بيروت – بيروت تايمز – منى حسن
في زيارة تحمل دلالات سياسية ودبلوماسية لافتة، استقبل مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان في دار الفتوى سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان ميشال عيسى، في لقاء تناول مستقبل لبنان، وأهمية العيش المشترك، والمسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل، إلى جانب التطورات الميدانية في الجنوب، ولا سيما ملف منطقة علي الطاهر والمناطق التجريبية التي يجري بحثها في إطار المساعي الأميركية لتثبيت التهدئة وتنظيم الانسحاب الإسرائيلي.
وتأتي الزيارة في مرحلة دقيقة يتقاطع فيها المسار الدبلوماسي مع التصعيد الميداني في الجنوب، فيما لا تزال المفاوضات التي ترعاها واشنطن مستمرة، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وسط مخاوف لبنانية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع دائرة المواجهة. وأكد عيسى، في تصريحات أعقبت اللقاء، أن الولايات المتحدة تريد لبنان "آمناً ومستقلاً وذا سيادة"، وأنها مستمرة في العمل مع مختلف المكونات اللبنانية.
وقال عيسى بعد اللقاء إنه بحث مع المفتي دريان "مستقبل لبنان وأهمية العيش المشترك"، مؤكداً أن الولايات المتحدة "تقف إلى جانب كل الشعب اللبناني"، وأنها معنية بمعرفة آراء اللبنانيين كافة وكيف يمكنها المساعدة.
المفاوضات مستمرة.. وروما أمام مسار تقني
وفي ما يتعلق بالمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، نفى عيسى توقف المسار التفاوضي، موضحاً أن المفاوضات الجارية في روما ذات طابع تقني، وبالتالي لا تحتاج بالضرورة إلى مواعيد ثابتة، إذ يمكن التدخل عندما تبرز قضية تستوجب المعالجة. وأشار إلى أن المفاوضات المرتبطة بالسيادة تختلف من حيث طبيعتها، إذ تحتاج إلى تحضير مسبق وتنسيق للمواعيد، في محاولة لمنع تداخل المسارات المختلفة.
ويأتي هذا التأكيد في وقت لا تزال فيه ملفات الانسحاب الإسرائيلي، والمناطق التجريبية، وانتشار الجيش اللبناني، وسلاح حزب الله، في صلب النقاشات التي ترعاها الولايات المتحدة. وكانت جولات روما الأخيرة قد ركزت على آلية تطبيق المناطق التجريبية التي يُفترض أن تشكل نموذجاً لانتقال السيطرة إلى الدولة اللبنانية وتسهيل الانسحاب الإسرائيلي تدريجياً.
علي الطاهر.. "لننتظر ونرى"
وفي الشق الميداني، رفض عيسى توصيف المرحلة المقبلة بأنها أمام "أيلول أسود"، قائلاً إن هذا التعبير "لا يعجبه" بسبب ارتباطه بذكريات وصفها بالبشعة.
أما بالنسبة إلى منطقة علي الطاهر، التي باتت إحدى أكثر النقاط حساسية في المشهد الجنوبي، فقال عيسى إنه لا يعرف كيف ستتطور القضية، وإنه ينتظر، كما اللبنانيون، ما ستؤول إليه التطورات خلال الأيام المقبلة.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة، في ظل استمرار التوتر حول المنطقة، التي تحولت إلى نقطة اختبار للمسار الميداني والسياسي، خصوصاً في ظل تمسك لبنان بسيادة الدولة على أراضيه ورفضه استمرار الاحتلال الإسرائيلي، مقابل ربط إسرائيل والولايات المتحدة جزءاً من المعالجة بملف سلاح حزب الله.

سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان ميشال عيسى
المناطق التجريبية.. تقدم على الورق قبل الانتقال إلى الأرض
وفي ما يتعلق بالمناطق التجريبية، تحدث السفير الأميركي عن "تقدم" في المسار، لكنه شدد على أن الاتفاقات التي تُنجز على الورق تحتاج إلى وقت طويل قبل أن تتحول إلى خطوات عملية على الأرض.
وأوضح أن تحديد المنطقة لا يقتصر على رسم خطوط عامة، بل يتطلب تحديد التفاصيل الميدانية بدقة، بما في ذلك مواقع المنازل والأشجار والعلامات التي تحدد حدود المنطقة.
وأشار إلى الدور الذي تقوم به الوفود الأميركية في التنسيق بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، لافتاً إلى أن زيارة المسؤول الأميركي غرينفيلد إلى لبنان جاءت في إطار متابعة هذا المسار والتنسيق بشأن آلية التنفيذ.
وبحسب عيسى، فإن إنجاز المنطقة التجريبية الأولى سيجعل الانتقال إلى المناطق الثانية والثالثة والرابعة أكثر سهولة وسرعة.
الاعتداءات الإسرائيلية وسلاح حزب الله
لكن النقطة الأكثر حساسية في تصريحات عيسى تمثلت في ربط وقف الاعتداءات الإسرائيلية بملف سلاح حزب الله.
وقال إن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، وإنها تجري مبدئياً خارج المناطق التجريبية، مشيراً إلى أن اتفاقاً على وقف هذه الاعتداءات لم يتم التوصل إليه حتى الآن.
وعزا عيسى الموقف الأميركي إلى ما وصفه بعدم التزام حزب الله بوقف إطلاق النار، قائلاً إن الحزب يتمسك ببقاء سلاحه طالما أن إسرائيل تحتفظ بسلاحها ووجودها، فيما يطالب بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان من دون تعهد بتسليم سلاحه للجيش اللبناني.
وعندما سُئل عما إذا كان هذا يعني أن واشنطن لن تطلب من إسرائيل وقف هجماتها قبل تسليم حزب الله سلاحه، أجاب عيسى بمنطق "الخطوة مقابل الخطوة"، متسائلاً كيف يمكن مطالبة طرف بتنفيذ التزاماته فيما لا ينفذ الطرف الآخر ما هو مطلوب منه. وقال إن حزب الله لم يعلن استعداده لتسليم سلاحه، متسائلاً: "كيف تطلبون من إسرائيل أن تنسحب من لبنان؟"
رسالة أميركية واضحة إلى بيروت
وتكشف هذه المواقف عن مقاربة أميركية تقوم، في المرحلة الحالية، على محاولة ربط المسارين الأمني والسياسي: انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل خطوات لبنانية تتعلق ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية.
وهذا الطرح يضع الحكومة اللبنانية أمام معادلة شديدة التعقيد، إذ تحاول بيروت تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، واستعادة الأراضي التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية، بالتوازي مع تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة.
وتشير تصريحات عيسى إلى أن واشنطن لا تنظر إلى الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات باعتبارهما ملفين منفصلين عن مسألة سلاح حزب الله، الأمر الذي قد يجعل المرحلة المقبلة أكثر صعوبة على المستوى السياسي، خصوصاً إذا استمر التصعيد الميداني بالتوازي مع بطء تنفيذ التفاهمات.
هل تتفاوض واشنطن مع حزب الله؟
وفي موقف لافت، نفى عيسى أن تكون الولايات المتحدة قد أعلنت استعدادها للتفاوض المباشر مع حزب الله، لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية التواصل إذا كان لدى الحزب "شيء يقدمه".
وقال إن واشنطن لم تقل إنها ستتفاوض مع الحزب، معتبراً أن التفاوض لا يمكن أن يتحول إلى مجرد لقاءات وزيارات من دون مضمون أو نتائج عملية.
وهذه النقطة تحمل دلالة سياسية مهمة، إذ توحي بأن واشنطن لا تبحث حالياً عن حوار مباشر مع الحزب بقدر ما تنتظر خطوات أو مواقف يمكن البناء عليها في ملف السلاح وترتيبات الأمن والسيادة.
إيران.. معلومات محدودة في واشنطن
وعن الوضع في إيران ومدى انعكاسه على لبنان، أقرّ عيسى بأن الملف الإيراني محاط بدرجة عالية من السرية داخل الإدارة الأميركية، قائلاً إن شخصاً أو شخصين فقط في الولايات المتحدة قد يكونان على اطلاع كامل بما يجري. وبذلك، تجنب السفير إعطاء أي تقدير حول مستقبل المفاوضات أو الاتصالات المتعلقة بإيران، مؤكداً أن المعلومات المتوافرة لديه محدودة.
"قسد" ولبنان.. هل يمكن تكرار النموذج؟
وفي ما يتعلق بتجربة اندماج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في الدولة السورية بمباركة أميركية، وإمكانية اعتماد نموذج مشابه في لبنان، قال عيسى إن هذا الحل حصل في سوريا، لكنه لا يعرف تفاصيل كيفية التوصل إليه.
وأضاف أن تحقيق تقدم في المحادثات بين لبنان وإسرائيل يمكن أن يجعل الوضع في لبنان أفضل، في إشارة إلى أن أي صيغة لبنانية ستبقى مرتبطة بخصوصية الوضع اللبناني وتركيبته السياسية والأمنية.
زيارة تحمل رسائل متعددة
وتتجاوز أهمية لقاء عيسى ودريان حدود اللقاء البروتوكولي، إذ يأتي في توقيت تبحث فيه واشنطن عن مظلة لبنانية أوسع لمسارها الدبلوماسي، فيما تمثل دار الفتوى أحد أبرز المراجع الوطنية والروحية القادرة على قراءة المزاج العام والتواصل مع شرائح واسعة من اللبنانيين.
ومن هنا، تبدو زيارة السفير الأميركي محاولة للاستماع إلى موقف المرجعيات اللبنانية، وخصوصاً في ما يتعلق بمستقبل الدولة، والعيش المشترك، والسيادة، والمسار التفاوضي، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى منع انزلاق لبنان إلى مواجهة أوسع.
كما أن تأكيد عيسى من دار الفتوى أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب "كل الشعب اللبناني" وأنها تريد لبنان آمناً ومستقلاً وذا سيادة، يشكل رسالة سياسية موجهة إلى الداخل اللبناني بقدر ما هو موقف دبلوماسي.
وفي المقابل، فإن ربط وقف الاعتداءات الإسرائيلية بملف سلاح حزب الله، وترك مصير علي الطاهر مفتوحاً، والتشديد على استمرار المفاوضات، يرسم ملامح مرحلة مقبلة تبدو شديدة الحساسية، عنوانها الأساسي: هل تنجح واشنطن في تحويل التفاهمات المكتوبة إلى وقائع ميدانية، أم يفرض التصعيد في الجنوب مساراً مختلفاً؟
وتأتي هذه التطورات فيما يستمر التصعيد الإسرائيلي في الجنوب بالتوازي مع المساعي الدبلوماسية، ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان مسار "المناطق التجريبية" سيتوسع، وما إذا كان ملف علي الطاهر سيتحول إلى عقدة جديدة في المفاوضات أو إلى مدخل لتثبيت ترتيبات ميدانية أوسع.












08/29/2026 - 01:57 AM





Comments