بري يرسم «خطوط المرحلة»: لا تضيعوا لبنان في حروب داخلية… والجيش خط أحمر ورفضٌ للتفاوض تحت النار
رسالة بري في أخطر المراحل: لا منطقة عازلة في الجنوب ولا تنازل عن حقوق لبنان
بري: 7 جولات من التفاوض زادت الاحتلال والتدمير والشهداء… ولا تضيعوا لبنان في حروب داخلية
عين التينة – بيروت تايمز – منى حسن
في كلمة حملت رسائل سياسية ووطنية بالغة الدلالة في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، رسم رئيس مجلس النواب نبيه بري مجموعة من العناوين التي تحكم مقاربته للمرحلة المقبلة، واضعاً في صدارة مواقفه الحفاظ على وحدة لبنان وسلمه الأهلي، ورفض تحويل الخلاف حول السلاح أو المفاوضات مع إسرائيل إلى صراع داخلي أو طائفي.
في كلمة متلفزة لمناسبة الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، وجّه بري تحية إلى اللبنانيين في مختلف المناطق الذين فتحوا منازلهم ومرافقهم أمام النازحين، وإلى الدول الشقيقة التي وقفت ولا تزال إلى جانب لبنان وجنوبه وأهله لتجاوز هذه المرحلة المصيرية.
وأكد بري أن الحرب مع إسرائيل «تتطلب مقاربة وطنية، بعيداً من أي حسابات طائفية أو مذهبية»، محذراً من الوقوع في فخ الانقسام الداخلي، ومشدداً على أن المعركة لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة بين اللبنانيين.
وقال بري بوضوح: «إن المطلوب إسرائيلياً، ليس حزب الله ولا سلاحه ولا حركة أمل ولا الطائفة الشيعية، إنما المستهدف لبنان في وحدته وسلمه الأهلي»، مضيفاً رسالته الأبرز: «لا تضيعوا لبنان في حروب داخلية».
بري: 7 جولات من التفاوض… ماذا كانت النتيجة؟
وفي الملف الأكثر حساسية، أي مسار التفاوض اللبناني – الإسرائيلي، جدّد بري رفضه لما سمّاه «اتفاق الإطار»، مؤكداً أنه سبق وحذّر من التفاوض المباشر مع إسرائيل تحت النار.
وقال إن «المخاطر الوجودية لا تعطي الحق لأي أحد التصرف تحت أي عنوان كاتفاق الإطار أو أي ملحقات سرية»، مؤكداً رفضه للاتفاق، ومضيفاً: «حذرنا من التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي تحت النار. سبع جولات من التفاوض، ماذا كانت النتيجة؟ زادت مساحات الاحتلال، وزاد التدمير، وارتفع عدد الشهداء».
ويأتي هذا الموقف في وقت يحتل فيه مسار التفاوض برعاية أميركية موقعاً محورياً في المشهد اللبناني، وسط خلاف سياسي واسع حول طبيعة المسار وحدوده ونتائجه. وكانت تقارير سياسية قد أشارت في الأسابيع الماضية إلى أن بري اتجه إلى مواجهة اتفاق الإطار عبر القنوات السياسية والدستورية، مع التشديد على عدم الانجرار إلى الشارع منعاً لأي فتنة داخلية.
الجنوب ليس منطقة عازلة
وفي ملف الجنوب، رفع بري السقف السياسي بشكل واضح، مؤكداً رفض إقامة أي منطقة عازلة أو حزام أمني داخل الأراضي اللبنانية.
وقال: «لن نقبل بأن تكون هناك منطقة عازلة أو حزام أمني في جنوب لبنان تحت أي ذريعة»، مشدداً على أن أبناء الجنوب «لم يكونوا يوماً دعاة حرب». ويعكس هذا الموقف تمسك عين التينة برفض أي صيغة تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تكريس واقع أمني جديد في الجنوب خارج إطار الدولة اللبنانية وقرارات الشرعية الدولية.
وكانت التقارير السياسية المتداولة قبيل كلمة بري قد ركزت على ملف الجنوب، بما فيه استمرار العمليات الإسرائيلية والاحتلال والتجريف، إضافة إلى مستقبل «اليونيفيل» وأي قوة دولية بديلة، مع التشديد على ضرورة أن تكون أي صيغة جديدة تحت راية الأمم المتحدة وبقرار من مجلس الأمن.
الجيش اللبناني «خط أحمر»
وفي رسالة واضحة إلى الداخل، شدد بري على أن الجيش اللبناني خط أحمر، رافضاً التشكيك بدوره أو المساس بموقعه الوطني.
وقال: «نرفض التشكيك بدوره، ولن نقبل بأن تكون هناك منطقة عازلة أو حزام أمني في جنوب لبنان تحت أي ذريعة»، داعياً إلى تأمين الدعم الكامل للمؤسسة العسكرية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل حساسية المرحلة التي يمر بها لبنان، حيث يحاول الجيش الحفاظ على دوره كمرجعية وطنية جامعة في ظل الضغوط الأمنية والسياسية المتصاعدة.
كما أن تأكيد بري على الجيش يتقاطع مع الحاجة إلى إبقاء المؤسسة العسكرية خارج التجاذبات الطائفية والسياسية، باعتبارها إحدى المؤسسات الأساسية التي يُعوّل عليها في حماية الاستقرار ومنع الانزلاق إلى الفوضى.
«الطائف» خط سياسي لا تنازل عنه
وفي الشق الداخلي، جدد بري تمسكه باتفاق الطائف، مؤكداً رفض أي طروحات من شأنها إعادة إنتاج الانقسامات اللبنانية أو الدفع باتجاه الفيدرالية أو التقسيم.
ويأتي هذا التشديد في وقت يتزايد فيه النقاش السياسي حول شكل الدولة ومستقبل النظام اللبناني، فيما يصر بري على أن معالجة الأزمات يجب أن تتم من داخل المؤسسات الدستورية، وبما يحفظ وحدة لبنان وصيغته الوطنية.
لا تنازل عن حق لبنان في مقاضاة إسرائيل
من أبرز الرسائل التي حملتها الكلمة أيضاً تأكيد بري رفض التنازل عن حق لبنان في مقاضاة إسرائيل على الجرائم التي ارتُكبت بحق اللبنانيين.
وأكد: «إننا نرفض التنازل عن حق لبنان في مقاضاة إسرائيل على جرائم الإبادة التي ترتكبها». ويضع هذا الموقف مسألة المساءلة القانونية والدولية في صلب المقاربة التي يطرحها بري، رافضاً أن تتحول المفاوضات أو أي ترتيبات سياسية إلى غطاء للتنازل عن حقوق لبنان أو إسقاط المطالب المتعلقة بالانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية.
بري في قلب معادلة المرحلة
وتحمل كلمة بري أهمية سياسية تتجاوز مناسبة ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، إذ تأتي في مرحلة تتداخل فيها ثلاثة مسارات شديدة الحساسية: الوضع العسكري والأمني في الجنوب، المسار التفاوضي اللبناني – الإسرائيلي برعاية أميركية، والتوتر الداخلي حول مستقبل السلاح ودور الدولة.
ومن هنا، تبدو رسالة بري موجهة إلى أكثر من طرف في آن واحد: إلى الداخل اللبناني لعدم الانجرار إلى صراع طائفي أو أمني، وإلى إسرائيل لرفض تكريس أي واقع احتلالي جديد، وإلى الجانب الأميركي والدولي للتأكيد أن أي تسوية لا يمكن أن تتم على حساب السيادة اللبنانية أو حقوق لبنان.
كما أن بري يحاول، من موقعه كرئيس للسلطة التشريعية وأحد أبرز أركان النظام السياسي اللبناني، إبقاء الخلافات ضمن الإطار السياسي والدستوري، وعدم السماح بتحويلها إلى مواجهة في الشارع.
وكانت مواقف سابقة لبري قد شددت على مواجهة القضايا الخلافية عبر المؤسسات الدستورية، بعيداً من أي تحرك يمكن أن يقود إلى فتنة داخلية، وهو ما يعطي عبارة «لا تضيعوا لبنان في حروب داخلية» في كلمته الأخيرة دلالة سياسية تتجاوز بعدها الخطابي.
رسالة إلى الداخل والخارج
وفي المحصلة، يمكن قراءة كلمة بري على أنها محاولة لرسم «سقف لبناني» للتعامل مع المرحلة المقبلة: لا حرب أهلية، لا تقسيم، لا منطقة عازلة، لا تنازل عن السيادة، لا تشكيك بالجيش، ولا تفاوض يُفرض تحت النار أو يؤدي إلى إسقاط حقوق لبنان.
وبينما يبقى الجنوب في قلب المواجهة السياسية والأمنية، يضع بري وحدة لبنان وسلمه الأهلي في صدارة الأولويات، مؤكداً أن الخروج من الأزمة لا يكون عبر نقل الصراع الإسرائيلي – اللبناني إلى الداخل، بل عبر مقاربة وطنية تحمي الدولة ومؤسساتها وتمنع تحويل اللبنانيين إلى أطراف متنازعة في حرب جديدة.
وتأتي هذه الرسالة في توقيت بالغ الدقة، إذ سبق أن أشارت تقارير لبنانية إلى أن كلمة بري ستكون مفصلية في مقاربة ملفات الجنوب والمفاوضات والسيادة، وأنها قد تحمل عناوين المرحلة المقبلة سياسياً.
.













08/31/2026 - 15:34 PM





Comments