فيتنام... حين تنتصر إرادة الحياة بالحوار

08/29/2026 - 19:47 PM

Your Ad Here

 

 

سيرينا جمال دملج *

بينما كنتُ أتناول العشاء الليلة الماضية في أحد مطاعم مدينة هو شي مِنه الفيتنامية، بمعية والدي العزيز، ونتناقش حول الميزات التي تمتّع بها الأميركيون والفيتناميون للانتصار لإرادة الحياة على إرادة الموت، لم نكن نعلم شيئًا عن إعادة تنشيط المفاوضات المستمرة منذ أشهر بشأن اتفاق تعريفات جمركية نهائي بين فيتنام وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

كان الحديث بيننا، في تلك اللحظة، أبعد بكثير من التجارة. وكنا نتأمل المدينة من حولنا، بأضوائها وحركتها ومطاعمها وأسواقها وشوارعها المكتظة بالناس، ونحاول أن نتخيلها كما كانت قبل نصف قرن، عندما كانت الحرب لا تزال تفرض نفسها على كل شيء، وتحوّل الإنسان إلى رقم في إحصاءات القتلى والجرحى والنازحين.

ثم ابتسم والدي وقال لي، وكأنه يختصر نصف قرن من تجربته الصحفية: "ربما تكون أعظم انتصارات الشعوب هي تلك التي تنتصر فيها للحياة، لا تلك التي تنتصر فيها على خصومها". لم أجد ما أقوله. ففيتنام التي أراها أمامي الآن تبدو كأنها كتبت فصلًا جديدًا من تاريخها، لا بالحبر الذي كُتبت به بيانات الحرب، وإنما بالحياة اليومية للناس.

مدينة لا تشبه ذاكرتها

هو شي مِنه اليوم مدينة نابضة. المطاعم ممتلئة، الفنادق تستقبل الزوار، الأسواق لا تهدأ، والشوارع تبدو كأنها لا تعرف شيئًا عن تلك الصور القديمة التي ارتبطت بها في ذاكرة العالم: الجنود، الطائرات، الدخان، الجرحى، والناس الذين يركضون بحثًا عن مكان أكثر أمانًا.

لكن المدينة لا تنكر ذاكرتها. إنها فقط ترفض أن تجعل منها مستقبلها. وهذا ربما هو الفارق بين مجتمع يتذكر الحرب ومجتمع يعيش فيها.

ففي الحالة الأولى تصبح الذاكرة درسًا. وفي الثانية تتحول الذاكرة إلى سلاح. وقد اختارت فيتنام، على ما يبدو، أن تجعل من ذاكرتها درسًا.

لم يكن ذلك سهلًا، ولا سريعًا، ولا خاليًا من الألم. فالحرب التي انتهت عام 1975 تركت وراءها جراحًا عميقة، وخسائر بشرية هائلة، وبلدًا يحتاج إلى إعادة بناء مادي وسياسي واقتصادي وإنساني... ولكن الحياة كانت أقوى.

من ساحات القتال إلى طاولة الحوار

المفارقة التي استوقفتني الليلة الماضية أن البلد الذي كان في قلب واحدة من أكثر حروب القرن العشرين دموية وتعقيدًا، أصبح اليوم يتحدث مع الولايات المتحدة عن التجارة والاستثمار والتعريفات الجمركية.

قبل عقود، كانت اللغة بين الطرفين لغة القنابل والطائرات والجنود. أما اليوم، فهي لغة المفاوضين ورجال الأعمال والاستثمارات والأسواق... وها هو نائب رئيس الوزراء الفيتنامي، نغوين فان ثانغ، يتوجه إلى واشنطن، مؤكدًا استعداد بلاده لإجراء محادثات تجارية "علنية وبناءة" مع الممثل التجاري الأميركي جميسون غرير، في محاولة لإعادة تنشيط المفاوضات بشأن اتفاق نهائي للتعريفات الجمركية.

قد يبدو الأمر مجرد خبر اقتصادي. لكنه، بالنسبة إليّ، يحمل معنى سياسيًا وإنسانيًا أكبر بكثير، لا سيما أن الحوار الذي يجلس حوله مسؤولان لمناقشة التجارة هو، في جوهره، النقيض الكامل للحوار الذي كان يجري تحت صوت المدافع... وهنا تحديدًا تبدأ إرادة الحياة، وتتحول السياسة أحيانًا من فن إدارة الخصومة إلى فن اكتشاف المصالح المشتركة.

إرادة الحياة لا تعني نسيان الموت

ربما يكون أجمل ما في التجربة الفيتنامية أنها لم تحتج إلى محو الحرب من ذاكرتها لكي تتجاوزها. فالمتاحف موجودة. والآثار موجودة. والقصص لا تزال تُروى. والأماكن التي شهدت المعارك أصبحت جزءًا من التاريخ.

لكنها لم تتحول إلى دعوة دائمة إلى الحرب. وهذا فارق جوهري. فالذاكرة التي تقول للأجيال الجديدة "انظروا ماذا فعلت الحرب بنا" يمكن أن تكون جسرًا نحو السلام. أما الذاكرة التي تقول "انتقموا لما حدث لنا" فهي ليست ذاكرة، بقدر ما هي إعادة إنتاج للحرب... ولعل الشعوب التي تتعلم هذا الفرق تكون قد قطعت نصف الطريق نحو المستقبل.

السياسة حين تصبح خدمة للحياة

من الصعب، بالطبع، فصل الاقتصاد عن السياسة. فالمفاوضات التجارية التي تجري اليوم بين واشنطن وهانوي تعكس مصالح متبادلة، وحسابات استراتيجية، ومخاوف مرتبطة بالتجارة العالمية وسلاسل الإمداد والاستثمار.

لكن السياسة، في النهاية، ليست سوى وسيلة. والسؤال الحقيقي هو: إلى ماذا نريد أن تقودنا؟

فإذا كانت تقودنا إلى مزيد من الاستقرار، والعمل، والاستثمار، والتعليم، والسياحة، وتحسين حياة الناس، فإنها تكون قد أدت وظيفتها الأساسية. أما إذا كانت تقودنا دائمًا إلى مزيد من الانقسام والخوف والتسلح، فإنها تتحول إلى غاية بدل أن تكون وسيلة.

ولعل هذا هو السبب الذي يجعلني أرى في الحوار التجاري الفيتنامي ــ الأميركي أكثر من مجرد مفاوضات حول التعريفات.

المدن التي تتعلم من الحرب

عندما خرجتُ من المطعم الليلة الماضية، كان الشارع لا يزال مزدحمًا. شبان وشابات يتحدثون ويضحكون. عائلات تتناول العشاء. سياح يلتقطون الصور. دراجات نارية تعبر الشوارع. ومتاجر تستعد لليوم التالي.

فكرتُ للحظة في كل ذلك، ثم تخيلتُ أن المدينة كانت تستطيع أن تختار طريقًا آخر.

كان يمكن أن تبقى سايغون مدينة الخوف. كان يمكن أن تتحول الحرب إلى هوية. وكان يمكن للأجيال الجديدة أن تعيش وهي تنظر إلى العالم من خلال عدسة الماضي.

لكنها لم تفعل. لقد اختارت أن تعيش. وهذه، في رأيي، هي أعظم رسالة يمكن أن تقدمها مدينة خرجت من الحرب.

هل يمكن للحوار أن يصنع المستقبل؟

ربما يبدو السؤال رومانسيًا أكثر مما ينبغي. فالسياسة ليست قصيدة، والدول لا تتخذ قراراتها بالعاطفة وحدها، والمصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية تحكم جزءًا كبيرًا من علاقات الدول.

لكن الإنسان هو الذي يصنع السياسة في النهاية. والإنسان نفسه هو الذي يدفع ثمن الحرب.

لذلك، فإن كل اتفاق يمنع حربًا، وكل حوار يفتح نافذة جديدة، وكل شراكة تحول خصومة قديمة إلى مصلحة مشتركة، يستحق أن يُقرأ أيضًا من زاوية إنسانية. ليس لأنه يلغي الماضي، بل لأنه يمنع الماضي من ابتلاع المستقبل.

وربما لهذا السبب، وأنا أعود الليلة إلى الفندق بعد العشاء مع والدي، لم أعد أفكر كثيرًا في التعريفات الجمركية أو تفاصيل المفاوضات. كنت أفكر في شيء أبسط: فيتنام وأميركا كانتا تعرفان يومًا كيف تخوضان الحرب، ثم تعلمتا، مع الوقت، كيف تتحدثان.

حين تنتصر الحياة

ربما لا تحتاج الشعوب بعد كل هذا إلى معجزة لكي تصنع السلام. قد تحتاج فقط إلى شجاعة الاعتراف بأن الحياة أغلى من الخلاف، وأن المستقبل أوسع من ذاكرة الحرب، وأن الخصم الذي نجلس معه حول طاولة واحدة يمكن أن يصبح، مع الوقت، شريكًا في بناء ما كنا نعتقد أنه مستحيل.

لهذا بدت لي هو شي مِنه الليلة الماضية أكثر من مدينة جميلة. بدت لي كأنها درس طويل في معنى الحياة، يقول إن المدن لا تنتصر عندما تهزم أعداءها، وإنما عندما تنجح في أن تجعل أبناءها ينسون، تدريجيًا، صوت المدافع وهم يستمعون إلى أصوات الحياة.

وربما يكون الحوار هو اللغة الأكثر نضجًا التي اخترعها الإنسان بعد أن اكتشف، عبر آلاف السنين من الحروب، أن الموت لا يستطيع أن يبني شيئًا. أما الحياة... فهي تحتاج فقط إلى أن نمنحها فرصة.

 

* إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية مقيمة في واشنطن

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment