بقلم: السيد فرنسوا الجردي
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي، في كثير من الأحيان، مواقع للتواصل الاجتماعي بالمعنى الحقيقي للكلمة. لقد تحوّلت، في ظل غياب الضوابط وانهيار المعايير وتراجع الأخلاق، إلى ساحات مفتوحة للضجيج، ومجارير للكلام، ومكبّات للنفايات الفكرية التي تُرمى في وجوه الناس صباحًا ومساءً.
يكفي اليوم أن يحمل الإنسان هاتفًا، وأن يحفظ جملتين من هنا وثلاث عبارات من هناك، حتى يعلن نفسه محللًا سياسيًا واستراتيجيًا عسكريًا وخبيرًا اقتصاديًا وفقيهًا دينيًا وفيلسوفًا اجتماعيًا. ومن يرفع صوته أكثر، يعتقد أنه يملك الحقيقة أكثر. ومن يشتم ويهين ويحرّض، يظن نفسه شجاعًا. ومن يجمع بعض الإعجابات، يتخيّل أنه أصبح قائد رأي.
أيّ زمن هذا الذي جعل الهاتف شهادة كفاءة، والمنشور دليلًا على الحكمة، وعدد المتابعين معيارًا للعقل؟
من كل الطوائف والاتجاهات والانتماءات، وبلا استثناء، يتكرر المشهد نفسه: ضجيج بلا معرفة، تنظير بلا ثقافة، مزايدات بلا أخلاق، تحريض بلا مسؤولية، ونفاق يتخفّى أحيانًا خلف الشعارات الوطنية والدينية والأخلاقية.
فيسبوك... جمهورية كل من لا يعرف شيئًا عن كل شيء
أصبحنا نعيش في زمن يفهم فيه الجميع بكل شيء.
الجميع خبراء في الحرب، وهم لم يسمعوا رصاصة إلا في الأفلام.
الجميع خبراء في الاقتصاد، وهم لا يعرفون الفرق بين الرأي والمعلومة.
الجميع أوصياء على الدين والأخلاق، بينما صفحاتهم تفيض بالشتائم والتشهير والفضائح.
الجميع دعاة حرية، لكنهم لا يحتملون رأيًا يخالفهم.
إنها جمهورية عجيبة، دستورها الصراخ، وقانونها الشتيمة، وعملتها عدد الإعجابات والمشاركات.
كل مهرّج وجد في هاتفه منبرًا، نصب نفسه خبيرًا. كل نمّام وجد جمهورًا، صار إعلاميًا. كل محرّض وجد مجموعة من المصفقين، أصبح ناشطًا. وكل شخص يعاني من فراغ داخلي، يحاول أن يملأه بالكلام عن الآخرين، والتدخل في حياتهم، ونشر الإشاعات، وتوزيع الاتهامات.
والأسوأ أن كثيرين لم يعودوا يبحثون عن الحقيقة أصلًا. الحقيقة مملة، والتدقيق يحتاج إلى جهد، والاعتراف بالخطأ يحتاج إلى أخلاق. أما الكذبة المثيرة، والإشاعة الساخنة، والفضيحة الملوّنة، والتحريض الطائفي، فكلها تحقق انتشارًا أسرع.
من الحوار إلى النميمة... ومن الحرية إلى البذاءة
حرية التعبير لا تعني حرية تلويث الناس.
والنقد لا يعني التشهير.
والاختلاف لا يعني الإهانة.
والرأي لا يعني الكذب.
والشجاعة لا تعني التحريض على العنف.
لكن هذه الحدود سقطت عند كثيرين.
صار البعض يتعامل مع سمعة الناس كأنها لعبة. يكتبون، يلمحون، يتهمون، وينشرون، ثم يختبئون خلف عبارة: "مجرد رأي شخصي".
أي رأي هذا الذي يدمر حياة إنسان؟
وأي حرية تلك التي تنتهك كرامة الآخرين؟
وأي مجتمع يمكن أن يبقى سليمًا حين تتحول النميمة إلى محتوى، والبذاءة إلى كوميديا، والتحريض إلى بطولة، والرذيلة إلى مادة للترفيه؟
لقد أصبحنا أمام حالة من الانحدار الأخلاقي الجماعي، حيث يتسابق البعض إلى نشر الأسوأ لا الأفضل، والأكثر صدمة لا الأكثر صدقًا، والأكثر ابتذالًا لا الأكثر قيمة.
أبطال الشاشة... جبناء الواقع
هناك أناس لا يملكون في الواقع الجرأة على مواجهة شخص بكلمة محترمة، لكنهم يتحولون خلف الشاشة إلى وحوش. يشتمون الجميع، يتهمون الجميع، يحاكمون الجميع، ويوزعون شهادات الوطنية والخيانة والشرف والانحلال.
إنهم أبطال لوحة المفاتيح.
تراهم يتحدثون عن الكرامة وهم يهينون الناس، وعن الأخلاق وهم يمارسون أبشع أنواع التشهير، وعن الوطن وهم يؤججون الكراهية، وعن السلام وهم يحرضون على العنف.
هؤلاء لا يصنعون رأيًا عامًا، بل يصنعون تلوثًا عامًا.
إنهم تجار الأعصاب، يعيشون على غضب الناس، ويتغذون على خوفهم، ويستثمرون في مصائبهم. كل كارثة بالنسبة إليهم فرصة، وكل خلاف مادة، وكل مأساة وسيلة لجذب الانتباه.
المهم أن يكونوا في الصورة.
مواقع التواصل أصبحت أقلّ اجتماعية وأكثر وحشية
المفارقة المؤلمة أن ما سُمّي بـ"التواصل الاجتماعي" جعل كثيرًا من الناس أقل اجتماعية، وأقل رحمة، وأقل احترامًا.
نلتقي بالآلاف على الشاشة، لكننا لا نعرف كيف نصغي إلى شخص أمامنا.
نتبادل مئات التعليقات، لكننا نعجز عن إجراء حوار حقيقي.
نضغط زر الإعجاب على منشور عن الإنسانية، ثم نشتم إنسانًا في المنشور التالي.
صرنا أكثر اتصالًا بالشبكة، وأقل اتصالًا بالبشر.
اختفت المسافة بين العقل والكلام. سابقًا، كان الإنسان يفكر قبل أن يتكلم، أما اليوم فهناك من يكتب أولًا، ويشتم ثانيًا، وينشر ثالثًا، ثم يفكر — إن فكّر — بعد أن يكون الضرر قد وقع.
ليست المشكلة في المنصة... بل في ما نرميه فيها
فيسبوك، وسائر المنصات، لم تولد قذرة. نحن الذين لوّثناها.
يمكن للهاتف أن يكون وسيلة معرفة، لكنه صار عند البعض مصنعًا للجهل.
يمكن للمنصة أن تكون مساحة للحوار، لكنها تحولت عند البعض إلى حلبة للمصارعة الكلامية.
يمكن للكلمة أن تنقذ، لكنها أصبحت أحيانًا سكينًا لاغتيال السمعة والكرامة.
المشكلة ليست في حرية الكلمة، بل في غياب المسؤولية عنها.
المشكلة ليست في وجود الرأي الآخر، بل في الاعتقاد أن كل رأي يستحق الاحترام حتى عندما يكون قائمًا على الكذب والكراهية والتحريض.
فليس كل ما يقال رأيًا.
وليس كل من يصرخ مثقفًا.
وليس كل من يملك آلاف المتابعين مؤثرًا.
وليس كل من يتحدث كثيرًا لديه شيء يقوله.
حين يصبح الصمت موقفًا أخلاقيًا
ربما أكثر ما نحتاج إليه اليوم ليس مزيدًا من الكلام، بل مزيدًا من الصمت.
ذلك الصمت الذي يسبق التفكير.
الصمت الذي يمنع الإهانة.
الصمت الذي يحمي الناس من إشاعة.
الصمت الذي يعترف بأننا لا نعرف كل شيء.
فأحيانًا يكون الصمت دليلًا على العقل، بينما يكون الكلام المستمر فضيحة للفراغ الفكري.
لقد أصبحنا بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الكلمة، لأن الكلمة التي لا أخلاق فيها تتحول إلى سمّ، والكلمة التي لا مسؤولية فيها تصبح سلاحًا، والكلمة التي لا معرفة وراءها ليست رأيًا، بل ضجيجًا إضافيًا في هذا العالم المزدحم بالضجيج.
الخلاصة: أنقذوا المجتمع من مجارير الكلام
لقد قرفنا من هذا السيرك.
قرفنا من تجار الكلام، ومن أبطال الشاشات، ومن المتفلسفين الذين يبيعون الناس أوهام المعرفة. قرفنا من النميمة التي تُقدَّم كخبر، ومن التحريض الذي يُقدَّم كشجاعة، ومن البذاءة التي تُقدَّم كحرية، ومن الرذيلة التي تُقدَّم كتحرر.
قرفنا من بشر لا يملكون ما يقدمونه للمجتمع سوى الضجيج.
إن مواقع التواصل لا تحتاج فقط إلى قوانين تضبط الجريمة والتحريض والتشهير، بل نحن بحاجة إلى ضوابط أخلاقية داخلية، إلى تربية تعيد للناس احترام الكلمة، وإلى وعي يعلمنا أن ليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله، وليس كل ما نسمعه يجب أن ننشره، وليس كل ما نشعر به يجب أن نرميه على الآخرين. وحين يصبح الجهل رأيًا، والصراخ موقفًا، والبذاءة حرية، والنميمة إعلامًا، والتحريض بطولة، والتفاهة تحليلًا، والمهرّج خبيرًا...
فلا تسألوا لماذا أصبح المجتمع متعبًا وممزقًا وغاضبًا.
اسألوا فقط: كم طنًا من النفايات الفكرية رمينا اليوم في عقول بعضنا البعض؟ لأن الصمت، في زمن الضجيج، ليس ضعفًا. الصمت أحيانًا آخر ما تبقّى من احترام للعقل.











08/29/2026 - 00:29 AM





Comments