هجرة العقول... من خسر من؟

08/29/2026 - 18:40 PM

Arab American Target

 

 

بقلم: أكرم مندامي زين الدين *

من عين القاضي، في قبيع، المتن الأعلى، كنت قد قررت أن أمضي بضعة أيام مع العائلة للراحة. هي بضعة أيام، نعم، لأن لكل واحد منهم التزاماته في الخارج، ولكل واحد طريقه وعمله وحياته التي أخذته إلى مكان. وفي صباح هذا اليوم استيقظت باكرًا، وبدل أن أشعر براحة المكان أصابني شيء من الوجع العميق. فنجانا قهوة بدل الأربعة، وصمت لم أكن قد حسبت حسابه عندما بنينا هذا البيت.

جلست أنظر من عين القاضي إلى الجبال والوديان، وإلى بيروت وبحرها في البعيد، وإلى ذلك الامتداد الساحر بين شروق وغروب، وفجأة وجدت نفسي لا أسأل أين هم، ولا متى يعودون، بل أسأل نفسي: ماذا فعلت؟ هل كان قراري صحيحًا؟ هل كانت مهمتي أن أحضّر أولادي للحياة، أن أعلّمهم، أن أقوي أكتافهم، أن أفتح أمامهم أبواب العالم، ثم أصل بعد أربع وأربعين سنة إلى بيت العائلة وأقضي أسابيع في التفكير معهم كيف ننسق بين باريس والغابون ودبي ولبنان لنجد بضعة أيام نلتقي فيها جميعًا؟

لكل واحد منا كانت فكرة في هذا البيت، تفصيل، زاوية، حجر، نافذة، هندسة، شيء أراده كما تخيل بيت العائلة الذي سيجمعنا. بنيناه ليجمعنا، فإذا بنا نجمع الأيام ونهندسها كي نلتقي فيه. يا للمفارقة، البيت أصبح جاهزًا، ونحن الذين أصبح حضورنا فيه يحتاج إلى موعد.

أربع وأربعون سنة. أكتب الرقم وأتوقف أمامه. أربع وأربعون سنة حتى تعب التعب من تعبي، تنقلت خلالها بين بلاد ومدن ومطارات وأعمال ومسؤوليات، وكنت دائمًا أقول لنفسي إن لكل تعب غاية، وإن الإنسان يتحمل اليوم كي يجعل غد أولاده أقل قسوة. لم أتعود على الحياة السهلة، ولم تتعود عائلتي عليها. إذا أُقفل الطريق، كان السؤال عندي دائمًا: ماذا عليّ أن أفعل؟ لم أتعلم الجلوس أمام الباب المقفل وانتظار من يفتحه.

أبحث عن باب آخر، أغير الاتجاه، أراجع الخيارات، وإن لم أجد طريقًا أحاول أن أصنع واحدًا. كنت وما زلت أؤمن بأن الصعوبة تعزز التفكير، وأن تعدد الخيارات يقوي القرار، وأن الحمل، ما دام لم يكسر الإنسان، يقوي كتفه. وربيت أولادي على شيء من ذلك. أردتهم قادرين على الوقوف حين تتغير الظروف، وعلى ألا يخافوا العالم، وعلى أن تكون أمامهم دائمًا أكثر من نافذة. ونجحوا في ذلك، وربما هنا تحديدًا كانت دمعتي التي احتبست هذا الصباح: لقد فتحت أمامهم الطرق، فأخذ كل طريق واحدًا منا إلى جهة.

لا أقول ذلك نادمًا. كيف يندم أب على نجاح أولاده؟ وكيف أتمنى لهم طريقًا أضيق لأن الطريق الواسع أبعدهم عني؟ لكن العمر يفعل شيئًا غريبًا بالإنسان. في بدايته نحسب ما حققناه، وفي مرحلة ما نبدأ نحسب ما دفعناه لكي نحققه. النجاح يبقى نجاحًا، لكن له فاتورة لا تظهر دائمًا في الحسابات. هناك ثمن لا يدخل في الميزانيات ولا تقيسه المصارف: كم صباحًا جلس الأب وحده؟ كم عيدًا مرّ وواحد من العائلة غائب؟ كم مرة قلنا «السنة المقبلة نجتمع جميعًا»؟ كم صورة عائلية ينقصها وجه لأن الطائرة لم تصل أو لأن العمل لم يسمح أو لأن موعدًا في بلد آخر كان أقوى من رغبتنا؟ وكم بيتًا في لبنان بُني ليجمع عائلة، ثم بقي ينتظرها معظم السنة؟

عندها فهمت أن ما نسميه «هجرة العقول» ليس عقلًا يغادر بلدًا إلى بلد. العبارة باردة أكثر مما ينبغي. حين يغادر الطبيب اللبناني إلى بوسطن، والمهندس إلى دبي، والباحث إلى باريس، والأستاذ الجامعي إلى جامعة في الخارج، نضعهم جميعًا في خانة اقتصادية واحدة ونقول: هاجرت الكفاءات. لكن خلف كل عقل غادر إنسانٌ، وخلف الإنسان أمٌّ وأبٌ وزوجةٌ وأولادٌ وإخوةٌ وبيتٌ وقريةٌ ورفاقٌ وذاكرةٌ. العقل لا يحمل شهادة جامعية ويصعد وحده إلى الطائرة. يحمل معه جزءًا من عائلته، ويترك جزءًا آخر منها وراءه. ومن هنا لم يعد هذا بالنسبة إليّ مقالًا عن المغتربين أكتبه من الخارج، بل شهادة رجل اكتشف داخل بيت العائلة المعنى الإنساني الحقيقي لهجرة العقول.

وما جعل دمعتي تحتبس أكثر أنني أحب هذا البلد. لبنان لم يكن بالنسبة إليّ عنوانًا على جواز سفر ولا محطة صيفية. حفر في قلبي حبه، لكن هذا الحب لم يجعل ذكرياتي معه كلها جميلة. أعطاني الجمال والحنين والانتماء، وأعطاني أيضًا ذكريات ثقيلة حملتها معي أينما ذهبت، وآخر جروحها التي لا أعرف كيف يمكن لذاكرة اللبناني أن تتجاوزها كان الرابع من آب، ذلك اليوم المشؤوم. يوم لم ينفجر فيه مرفأ بيروت فقط، بل انفجر شيء في علاقة اللبناني بالأمان نفسه. ومع ذلك بقينا نعود. هذه واحدة من أغرب علاقات الحب بين إنسان ووطن: يوجعك، فتبتعد، ثم تشتاق إليه؛ تعود، فيرهقك، فتغادر، ثم تحمل صورته معك إلى المكان الذي ذهبت إليه.

ولهذا أسأل اليوم: هجرة العقول... من خسر من؟ نحن معتادون أن تكون الإجابة جاهزة: لبنان خسر أبناءه. صحيح، لكنه نصف الحقيقة فقط. لبنان خسر طبيبه ومهندسه وباحثه وأستاذه الجامعي ورجل أعماله. خسر سنوات أنفقها على تعليمهم، ثم أخذت اقتصادات أخرى ثمار تلك المعرفة. خسر الضرائب والشركات والأبحاث والابتكار وفرص العمل، وخسر أبناء هؤلاء أيضًا، لأن الطفل الذي يكبر في باريس، أو دبي أو مونتريال أو أبيدجان قد يبقى لبناني القلب، لكنه لن تكون علاقته بلبنان كعلاقة أبيه أو جده. كل جيل في الخارج يعيد تعريف المسافة بينه وبين الوطن.

لكن ماذا خسر المهاجر؟ هذا هو السؤال الذي لا نحبه كثيرًا لأننا اعتدنا أن ننظر إلى نجاح المغترب وننسى ثمن النجاح. خسر جزءًا من عمره مع أهله. خسر مناسبات لم يحضرها، وأصدقاء كبروا بعيدًا عنه، ووالدين تغيرت ملامحهما بين زيارة وزيارة. خسر أحيانًا حقه البسيط في أن يقول مساء الجمعة: غدًا سأمر على أهلي، من دون تذكرة سفر وجواز ومطار وحقيبة. خسر تلك الأشياء الصغيرة التي لا يعرف قيمتها إلا من عاش طويلًا بعيدًا عنها.

ثم نجح. الطبيب اللبناني نجح في مستشفى عالمي، والمهندس بنى في الخليج وأفريقيا وأوروبا، والباحث دخل مختبرات كبرى، ورجل الأعمال أنشأ مؤسسات، واللبناني أينما ذهب أثبت في حالات كثيرة أنه قادر على التأقلم والإنتاج والمنافسة. فنفرح ونقول: انظروا ماذا فعل اللبناني في العالم. وأنا أفرح معهم، لكنني أعود إلى السؤال نفسه: إذا كان هذا الإنسان قادرًا على كل ذلك، لماذا كان عليه أن يبتعد آلاف الكيلومترات لكي يجد البيئة التي تسمح لقدراته بأن تعمل؟

هنا تتغير المعادلة. لبنان خسر الإنسان، والإنسان خسر جزءًا من لبنان، أما الدول التي استقبلته فحصلت على كفاءة جاهزة، متعلمة، مجرّبة، جائعة للنجاح، وقادرة على التكيف. أي أن العالم لم يربح «مهاجرًا» فقط، بل ربح استثمارًا بشريًا ساهم لبنان وعائلته في تكوينه سنوات طويلة.

ولكنني أرفض أن ينتهي المقال هنا. لا أريد مرثية جديدة لهجرة اللبنانيين. لدينا ما يكفي من المراثي. ولا أريد شعار «عودوا إلى لبنان»، لأنني أعرف، من تجربتي قبل أي شيء آخر، أن الحياة لا تعود إلى الوراء بقرار عاطفي. من عاش عقودًا في الخارج بنى مهنة وعائلة وعلاقات ومسؤوليات، وأولاده قد تكون حياتهم كلها هناك. المطلوب ليس أن نعيد ملايين اللبنانيين جغرافيًا إلى مساحة لبنان. المطلوب أن نعيد لبنان إلى شبكة قدراتهم.

وهنا أضع ما أراه أهم من كل مؤتمرات الاغتراب: هندسة رأس مال معرفي لبناني عالمي. لا أتحدث عن جمعية اغترابية جديدة، ولا قاعدة بيانات نملؤها بالأسماء والألقاب ثم نفتخر بعددها، ولا مؤتمرًا تنتهي قيمته بانتهاء الصورة الجماعية. أتحدث عن منظومة تعرف أين يوجد الطبيب اللبناني المتخصص، والمهندس، والباحث، والخبير المالي، ورجل الصناعة، والمستثمر، وخبير الذكاء الاصطناعي، والطاقة، واللوجستيات، والتكنولوجيا، ثم تسأل السؤال العملي الوحيد الذي يهم: كيف يستطيع هذا الإنسان أن يضيف إلى لبنان من المكان الذي أصبح فيه؟

ليس ضروريًا أن يعود الطبيب من بوسطن كي يخدم مستشفى في بيروت؛ قد ينشئ برنامج تدريب أو شبكة استشارات أو شراكة بحثية. وليس مطلوبًا من المهندس في دبي أن يغلق مكتبه ويحمل حقيبته إلى لبنان؛ يمكن أن يربط شركة لبنانية بمشروع أو ينقل إليها معيارًا وخبرة وعلاقة. والباحث في باريس يستطيع أن يفتح باب مختبر أمام طالب لبناني أو يربط جامعته بجامعة في لبنان. ورجل الأعمال في أفريقيا يستطيع أن يجعل لبنان جزءًا من سلسلة توريد أو استثمار. عندها لا يعود انتشار اللبنانيين في العالم مجرد نزيف بشري، بل يتحول، إذا أحسنا هندسته، إلى شبكة قوة عالمية.

الدول الصغيرة لا تستطيع دائمًا الاحتفاظ بكل أبنائها، لكن الدولة الذكية لا تسمح بأن تخسرهم مرتين: مرة عندما يغادرون، ومرة عندما تفشل في الاستفادة من معرفتهم بعد أن ينجحوا.

هذا هو الفرق.

ولعلني احتجت إلى أربع وأربعين سنة وفنجاني قهوة في عين القاضي لكي أفهمه بهذه البساطة.

لم أعد أريد أن أسأل أولادي: متى تعودون نهائيًا؟ ربما ظلمتهم بهذا السؤال، وربما ظلمنا أجيالًا كاملة من المغتربين حين جعلنا محبتهم للبنان امتحانًا في العودة إليه. قد يحب الإنسان وطنه من على بعد آلاف الكيلومترات، وقد يخدمه من هناك أكثر مما يستطيع أن يخدمه وهو داخله. السؤال الذي يجب أن نطرحه عليهم ليس: متى تعودون؟ بل: كيف نبقى معًا؟ وكيف نجعل ما تعلمتموه وبنيتموه في العالم جزءًا من مستقبل المكان الذي خرجتم منه؟

أما بيتي في عين القاضي، فسأظل أريده كما أردناه جميعًا: بيت العائلة. سأنتظرهم فيه، وأجادلهم في تفاصيله، وأراقب من نافذته الجبال والوديان وبيروت وبحرها، وأشرب قهوتي معهم حين يجتمعون، وأشربها ناقصة حين يغادر أحدهم. وربما سأبقى أحسب الأيام وأهندس المواعيد بين باريس والغابون ودبي ولبنان. تلك ضريبة اختياراتنا، ولن أهرب منها.

لكن هناك فرقًا بين أن أدفع أنا ثمن اختياراتي، وبين أن يدفع جيل بعد جيل ثمن عجز وطن عن الاختيار.

أربع وأربعون سنة حتى تعب التعب من تعبي، ومع ذلك لا أكتب اليوم لأعاتب لبنان فقط. العتاب وحده سهل، وأنا لم أتعود الطريق السهل. أكتب لأنني ما زلت أعتقد أن الطريق المقفل يمكن أن يُفتح، وأن الطريق المفقود يمكن أن يُصنع، وأن لبنان الذي صدّر إلى العالم كل هذه العقول يستطيع، إذا أراد يومًا أن يحسن إدارة نفسه، أن يحول خسارته الكبرى إلى واحدة من أكبر نقاط قوته.

وضعت فنجان القهوة أمامي وعدت أنظر إلى عين القاضي. المكان هو نفسه، الجبال هي نفسها، بيروت في البعيد، والبحر في مكانه، والشمس ستغرب ثم تعود غدًا. وحدنا نحن الذين أخذتنا الطرق بعيدًا ثم أمضينا العمر نحاول أن نلتقي بينها. ولذلك، بعد كل هذه السنوات، لم يعد سؤالي: من خسر من؟

أصبح سؤالي أصعب:

يا لبنان، علّمنا الاغتراب كيف نفتح لأنفسنا طريقًا كلما أُقفل طريق، وعلّمنا أن نحمل وطننا معنا حين نعجز عن العيش فيه. لكن قل لي، إلى متى سيبقى نجاح أبنائك في العالم يبدأ من قدرتهم على الرحيل عنك؟ ومتى يأتي اليوم الذي نبني فيه بيت العائلة لنجتمع فيه، لا لنقضي العمر كله نهندس بضعة أيام كي نلتقي تحت سقفه؟

 

* مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية.

عين القاضي، قبيع – لبنان.

*
* «من المغترب إلى الجمهورية»
 «هجرة العقول... من خسر من؟»، شهادة شخصية من بيت العائلة في المتن الأعلى تتحول إلى قراءة في معنى هجرة الكفاءات اللبنانية وما يمكن أن يبنيه لبنان عليها.
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment