مفيد خطَّار
في زمنٍ صار فيه الأمانُ الاجتماعيُّ بديلًا من البحث عن الحقيقة، لم تعد الأسئلة تُطرَح طلبًا للجواب، بل تُدان لأنها تُقلق الاستقرار. وهكذا يعود «المجنون»، لا بوصفه هامشًا على المجتمع، بل مرآةً تُحرجه: أَلْجُنُونُ أن نرى ما لا يراه الآخرون، أم أن نقيم في العمى لأن الجماعة اطمأنّت إليه؟
لا يخاف المجتمع من الاختلاف بقدر ما يخاف ما يكشفه الاختلاف فيه. لذلك يُدفَع «المجنون» إلى الهامش، لا لأنه أخطأ بالضرورة، بل لأنه فكَّ الارتباط بين الحقيقة والخوف، وكشف أن كثيرًا مما يُسمّى عقلًا ليس سوى توافقٍ محكمٍ على الصمت.
في لبنان، تبلغ هذه المفارقة ذروتها. فحين يسبق الانتماءُ السؤال، وتسبق الطائفةُ المعنى، تصبح الحقيقة نفسها موضعَ ريبة. وكلُّ فكرٍ يخرج من الاصطفاف يُعامَل بوصفه تهديدًا، لا لأنه باطل، بل لأنه يرفض أن يُختزل في هويةٍ جاهزة.
وهكذا يبدأ الإنسان بخسارة نفسه كلما ازداد حرصه على ألّا يختلف. يتعلّم أن يُشبه ما حوله بدل أن يفهم ما في داخله، وينسحب بصمتٍ من ذاته ليحيا في الصورة التي ينتظرها الآخرون منه، حتى يغدو القبول أثمن من الصدق، والسلام مع الجماعة أغلى من السلام مع النفس.
لم يكن «المجنون الصادق» قويًّا بمعايير العالم، لكنه امتلك قوةً أعمق: أن يرفض مصالحة الكذب لينجو. لم يدّعِ امتلاك الحقيقة كاملةً، لكنه رفض أن يجعل الطمأنينة بديلًا منها. اختار، وسط ضجيج الجماعة، أن يُصغي إلى الصوت الذي يبقى فيه عندما يصمت كلُّ شيء.
المشكلة ليست في الاختلاف، بل في المعايير التي تمنح الشرعية لما يشبهها، وتسلبها عمّا يزعجها. لذلك يُكافَأ التكيّف لأنه لا يسأل، ويُدان الصدق لأنه يوقظ الأسئلة، ويُسمّى الخروج عن القطيع خللًا، لا لأنه كذلك، بل لأنه يفضح القطيع.
ولعلّ ما خافته المدن عبر التاريخ لم يكن «المجنون»، بل الإنسان الذي يرفض أن يكذب ليبقى داخل أسوارها. لم يُدان سقراط لأنه أفسد المدينة، بل لأنه أصرّ أن يسألها عن نفسها حتى النهاية. وهكذا كان ثمن الصدق، في أزمنة كثيرة، عزلةً أو إقصاءً أو صمتًا يُفرَض باسم النظام.
وفي لبنان أيضًا، لم يكن الخراب وليدَ لحظة، بل ثمرةَ سنواتٍ من التكيّف معه. حين يتحوّل الصمت إلى حكمة، والاعتياد إلى عقل، والقبول إلى قدرٍ لا يُناقَش، تصبح الحقيقة ترفًا أخلاقيًا، بعدما كانت شرطًا للحياة.
فالحرية لا تولد من التوافق، بل من القدرة على البقاء مع الحقيقة حين يتخلّى عنها الجميع. هناك يبدأ الإنسان بالاقتراب من ذاته، وهناك يكتشف «المجنون الصادق» أن خسارة الطمأنينة المؤقتة قد تكون الثمن الوحيد لئلّا يخسر نفسه.
ربما لم يكن خارج العالم، بل كان في قلبه، لكنه رفض أن يذوب فيه. وربما لم يكن استثناءً، بل تذكيرًا دائمًا بما يستطيع الإنسان أن يكونه إذا تحرّر من خوفه. وكم نحن بحاجةٍ اليوم إلى هذا القدر من «الجنون الصادق»، كي لا يصبح الصمت فضيلة، ولا التكيّف مع الخطأ حكمة، ولا تُدفن الحقيقة تحت راحة الجماعة.
فالمجتمعات لا يسقطها وجودُ «المجانين الصادقين»؛ بل يسقطها اليوم الذي لا يبقى فيها أحدٌ يجرؤ على أن يقول: هذا ليس حقًّا، ولو أجمع الجميع على أنّه كذلك.












08/29/2026 - 02:00 AM





Comments