اتفاق الهدنة أم اتفاق الإطار؟ من وقف الحرب إلى إنهاء أسبابها… وأيّ صيغة تحمي لبنان وتستعيد سيادته؟

08/29/2026 - 21:07 PM

Jonathan Amireh

 

 

دراسة قانونية – سياسية مقارنة

 

بقلم: فرنسوا الجردي

ليس لبنان أمام مفاضلة بسيطة بين ورقتين سياسيتين، واحدة تعود إلى عام 1949 وأخرى وُلدت في عام 2026. المسألة أعمق بكثير. نحن أمام خيار بين منطق إدارة الصراع ومنطق إنهاء الصراع.

اتفاق الهدنة اللبناني–الإسرائيلي الموقّع في 23 آذار 1949 كان اتفاقاً عسكرياً واضحاً، هدفه وقف الأعمال العدائية وتنظيم انتشار القوات ومنع الاعتداءات، وقد نص صراحة على أن خط الهدنة يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين. كما أن الاتفاق أنشأ آليات للمراقبة والنظر في الشكاوى، وربط الهدنة بمسار يؤدي في النهاية إلى سلام دائم.

أما اتفاق الإطار الثلاثي الموقّع في واشنطن في 26 حزيران 2026، فهو يذهب أبعد بكثير: يتحدث عن إنهاء النزاع، وإنهاء حالة الحرب، واحترام سيادة الدولتين، وقيام علاقة سلمية بينهما، ويربط ذلك بعملية متدرجة ومتبادلة تشمل انتشار الجيش اللبناني، ونزع سلاح المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية، مقابل إعادة انتشار إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل يريد لبنان هدنة جديدة… أم يريد أن يخرج نهائياً من دائرة الحرب؟

أولاً: اتفاق الهدنة لعام 1949… وثيقة بسيطة لكنها شديدة القوة قد يبدو اتفاق الهدنة قديماً، لكنه من الناحية القانونية والعسكرية يتمتع بميزة لا يمكن تجاهلها: الوضوح. الاتفاق لا يغرق في الشعارات.

يقول إن هناك جيشين، وإن هناك خطاً يفصل بينهما، وإن على كل طرف الامتناع عن الأعمال العدائية، وإن القوات لا تتجاوز خط الهدنة. والأهم أن المادة الخامسة نصت على أن خط الهدنة يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين. وهذا عنصر بالغ الأهمية للبنان.

فلبنان لم يوقّع عام 1949 على تنازل عن حدوده، ولم يقبل بأن يصبح خط الهدنة بديلاً دائماً عن الحدود. بل إن النص نفسه أبقى قضية التسوية النهائية منفصلة عن الاعتبارات العسكرية التي قامت عليها الهدنة.

كما أن الاتفاق نص على استمرار العمل به إلى حين التوصل إلى تسوية سلمية، مع آلية لإحالة النزاعات إلى مجلس الأمن في حال تعذر حلها.

بمعنى آخر: الهدنة لم تكن اتفاق استسلام، ولم تكن اتفاق سلام، ولم تكن تنازلاً لبنانياً عن السيادة.

كانت اتفاقاً عسكرياً لوقف الحرب. وهذه نقطة يجب عدم إغفالها في أي نقاش لبناني.

ثانياً: لكن مشكلة الهدنة أنها لا تنهي الحرب

قوة اتفاق الهدنة هي في الوقت نفسه نقطة ضعفه.

إنه يوقف الأعمال العسكرية، لكنه لا يحل جذور النزاع.

لا ينشئ علاقات سياسية طبيعية.

لا ينهي حالة الحرب بصورة نهائية.

ولا يعالج في صيغته الأصلية قضية السلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية، لأن الظروف التي نشأ فيها الاتفاق كانت مختلفة جذرياً عن واقع لبنان الحالي. لذلك يمكن القول إن العودة إلى اتفاق الهدنة وحده قد تعطي لبنان إطاراً عسكرياً أكثر وضوحاً، لكنها لا تقدم وحدها حلاً نهائياً للصراع. وهنا تأتي أهمية اتفاق الإطار.

ثالثاً: اتفاق الإطار… أكثر طموحاً وأكثر خطورة في الوقت نفسه

اتفاق الإطار لعام 2026 يحمل طموحاً استراتيجياً مختلفاً.

ففيه تعلن إسرائيل ولبنان رغبتهما في إنهاء النزاع ومعالجة أسبابه وإنهاء حالة الحرب، كما يؤكد الطرفان حقهما في الوجود بأمن وسلام كدولتين ذات سيادة.

والأهم أن الاتفاق يعيد تثبيت مبدأ بالغ الأهمية بالنسبة إلى الدولة اللبنانية:

الحكومة اللبنانية هي صاحبة السلطة السيادية الحصرية في الحرب والسلم، والقوات الأمنية اللبنانية هي المسؤولة حصراً عن أمن لبنان والدفاع عنه. وهذه، من حيث المبدأ، ليست خسارة للبنان. بل هي جوهر الدولة. فالسيادة لا تعني فقط أن تكون الأرض لبنانية.

السيادة تعني أيضاً أن تكون: الحرب قرار الدولة، والسلم قرار الدولة، والجيش قرار الدولة، والسلاح قرار الدولة. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح استعادة السيادة اللبنانية مرتبطة عملياً بشرط أمني إسرائيلي، أو عندما يكون الانسحاب الإسرائيلي غير محدد بجدول زمني واضح. وهنا يجب أن يكون لبنان شديد الحذر.

رابعاً: أخطر نقطة في اتفاق الإطار — من يبدأ أولاً؟

ينص الإطار على عملية متبادلة ومتسلسلة، بحيث يستعيد الجيش اللبناني السلطة الفعلية على الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع نزع سلاح المجموعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها العسكرية، ما يتيح للقوات الإسرائيلية إعادة الانتشار تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية.

هنا تكمن العقدة. لأن السؤال ليس: هل يجب أن يكون السلاح بيد الدولة؟

الجواب اللبناني الدستوري والسيادي يجب أن يكون: نعم.

السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع إسرائيل أن تجعل انسحابها من الأراضي اللبنانية مشروطاً إلى أجل غير مسمى بتقييمها هي وحدها للتهديد الأمني؟ هنا يجب أن يقول لبنان: لا.

لأن دولة ذات سيادة لا يمكن أن تقبل بأن يصبح جيش دولة أخرى هو الحكم النهائي على مدى اكتمال سيادتها.

خامساً: المطلوب ليس «السلاح مقابل الانسحاب»

هذه الصيغة، إذا طبقت بطريقة غير متوازنة، خطيرة على لبنان.

الصيغة الصحيحة يجب أن تكون: السيادة مقابل السيادة.

أي: لبنان يفرض احتكار الدولة للسلاح.

وفي المقابل: إسرائيل تنسحب من الأراضي اللبنانية وفق جدول زمني محدد وقابل للتحقق.

ثم: يُمنع أي طرف من استخدام الأراضي اللبنانية أو الإسرائيلية لشن أعمال عدائية.

ثم: تُنشأ آلية دولية مستقلة للتحقق من التزام الطرفين.

بهذه الطريقة لا يصبح الجيش اللبناني أداة لتنفيذ شروط إسرائيلية، بل يصبح أداة الدولة اللبنانية لاستعادة سيادتها.

سادساً: المشكلة القانونية الأكبر — هل اتفاق الإطار هو اتفاق سلام نهائي؟

هنا يجب التمييز بدقة.

اتفاق الإطار ليس، بحسب نصه، المعاهدة النهائية الشاملة التي أغلقت كل ملفات النزاع. إنه إطار سياسي وأمني يمهّد لاتفاقات لاحقة.

فالفقرة الثانية عشرة تنص على إنشاء مجموعات عمل لصياغة اتفاق شامل للسلام والأمن، وعلى استمرار التواصل المباشر بوساطة ودعم الولايات المتحدة إلى حين الوصول إلى سلام دائم. وهذا يعني أن لبنان يجب ألا يتعامل مع اتفاق الإطار وكأنه نهاية التفاوض.

بل باعتباره:

بداية التفاوض النهائي.

وهذه نقطة تفاوضية في غاية الأهمية.

فالورقة الإطارية لا ينبغي أن تتحول إلى شيك على بياض.

سابعاً: أين يقف القرار 1701 في هذه المعادلة؟

لا يمكن دراسة اتفاق الإطار بمعزل عن القرار 1701.

فالقرار 2790 لعام 2025 أعاد التأكيد على التنفيذ الكامل للقرار 1701، وعلى احترام الخط الأزرق ووقف الأعمال العدائية، كما دعا إسرائيل إلى الانسحاب من المواقع التي لا تزال تحتلها شمال الخط الأزرق، بما فيها المواقع الخمسة، ودعا السلطات اللبنانية إلى نشر قواتها فيها وبسط سيطرة الحكومة على كامل الأراضي اللبنانية بحيث لا تكون هناك أسلحة أو سلطة غير سلطة الدولة.

وهذا مهم جداً.

لأن المبدأ الدولي هنا ليس: نزع سلاح جهة لبنانية مقابل إبقاء قوات إسرائيلية داخل لبنان. بل المبدأ هو: سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وعدم وجود سلاح أو سلطة خارج سلطة الدولة، بالتوازي مع احترام سيادة لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية. وهذا هو التوازن الذي يجب أن يتمسك به لبنان.

ثامناً: اتفاق الإطار يحتوي على نقطة قوة لبنانية يجب استثمارها

إسرائيل أعلنت في الاتفاق أنها لا تملك أطماعاً إقليمية في لبنان.

إذا كان هذا التعهد صادقاً وجاداً، فيجب تحويله من إعلان سياسي إلى التزام تنفيذي قابل للقياس. أي أن يقول الاتفاق النهائي بوضوح: لا وجود عسكرياً إسرائيلياً دائماً أو مؤقتاً داخل الأراضي اللبنانية. ولا يكفي أن تقول إسرائيل: «سننسحب عندما نتأكد من زوال التهديد». لأن هذا يترك الباب مفتوحاً لتفسير أحادي الجانب.

المطلوب:

متى تنسحب؟

من أين؟

إلى أين؟

بأي جدول زمني؟

من يتحقق؟

ماذا يحدث إذا لم تنسحب؟

هذه الأسئلة يجب أن تكون مكتوبة، لا متروكة لحسن النوايا.

تاسعاً: أخطر ثغرة — عبارة «الانسحاب التدريجي»

التدرج ليس مشكلة بحد ذاته.

بل يمكن أن يكون مفيداً.

لكن:

التدرج من دون جدول زمني يتحول إلى بقاء.

وهنا يجب أن يطالب لبنان بأن يتضمن الاتفاق النهائي:

1. خريطة دقيقة للمواقع الإسرائيلية.

2. تاريخ بدء الانسحاب.

3. مراحل الانسحاب.

4. موعد نهائي للانسحاب الكامل.

5. آلية تحقق مستقلة.

6. عقوبات أو إجراءات تلقائية عند عدم الالتزام.

7. منع إعادة احتلال أي موقع لبناني بعد الانسحاب إلا بقرار دولي واضح ومحدد.

هذه ليست تفاصيل تقنية.

هذه هي الضمانة القانونية للسيادة اللبنانية.

عاشراً: ملف السلاح — هنا يجب أن يكون موقف الدولة اللبنانية واضحاً

لا يمكن بناء دولة مستقرة مع تعدد القرارات العسكرية.

ولا يمكن أن يكون في لبنان جيش رسمي وجيش آخر يملك قرار الحرب والسلم.

هذه ليست مسألة تتعلق بفئة أو حزب. إنها مسألة بنية الدولة. ولهذا فإن مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة يجب أن يكون جزءاً من الحل النهائي.

لكن يجب أن تكون العملية: لبنانية القرار، لبنانية التنفيذ، وتحت سلطة المؤسسات الدستورية اللبنانية. وليس عملية يُنظر إليها باعتبارها تنفيذاً لإملاءات إسرائيلية.

والملحق الأمني المنشور يتحدث عن تفكيك البنية العسكرية للمجموعات المسلحة، بما يشمل الأسلحة والمخازن والأنفاق ومراكز القيادة، وعن التحقق بواسطة جهة ثالثة متفق عليها، وعن تولي الجيش اللبناني السيطرة العملياتية الحصرية. وهذا يعني أن المسألة أصبحت قابلة للصياغة التنفيذية.

لكن لبنان يحتاج إلى ضمانة مقابلة لا تقل وضوحاً: كل خطوة لبنانية يجب أن يقابلها إجراء إسرائيلي محدد ومُلزم ومؤرخ.

الحل العملي: اتفاق لبناني قوي من سبعة بنود وإذا أراد لبنان الوصول إلى صيغة قابلة للتطبيق، فأنا أرى أن الاتفاق النهائي يجب أن يقوم على المبادئ الآتية:

البند الأول: السيادة الكاملة

تقر إسرائيل بصورة صريحة ونهائية بسيادة لبنان على كامل أراضيه المعترف بها دولياً.

ويُعتبر أي وجود عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية مؤقتاً إلى حين الانسحاب النهائي، ولا ينشئ أي حق أو مطالبة إقليمية.

البند الثاني: الانسحاب الإسرائيلي المُلزم

يحدد الاتفاق: خريطة الانسحاب + المراحل + المهل الزمنية + تاريخ الانسحاب النهائي. ولا يجوز ربط الانسحاب بعبارة فضفاضة مثل «عندما تسمح الظروف الأمنية». بل يجب أن تكون المعايير الأمنية محددة مسبقاً.

البند الثالث: حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية

تلتزم الدولة اللبنانية ببسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية ومنع أي تنظيم مسلح غير حكومي من امتلاك أو استخدام السلاح. ويكون تنفيذ ذلك عبر الجيش والقوى الأمنية اللبنانية وتحت القرار السياسي للدولة اللبنانية.

البند الرابع: لا سلاح خارج الدولة ولا قوات أجنبية داخل لبنان

يجب أن تكون المعادلة متوازنة:

لا سلاح غير شرعي داخل لبنان.

وفي المقابل: لا قوات إسرائيلية داخل لبنان. ولا يجوز لأي طرف استخدام وجود الطرف الآخر ذريعة إلى أجل غير محدد لعدم تنفيذ التزاماته.

البند الخامس: لجنة تحقق مستقلة

هذه من أهم النقاط.

يجب إنشاء هيئة تحقق مشتركة تضم:

- ممثلين عن الجيش اللبناني.

- ممثلين إسرائيليين.

- ممثلين أميركيين.

- ممثلين دوليين متفقاً عليهم.

وتكون مهمتها تحديد ما إذا كان كل طرف قد نفذ التزاماته.

والأهم: لا يكون لأي طرف منفرداً حق إعلان فشل الاتفاق. فالملحق الأمني يتحدث بالفعل عن تحقق بواسطة طرف ثالث متفق عليه، لكن التفاصيل الدقيقة للجهة وآلية القياس يجب أن تتحول إلى نص ملزم وواضح.

البند السادس: آلية تلقائية لمعالجة الخروقات

كل خرق يجب أن يسجل خلال مدة زمنية محددة.

ثم: تحقيق → تقرير → مهلة للمعالجة → إجراء تصحيحي. ولا يجوز أن يتحول كل خرق إلى حرب. وهذا تحديداً ما كان ينقص ترتيبات سابقة: آلية فعالة تمنع الانتقال من الخرق إلى التصعيد.

البند السابع: اتفاق سلام نهائي منفصل

بعد تنفيذ المرحلة الأمنية، يبدأ التفاوض على اتفاق السلام النهائي.

ويجب أن يشمل:

- الحدود.

- الأمن.

- الأسرى والموقوفين.

- المفقودين والرفات.

- الترتيبات الاقتصادية.

- المياه والموارد المشتركة عند الاقتضاء.

- الاتصالات والعلاقات الدبلوماسية.

- عدم استخدام أراضي أي دولة ضد الأخرى.

وبذلك يصبح اتفاق الإطار جسراً إلى السلام وليس بديلاً عن السلام.

الحادي عشر: هل الأفضل العودة إلى هدنة 1949؟

إذا كان المقصود العودة إلى الهدنة وحدها، فالجواب عندي: لا.

ليس لأنها اتفاق سيئ. بل لأنها لا تكفي لمشكلة لبنان الحالية.

الهدنة مناسبة جداً كمرجعية عسكرية وقانونية في ما يتعلق بخط الفصل ومنع الأعمال العدائية، لكنها لا تعالج وحدها قضية السلاح خارج الدولة، ولا تبني علاقة سياسية نهائية، ولا تحل كل ملفات النزاع التي تراكمت خلال أكثر من سبعة عقود.

لكن في المقابل: لا ينبغي أيضاً للبنان أن يقبل باتفاق إطار مفتوح وغير محدد زمنياً. لأن ذلك قد يحول «الانسحاب التدريجي» إلى وجود عسكري طويل الأمد، ويحوّل «التحقق الأمني» إلى سلطة تقديرية مستمرة بيد الطرف الأقوى،

الثاني عشر: الصيغة الأفضل للبنان

الصيغة التي أراها أكثر توازناً ليست: الهدنة أو اتفاق الإطار.

بل: اتفاق الإطار + قوة اتفاق الهدنة + مظلة الأمم المتحدة + ضمانة أميركية + تنفيذ لبناني سيادي.

أي: الهدنة تعطينا الأساس العسكري.

القرار 1701 يعطينا الإطار الدولي.

اتفاق الإطار يعطينا طريق إنهاء النزاع.

الجيش اللبناني يعطينا أداة استعادة السيادة.

الضمانات الدولية تعطينا آلية للتحقق.

وهذه هي المعادلة الأكثر واقعية.

الثالث عشر: ماذا يجب أن يرفض لبنان؟

يجب أن يرفض لبنان بصورة واضحة أي صيغة تتضمن:

أولاً: انسحاباً إسرائيلياً بلا موعد نهائي.

ثانياً: حقاً إسرائيلياً منفرداً في تحديد ما إذا كان لبنان قد نفذ التزاماته.

ثالثاً: بقاء قوات إسرائيلية داخل لبنان تحت عنوان «أمن دائم».

رابعاً: تحويل الجيش اللبناني إلى قوة تعمل لمصلحة أمن إسرائيل بدلاً من أن تعمل لمصلحة الدولة اللبنانية.

خامساً: أي غموض في الخرائط.

سادساً: أي تنازل حدودي غير صريح أمام الرأي العام والمؤسسات الدستورية.

سابعاً: أي صيغة تمنع لبنان من اللجوء إلى الأمم المتحدة في حال خرق إسرائيل الاتفاق.

ثامناً: أي نص يسمح بإعادة تفسير الاتفاق بصورة أحادية من أحد الطرفين.

الرابع عشر: وماذا يجب أن يقبل لبنان؟

في المقابل، يجب أن يكون لبنان مستعداً للقبول بمبادئ واضحة:

جيش واحد.

قرار حرب وسلام واحد.

سلطة دستورية واحدة.

حدود معترف بها.

لا اعتداء من الأراضي اللبنانية.

لا سلاح خارج الدولة.

لا قوات أجنبية داخل الأراضي اللبنانية.

لا احتلال إسرائيلي.

ولا ذريعة أمنية دائمة لتأجيل الانسحاب.

هذه ليست تنازلات.

هذه هي مقومات الدولة الطبيعية.

الخلاصة: لبنان لا يحتاج إلى اتفاق أقوى على الورق… بل إلى اتفاق لا يستطيع أحد التحايل عليه

المقارنة تقود إلى نتيجة واضحة.

اتفاق الهدنة لعام 1949 أكثر بساطة ووضوحاً من الناحية العسكرية.

واتفاق الإطار لعام 2026 أكثر شمولاً من الناحية السياسية والاستراتيجية.

لكن الأفضل للبنان ليس أن يختار أحدهما ويلغي الآخر.

الأفضل أن يستخدم لبنان الهدنة كمرجعية عسكرية وقانونية، واتفاق الإطار كمسار سياسي لإنهاء النزاع، والقرار 1701 كمرجعية دولية، والجيش اللبناني كصاحب الاختصاص التنفيذي على الأرض.

لكن بشرط واحد لا يجوز التنازل عنه: أن تكون الالتزامات متبادلة، متزامنة، محددة، قابلة للقياس، ومربوطة بمواعيد نهائية.

فإذا كان المطلوب من لبنان أن ينزع سلاح كل قوة غير حكومية وأن يضع كل الأراضي تحت سلطة الدولة، فهذا مطلب يمكن أن يقبله منطق الدولة. لكن في المقابل يجب أن يكون المطلوب من إسرائيل واضحاً بالقدر نفسه: الانسحاب من كل الأراضي اللبنانية، احترام الحدود، وقف الاعتداءات، وعدم إبقاء وجود عسكري تحت عنوان أمني مفتوح.

وعندها تصبح المعادلة عادلة: لبنان يتخلى عن منطق الدولة داخل الدولة، وإسرائيل تتخلى عن منطق الأمن داخل أرض الدولة الأخرى.

وعندها فقط يمكن الانتقال من: «وقف إطلاق النار»

إلى: «وقف الحرب»

ومن: «هدنة مؤقتة»

إلى: «سلام يحمي سيادة لبنان ولا يحتاج إلى سلاح خارج الدولة لحمايتها». وهذا هو الفارق الجوهري بين إدارة النزاع وإنهائه. فلبنان لا يحتاج إلى ورقة جديدة تضاف إلى أرشيف الاتفاقات.

لبنان يحتاج إلى اتفاق ينهي الذرائع التي أعادت إنتاج الحرب، ويجعل الدولة اللبنانية صاحبة الكلمة الوحيدة على أرضها، ويُلزم إسرائيل في الوقت نفسه بالانسحاب الكامل واحترام السيادة اللبنانية. والاتفاق الذي لا يحقق المعادلتين معاً لا يكون سلاماً دائماً، بل يكون مجرد «هدنة مؤجلة الانفجار».

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment