وادي الظلمات: حين تُصبح البصيرة خطيئة!

08/29/2026 - 18:01 PM

Jonathan Amireh

 

 

 

 الدكتور محمد حسين *

 تتجاوز قصة (بلد العميان) "The Country of the Blind" للكاتب البريطاني هربرت جورج ويلز "H.G. Wells" تخوم الخيال العلمي المألوف، لتغوص في سبرٍ أدبيٍّ عميق لطبائع السلطة الاستبدادية الأحادية ومكامن هشاشتها. تنطلق التراجيديا لحظة هوي المرشد الجبلي "نيز" من شواهق جبال الإكوادور، ليعثر على مجتمعٍ طيَّ النسيان، قَطَعَ كاهلَ اتصاله بالعالم انهيارٌ صخريٌّ مهول. تسللت الآفة الجينية بين أرجاء الوادي عبر الأحقاب، حتى انمحت من مخيلة ساكنيه كليًا كلُّ صور النور ومشاهد الإبصار. واستعاض المجتمع عن العين البصيرة بمنظومةٍ حسيةٍ مغلقة، جعلت من السمع واللمس والشم الملاذَ الأخير والوحيد لإدراك أسرار الوجود.

 وحين وطئت أقدامُ "نيز" ذاك العالم المظلم، محمولاً على وهم المقولة السائرة "في بلد العميان، يُتوَّج الأعور ملكاً"، اصطدم بجدارٍ صلبٍ من الأعراف الاجتماعية والنظم السياسية التي تهدم بنيان توهماته؛ فلم يرَ فيه القومُ صاحبَ فضيلةٍ أو سرّ، بل رموه بالريبة والريب. وحفاظًا على سكون عقيدتهم، بادرت المؤسسة الدينية ورعاة الطب في الوادي إلى محاكمة عقله، ووسموا عينيه النابضتين بالسقام والتشوه؛ إذ رأوا في حركتهما الدؤوبة مصدرًا للاضطراب، وشخصوا البصرَ بوصفه جشعًا يقتضي البتر.

 لم تكن الخصومةُ حلبةً لصراعٍ جسدي، بقدر ما كانت تكشيفًا عن كيفية إعادة صياغة المفاهيم في الظل؛ فالحكمةُ هناك تتجلى في إتقان التخبط بالظلمة، فيما يُنعت كلُّ من استرق النظر إلى النور بالمروق والجنون. تتحول الرؤية في هذا الفضاء المغلق إلى خطرٍ يهدد الطمأنينة الراتبة، فيصير التمايز إثمًا يستوجب المحو. ومن هذا المنطلق، أجمع أطباء القوم على تقديم علاجٍ جراحيٍّ يستأصل عيني "نيز"، ليعود إلى حياض السوية واندماج الرعية.

 تصل المحنةُ مأزقها الأخلاقي حين ينساق "نيز" لتقديم هذه القربان، رغبةً في مبادأة العيش والاقتران بالفتاة التي شغف بها حبًا، مستسلمًا لطغيان الجمع على الوعي الفردي. هكذا صار العمي شرطًا ليرتفع المرء من مرتبة الانحطاط ليصير مواطنًا كاملًا بيد أنه في اللحظة الفاصلة، وقبل أن تطال الجراحةُ عينيه، يجلس متأملاً شروق الشمس وأفق الجبال المديد؛ فينجلي له أن ثمن الانتماء هو الانطفاء الإرادي للبصيرة. ينتفض "نيز" فارًا، متسلقًا الصخور الشاهقة ببدنٍ مزقته الوعورة وبذخيرةٍ من الألم والحرية. وعلى الرغم من الإعياء الذي ألمَّ به تحت أطباق السماء المفتوحة، يظل وسد الجبال وحيدًا لكنه يبصر؛ في تأكيدٍ جليٍّ على أن الفكاك من حقيقة النور ليس مجرد فقدانٍ لحاسة، بل هو الموت الأبدي للروح.

 حاصل القول؛ أن الباطل إذا استشرى وألفه الناس، استحال في أعينهم حقًّا ثابتًا؛ إذ لم يكونوا يعرفون سواه. فإذا ما أبلج الحق عنقه يومًا، أنكروه وعدّوه زورًا؛ لكونه غريبًا عن أوهامهم. وبذلك تصبح الحرية عندهم خطيئةً، ويغدو الاستعباد فضيلةً، وينتكس الميزان فيصبح القبح جمالًا والجمال قبحًا. ومقاومة هذا الزيف ليست بالأمر الهيّن؛ بل هي جهاد جسيم يخوضه المرء فيمن حوله، جهاد يستلزم إيمانًا يقينيًّا بالحق وثباتًا كالرواسي؛ إذ بدونهما يصبح الانتصار محالًا أمام سطوة الباطل المألوف. إن هذه المهمة عبر التاريخ هي قدر الأنبياء والرسل، والفلاسفة والمفكرين، والأحرار الثوار؛ فما تقدمت البشرية إلا بعطاء أولئك الذين بذلوا الغالي والنفيس فداءً لما آمنوا به. فتحية إجلال لكل من قال «لا» في وجه الباطل، والخزي والعار لكل إمّعة خضع له ووالاه.

 

* أستاذ القانون الدولي

[email protected]

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment