لماذا يمثل السلاح ضرورة وجودية في معادلة الأمن العراقي؟

08/24/2026 - 13:43 PM

Jonathan Amireh

 

 

الكاتب: اسعد عبدالله عبدعلي

في خضم منطقةٍ جغرافيةٍ تتلاطم في أرجائها أمواج التقلبات الجيوسياسية، وتتصدع فيها دعائم الأمن على إيقاع الأزمات المزمنة، يبرز ملف "السلاح" كعقدة العقد وأكثر القضايا حساسية وتعقيداً في مسار الوجود العراقي الراهن. وحين ترتفع الأصوات مناديةً بنزع سلاح الفصائل وإخضاعه لسلطة الدولة وحدها، فإن "خط المقاومة" لا يقرأ هذه الدعوات من منظور تنظيمي عابر، بل يراها من عتبة وجودية بحتة، معتبراً إياها مغامرة كبرى تفتقر إلى الحسابات الدقيقة في إقليمٍ شرسٍ لا يرحم الضعفاء، وتتلبده الغيوم الداكنة والمخاطر المحدقة من كل حدب وصوب.

إن هذا التمسك ببقاء السلاح لا يرتجل من فراغ، ولا يقتات على شعاراتٍ فارغة، بل يستند إلى قراءة واقعية وميدانية لمرآة مشهدٍ تترصّع فيه التهديدات في حلقة مفرغة محكمة الإغلاق، تتناغم فيها وتتكامل أجندات التنظيمات الإرهابية المتربصة، مع الأطماع الإقليمية العابرة للحدود، وفلول الظلام الكامنة في شقوق التاريخ والجغرافيا، لتظل البندقية هناك سوراً أخيراً يحمي حمى البقاء والوجود.

·     شبح داعش النائم... الإرهاب الذي لم ينتهِ بعد

على الرغم من الكرّ والفرّ العملياتي والضربات الأمنية المتلاحقة، ما زال تنظيم "داعش" الإرهابي يمثل شبحاً دموياً يكمن في خفاء الجغرافيا، متوارياً في طيات الصحارى الممتدة، والوديان السحيقة، والمناطق الرخوة التي تفتقر إلى يقظة محكمة. إنه خطرٌ لا يزول بزوال الزبد، بل يكمن كالجمر تحت الرماد، مرتقباً وميض غفلة.

فهو يعتمد اليوم استراتيجية حرب الخفاء والكمائن الخاطفة، متخذًا من أسلوب العصابات نهجاً يقتات على أي ثغرة أمنية أو فراغ عسكري، ليعيد من خلالها ترتيب خلاياه المتناثرة وتضميد جراحه.

وأمام هذا التهديد المراوغ، يبرز منظور "خط المقاومة" ليؤكد أن بقاء الفصائل المسلحة إلى جانب القوات الأمنية الرسمية لا يمثل ترفاً عسكرياً، بل يشكل "صمام أمان" استراتيجياً، وقوة ضاربة تتمتع بمرونة عالية للتدخل السريع وحسم المعارك في المعاقل الوعرة التي قد تعجز القطعات التقليدية عن تفكيك عقدها بالسرعة المطلوبة.

ومن هذا الوحي، فإن مجرد التفكير في تفكيك خط الدفاع الرديف هذا يعني، من وجهة نظر المقاومة، منح الإرهاب طوق نجاة وفرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس، وكرّ الكرة من جديد على المدن الآمنة لتعيد سيرة الرعب والدماء.

·     الحدود الملتهبة والخواء الأمني مع سوريا

تمثل الحدود العراقية-السورية تلك الخاصرة الرخوة والنافذة المفتوحة التي تسرّبت عبرها لسنوات طوال موجات الإرهاب والارتزاق العابر للقيم والوطان، وكأنها جرح نازف في خاصرة الجغرافيا. ومع استمرار الاضطرابات العميقة والتهديدات المتناسلة من رحم الجماعات المسلحة المتواجدة في الساحة السورية، تبرز الحاجة الوجودية الملحة لوجود يقظة مسلحة دائمة لا تكلّ ولا ترتد.

فعلى هذا الشريط الحدود المترامي، تقف فصائل المقاومة بمثابة "خط الدفاع المتقدم" وحائط الصدّ الحصين الذي تقف عنده أطماع الجماعات المتشددة، مانعةً إياها من عبور عتبات السيادة وتصدير الموت من جديد.

إن طبيعة هذه الجغرافيا المعقدة، بمدياتها الشاسعة وتضاريسها الموحشة، تتطلب إمكانيات غير تقليدية وقوات عقائدية تتسلح بالمرونة واليقظة المستمرة، وهي الركيزة الأساسية التي تضطلع بها الفصائل، الأمر الذي يجعل من أطروحة نزع السلاح مغامرة غير محسوبة تفتح الباب على مصراعيه أمام عودة تسلل الخلايا النائمة وإحياء شبح الفوضى.

·     التهديد الإسرائيلي المباشر واعتداءات السيادة

لم يعد الخطر الإسرائيلي مجرد فرضية نظرية تتهادى على صفحات التكهنات السياسية، بل تجسد واقعاً عَضوضاً في شكل خروقات متكررة واعتداءات سافرة تطاول سيادة العراق وتهشم مقدراته الحية.

وفي قلب هذه المعطيات، يقف "خط المقاومة" ليؤكد أن السلاح هو الضمانة الحقيقية الوحيدة لفرض معادلة الردع المتبادل وحماية حمى الوطن؛ فكيان الاحتلال لا يعترف بمنطق الحوار أو المواثيق، بل لا يقرّ سوى بمنطق القوة والجبروت، وإن أي تفريط بجبهة الداخل أو تجريدها من أدوات ردعها يعني تعرية البلاد بشكل كامل أمام أطماع إقليمية لا تتوقف أطرافها عن التمدد.

ومن هذا المنطلق، يمثل وجود قوة مسلحة مستقلة عقائدياً ركيزة محورية تمنح العراق عمقاً استراتيجياً لا يُستهان به ضمن محور المقاومة، مما يسهم في حشد أوراق الضغط الفاعلة لصدّ أي عدوان واسع، وإجهاض مشاريع الهيمنة الصهيونية الرامية إلى تركيع المنطقة ومصادرة مصيرها.

·     خلايا حزب البعث المنحلة... فلول المؤامرة والتربص

وإلى جانب الأخطار الخارجية التي تحيط بالأسوار، لا يزال شبح خلايا حزب البعث المنحل يمثّل هاجساً أمنياً ينطوي على تجارب الماضي وطموحات الارتداد، نظراً لارتباطاته التاريخية العميقة وشبكات تعاطفه السرية التي تتربص باللحظات الحرجة لاستغلال الأزمات السياسية والاجتماعية المتلاحقة.

فهذه الفلول الكامنة لا تفتأ تنشط عبر إثارة الفتن الخفية، واستغلال الثغرات والاحتجاجات لتجييرها لصالح أجندات التخريب، مستهدفة البنى التحتية واستقرار المجتمع لإحداث فوضى عارمة تعيد تدوير عجلة الخراب.

وأمام هذه التمظهرات الميكيافيلية، يرى مؤيدو بقاء السلاح أن اليقظة الثورية المستمرة، ووجود فصائل مسلحة محصنة بوعي أمني وعقائدي متين، يشكلان سدّاً منيعاً يحبط أي محاولة التفاف أو تسلل تقودها هذه الخلايا البائدة للعودة إلى واجهة المشهد السياسي أو الأمني عبر بوابة الفوضى والدمار.

·     لماذا بعض كيانات الداخل تصر على حل الحشد؟

يتأتى الإصرار الخفي والعلني من بعض كيانات الداخل على طرح ملف حل الحشد الشعبي من رؤية تختزل مفهوم السيادة في أشكالها التقليدية الديكورية، متأثرةً بحسابات ضيقة ومقاربات هشة تفصل بين الدولة وعقيدتها الدفاعية.

فهذه الأطراف تنظر إلى السلاح العقائدي من زاوية الخصومة السياسية أو الاسترضاء الخارجي، متجاهلةً الأبعاد الوجودية والتاريخية التي وُلد فيها هذا الكيان من رحم الفتوى المباركة لإنقاذ الوطن من حافة الهاوية.

إنهم يسعون، عن وعي أو قصر نظر، إلى تفكيك صمامات الأمان التي تحميه من التصدع، متوهمين أن نزع السلاح وتركيزه في قوالب بيروقراطية بحتة سيكفل استقراراً طوباوياً، غافلين عن أن بقاء الحشد ليس مجرد خيار تكتيكي، بل هو تجسيد حيّ لإرادة شعبية ترفض الخضوع لإملاءات الإقليم والمهيمنين، وتدرك بعين البصيرة أن الضعف في منطقة تعج بالذئاب هو دعوة صريحة للموت المحتوم.

·     الخاتمة: البندقية واليقين.. سور الأمة الأخير

في ميزان الوجود والمصير، وحين تتزاحم التهديدات على تخوم الوطن من كل فج عميق، لا ترتكن الشعوب الحية إلى أوهام السلام المؤقت أو التطمينات الهشة التي تُنسج في غرف المساومات.

إن السلاح العقائدي المشرع في كفوف المقاومين, ليس ترفاً عسكرياً قابلاً للمساومة، ولا طارئاً على جغرافية الألم والبطولة، بل هو النبض الأخير للبقاء، والسور الحصين الذي تقف عنده كل مشاريع الإبادة والوصاية.

وحين تتكامل خيوط المؤامرة بين إرهابٍ متربص، وأطماعٍ صهيونية غاشمة، وفلولٍ كمنوا في دجى التاريخ، تتجلى الحقيقة ساطعةً لا تقبل التأويل: إن التفريط بالدرع الرديف هو تسليم للرقاب إلى سكاكين الذئاب، وإن بقاء البندقية مشرعةً هو صمام الأمان الأبدي لتبقى راية الوطن خفاقة، عزيزة، يأبى أبناؤها الانكسار أو الخنوع.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment