تصعيد غير مسبوق في العلاقات الكندية-الأمريكية: من "مزحة الولاية الحادية والخمسين" إلى حرب اقتصادية شاملة
الاعلامي كريم حداد
تشهد العلاقات بين كندا والولايات المتحدة توترًا هو الأشد منذ عقود، بعدما تحوّل الحديث الذي بدأ كمزاح سياسي حول انضمام كندا إلى الولايات المتحدة كـ"الولاية الحادية والخمسين" إلى مواجهة اقتصادية واسعة النطاق، تخللتها تصريحات حادة من كبار المسؤولين في البلدين.
الجذور: مقترح ترامب أمام ترودو في فلوريدا
بدأت القصة في أواخر نوفمبر وبداية ديسمبر 2024 خلال عشاء خاص في منتجع مار-أ-لاغو بولاية فلوريدا، جمع الرئيس الأمريكي المنتخب آنذاك دونالد ترامب ورئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو.
حذّر ترودو من أن فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على السلع الكندية سيقضي على الاقتصاد الكندي، ليرد ترامب باقتراح أن تصبح كندا "الولاية الحادية والخمسين"، وأن يتحول ترودو إلى "حاكم" لها. ورغم أن مسؤولين كنديين وصفوا المقترح بدايةً بأنه مزحة، فإن ترامب عاد وكرره مرارًا عبر منصات التواصل وفي مقابلات إعلامية، معتبرًا أن الكنديين سيستفيدون من تخفيض الضرائب والحماية العسكرية الأمريكية، ومتهمًا كندا بـ"استغلال" الولايات المتحدة عبر عجز تجاري مزعوم.
صعود مارك كارني والرد الصادم في البيت الأبيض
عاد الموضوع إلى الواجهة بعد انتخاب مارك كارني رئيسًا للوزراء. ففي لقاء رسمي في المكتب البيضاوي في مايو 2025، واجه كارني ترامب مباشرة قائلاً: "كما تعرف من عالم العقارات، هناك أماكن ليست للبيع. كندا ليست للبيع، ولن تكون للبيع أبدًا".
ترامب ردّ بعبارة: "لا تقل أبدًا"، مشيرًا إلى أن الأمر "يحتاج إلى طرفين"، وواصفًا الفكرة بأنها "زواج رائع" محتمل. ورغم تراجع الحديث عن الانضمام بعد ذلك اللقاء، ظل ترامب يلمّح إليه من حين لآخر.
اندلاع الحرب الاقتصادية
مع مرور الوقت، تحوّل الضغط السياسي إلى حرب اقتصادية فعلية. فقد فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركية متتالية، بلغت ذروتها في أغسطس 2026 بفرض رسوم بنسبة 50% على سلع كندية تتراوح قيمتها بين 20 و28 مليار دولار أمريكي، شملت النبيذ والعصي الرياضية للهوكي والإسمنت ومنتجات الألبان، وذلك بعد انهيار مفاوضات تجارية مكثفة في واشنطن.
اتهمت كندا الجانب الأمريكي بتقديم مطالب "غير مقبولة"، منها قيود على قدرة كندا على عقد اتفاقات تجارية مع دول أخرى، ومساس باللغة الفرنسية والثقافة الكندية. أما ترامب فاتهم كندا برفض "صفقة جيدة" وبطلب "مزايا الولاية دون أن تكون ولاية".
وردت حكومة كارني بفرض رسوم مضادة مطابقة "دولارًا مقابل دولار ونسبة مقابل نسبة"، تدخل حيز التنفيذ في 8 سبتمبر 2026، وتستهدف قطاعات الصلب ومنتجات الألبان والأجهزة والمعدات الزراعية واللب والورق والإلكترونيات، إلى جانب حزمة دعم بقيمة 7.5 مليار دولار كندي للعمال والشركات المتضررة.
تصريحات أبرز الشخصيات
دونالد ترامب
- "كندا تريد مزايا أن تكون ولاية دون أن تكون واحدة!!!"
- "لقد فرضوا أيضًا رسومًا ضخمة على مزارعينا لسنوات. انتهى الأمر!!!"
- هدّد برفع الرسوم على السيارات والصلب الكندي إلى 50% اعتبارًا من يناير 2027.
- وصف كارني بـ"الحاكم" ورئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد بـ"التابع".
مارك كارني
- "طلبوا الكثير وقدموا القليل. أنت في حرب عندما تتعرض للهجوم، وقد تعرضنا للهجوم".
- أكد أن كندا "سادة في وطنهم من الساحل إلى الساحل"، رافضًا أي صفقة تمس السيادة أو المصالح الوطنية.
دوغ فورد (أونتاريو)
- دعم كارني بقوة، وقال إن ترامب "يمكنه أن يقبل مؤخرتي".
- وصفه بـ"الديكتاتور" و"المتنمر" و"ملك الإفلاس".
- أشار إلى إمكانية استخدام صادرات الكهرباء والطاقة والمعادن الحرجة كورقة ضغط ضمن "فريق كندا".
رؤساء حكومات المقاطعات
- ديفيد إيبي (كولومبيا البريطانية): المطالب الأمريكية كانت ستجعل كندا "المكافئ الاقتصادي للولاية الحادية والخمسين".
- دانييل سميث (ألبرتا): أيدت الانسحاب من الصفقة السيئة، لكنها حذرت من تصعيد يضر بصادرات الطاقة.
- رؤساء وزراء مانيتوبا ونوفا سكوشا ونيو برونزويك وبرينس إدوارد آيلاند: دعم كامل لكارني.
نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس
- قال إن كندا "تعامل السلع الصينية بعدالة أكبر مما تعامل به السلع الأمريكية"، واصفًا ذلك بـ"الجنون".
- أطلق "زلة فرويدية": "يجب أن نتذكر أن كندا ولاية... آسف".
- اتهم كندا بالاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية دون استثمار كافٍ في جيشها.
- ختم: "توقفوا عن استغلال أمريكا. انتهى الأمر".
الوضع الراهن
يتجه البلدان نحو فترة طويلة من التوتر الاقتصادي، مع تأثيرات متوقعة على الوظائف وسلاسل التوريد والأسعار على جانبي الحدود. تؤكد كندا أنها تدافع عن سيادتها واقتصادها، بينما ترى إدارة ترامب أن الضغط ضروري لإعادة توازن التجارة. ورغم أن باب المفاوضات لا يزال مفتوحًا، فإن الثقة المتبادلة وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ عقود.











08/29/2026 - 00:24 AM





Comments