات والمصالح، حتى أصبح لكل فئة خطابها وقضيتها ومرجعيتها، وكل يغني على ليلاه، فيما الوطن نفسه ينتظر من يغني له؟ حتى القضايا التي يفترض أن تكون في صميم الإجماع الوطني أصبحت موضع انقسام.
أليست مواجهة العدوان الإسرائيلي وحماية الأرض والسيادة قضية وطنية؟ أليس اللبناني في الجنوب والشمال والبقاع والجبل والساحل معنيًا بما يحدث على أرض وطنه؟ أليس لبنان كله من يدفع، بدرجات مختلفة، ثمن الحرب والعدوان والتهجير والدمار وتعطيل الاقتصاد والاستثمار والسياحة والاستقرار؟
وفي الوقت نفسه، ألا يحق للبنانيين أن يسألوا عن الخيارات التي تتخذها قوى داخلية وترتبط من خلالها بمحاور ومصالح إقليمية، وعن مدى توافق هذه الخيارات مع المصلحة الوطنية وحق الدولة وحدها في تقرير قضايا الحرب والسلم والدفاع عن البلاد؟
إن تحميل إسرائيل مسؤولية اعتداءاتها واحتلالها لا يعفي اللبنانيين من مناقشة خياراتهم الداخلية، كما أن مساءلة القوى اللبنانية عن ارتباطاتها وقراراتها لا يمكن أن تكون تبريرًا للعدوان الإسرائيلي. فالمسؤوليتان مختلفتان، والخلط بينهما لا يساعد على بناء موقف وطني قادر على حماية لبنان.
والسؤال يتجاوز لبنان.
بعد كل ما جرى ويجري في غزة ولبنان وجنوب سوريا، وبعد كل هذا الدم والدمار والتهجير، من حقنا أن نسأل بهدوء ومسؤولية:
ماذا تحقق للقضية الفلسطينية وحق الشعب العربي الفلسطيني؟ وماذا تحقق للأمن والمصلحة العربية؟ وهل أصبحت المنطقة أقرب إلى حل عادل يعيد الحقوق إلى أصحابها، أم دخلت في دورة جديدة من الصراعات والتسويات وإعادة توزيع النفوذ؟
ومن يقرر أصلًا مسارات هذا الصراع؟
الصراع الإقليمي القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تحكمه مصالح سياسية واقتصادية وأمنية واستراتيجية شديدة التعقيد. لكل طرف حساباته وأهدافه وأوراقه، لكن السؤال الذي يعنينا:
أين العرب من تقرير مسار الأحداث التي تقع على أرضهم؟ وأين لبنان تحديدًا من صناعة القرارات التي يتحمل نتائجها؟
هل للبنان مصلحة في أن يكون جزءًا من صراع لا يمتلك وحده مفاتيحه ولا يقرر توقيته ولا يستطيع التحكم بنتائجه؟ وفي الداخل اللبناني تبدو حالة الانتظار وكأنها أصبحت سياسة بحد ذاتها.
هناك من ينتظر الحل عبر المفاوضات والتحركات والضغوط تحت المظلة الأميركية، ويرى أن موازين القوى الدولية هي التي ستفتح طريق التسوية. وهناك من يربط مستقبل لبنان بما سينتهي إليه الصراع الإقليمي، وخصوصًا المسار الأميركي ـ الإيراني وما قد ينتجه من تفاهم أو تصعيد أو إعادة ترتيب للنفوذ. وهناك من ينتظر تسوية دولية أو إقليمية أكبر يأتي ضمنها حل الأزمة اللبنانية.
وبين انتظار وانتظار تمر السنوات.
تتغير الحكومات، وتتبدل الظروف، وتتغير التحالفات وموازين القوى، وتتقدم ملفات وتتراجع أخرى، بينما يبقى لبنان يدور في الحلقة نفسها، ويظل مشروع الدولة الذي بدأ مع إعلان لبنان الكبير مشروعًا لم يكتمل بعد.
وهنا يعود السؤال:
من ننتظر... وماذا ننتظر؟
هل ننتظر أن تتفق الولايات المتحدة وإيران؟ أم أن تتغير حسابات إسرائيل؟ أم أن تتوافق القوى الإقليمية والدولية على صيغة جديدة للبنان؟ وهل يمكن أصلًا بناء دولة مستقلة القرار إذا كان اللبنانيون ينتظرون الآخرين لكي يقرروا متى وكيف يبدأون بناءها؟
لا يعني ذلك أن لبنان يستطيع الانفصال عن محيطه أو عن العالم. موقعه وتكوينه وتاريخه واقتصاده تجعل علاقاته العربية والدولية جزءًا أساسيًا من قدرته على الاستقرار والنهوض. وهو يحتاج بالتأكيد إلى أشقائه العرب الحريصين على وحدته واستقلاله وسيادته، كما يحتاج إلى أصدقائه في العالم وإلى علاقات متوازنة تحفظ مصالحه ودوره. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الدعم الخارجي والقرار الخارجي، وبين أن يساعدك الآخر على بناء وطنك وأن تنتظر منه أن يبنيه لك.
فالإرادة لا تُستورد. والقرار الوطني لا يُمنح هبة من دولة أخرى. والدولة لا تُبنى بقرار يصدر عن عاصمة خارجية، مهما كانت تلك العاصمة صديقة أو مؤثرة.
البداية لا بد أن تكون من اللبنانيين أنفسهم:
من استعادة إرادتهم وقرارهم، ومن التحرر من أشكال التبعية، ومن إعادة الاعتبار للانتماء الوطني بوصفه مساحة جامعة لا تلغي الطائفة أو المذهب أو الاختلاف، وإنما تضع الوطن ومصلحة مواطنيه فوق ارتباطات الجماعات ومصالحها.
وهذا لا يتحقق بالشعارات، ولا بأن نستبدل تبعية بتبعية، أو محورًا بمحور، أو وصاية بوصاية. بل يحتاج إلى قوى وطنية حية ومستقلة، ونخب وكفاءات، ومجتمع مدني حقيقي، وإعلام مسؤول، وقضاء مستقل، ومؤسسات قادرة على استعادة ثقة المواطن، وإلى حوار وطني حر لا يدخل إليه اللبنانيون حاملين شروط الخارج، بل حاملين هموم وطنهم ومستقبل أبنائهم.
نحتاج إلى الاحتكام إلى الدستور والقانون، وإلى إعادة بناء مؤسسات وطنية تقوم على العدل والمساواة وتكافؤ الفرص والمواطنة، وإلى تطوير الصيغة السياسية حيث تحتاج إلى تطوير، ولكن بإرادة اللبنانيين وقناعتهم وحوارهم الحر، لا تحت ضغط السلاح ولا تحت إملاء الخارج ولا وفق مصالح القوى المتنازعة على النفوذ.
فلبنان لا يحتاج إلى إدارة جديدة لأزمته بقدر ما يحتاج إلى الخروج من منطق إدارة الأزمات أصلًا. ولا يحتاج اللبنانيون إلى انتظار تسوية أخرى تمنح القوى نفسها فرصة جديدة لتقاسم السلطة والنفوذ، بل إلى استعادة معنى الدولة: دولة واحدة، ومؤسسات وطنية، وقانون يسري على الجميع، وقرار سيادي، وجيش يحمي الوطن، وقضاء يحمي الحقوق، واقتصاد يعيد العمل والإنتاج والثقة، وتعليم يبني الإنسان بدل أن يدفعه إلى البحث عن مستقبله خارج وطنه.
وعندما تبدأ هذه الإرادة من الداخل، يصبح الدعم العربي والدولي عامل قوة حقيقيًا. فالأشقاء والأصدقاء يستطيعون المساعدة في حماية الاستقرار، ودعم الجيش والمؤسسات، والمساهمة في إعادة البناء والنهوض الاقتصادي، وتشجيع التسويات التي تحفظ سيادة لبنان ووحدته. لكن كل ذلك يبقى عاجزًا عن إنتاج وطن إذا لم يكن أهله قد قرروا أولًا أنهم يريدونه.
لقد انتظر اللبنانيون طويلًا.
انتظروا تغير الموازين، والتسويات، والمؤتمرات، والاتفاقات، والحروب ونهاياتها، وانتظروا الخارج حينًا ليخلصهم من الخارج نفسه حينًا آخر. وفي كل مرة كان يتغير شيء ويبقى السؤال الأساسي معلقًا: متى يصبح لبنان دولة فعلية لا ساحة لتقاطع المصالح والصراعات؟
ربما آن الأوان أن نغير السؤال.
بدل أن نسأل: ماذا سيفعل الآخرون بلبنان؟
لنسأل: ماذا سيفعل اللبنانيون بلبنان؟
فالخارج يستطيع أن يساعد اللبنانيين على إنقاذ وطنهم، لكنه لا يستطيع أن يبني لهم وطنًا إن لم يمتلكوا هم إرادة بنائه.
وإذا كنا حقًا شعبًا يحب الحياة، فإن أصدق تعبير عن حب الحياة ليس أن نتعلم كيف نتعايش إلى ما لا نهاية مع الأزمات، بل أن نمتلك الوعي والإرادة والشجاعة لبناء الدولة التي تجعل الحياة الحرة والكريمة حقًا طبيعيًا لجميع أبنائها.
عندها فقط نتوقف عن الانتظار.
ونبدأ.











08/31/2026 - 15:56 PM





Comments