بيار مارون *
تراجع صادرات إيران عبر مضيق هرمز ليس حدثاً تقنياً ولا رقماً عابراً. إنه كشفٌ قاسٍ لبنية القوة التي بنت عليها الجمهورية الإسلامية نفوذها خلال عقدين. حين تتراجع الموارد إلى هذا الحدّ، لا يعود السؤال: كم تتحمّل إيران؟ بل: ما الذي تعتبره غير قابل للمساس؟ وما الذي تضحّي به حين تضيق عليها الخيارات؟
همّتي قال إن إيران «لا تصدّر النفط». هذا ليس بياناً اقتصادياً. هذا اعتراف. نظامٌ عاجز عن تقديم رواية متماسكة لشعبه، فلجأ إلى الاعتراف بدل التبرير. لا نأخذ «الصفر» على أنه رقم محاسبي دقيق - تبقى مسارات الظل قائمة - لكن الجوهر واضح: قدرة إيران على تحويل نفطها إلى مال بيدها تعرّضت لضربة استثنائية.
والاختناق سابق على تصريح همّتي بأشهر. صادرات أيار هبطت إلى نحو 209 آلاف برميل يومياً فقط، بحسب تقديرات Vortexa، بعد 1.34 مليون في نيسان، ونحو 1.9 مليون في أذار. جاء حزيران بتعافٍ مؤقت، مع نافذة التهدئة والترخيص الأميركي - تعافٍ لم يدم طويلاً. مع انهيار التفاهم عاد الانكماش، وبقوة أكبر: بيانات Kpler الأحدث لتتبّع الناقلات تسجّل هبوطاً من 1.545 مليون برميل يومياً في أواخر حزيران إلى 46,800 فقط في منتصف آب. انخفاض 97%. ليس تراجعاً تدريجياً. هذه ضربة مباشرة لشريان إيران الأول.
الصين هي الاختبار الحقيقي. تقديرات شركات تتبّع الشحن، ومنها Kpler، تشير إلى هبوط كبير في تدفقات الخام الإيراني إلى السوق الصينية، مع تفاوت طبيعي بين التقديرات تبعاً لتوقيت القياس ومنهجية احتساب الشحنات المعتمة. الاتجاه العام لا يتغيّر: عروض إيران للصين انهارت، والصين هي أكبر زبون بقي لطهران.
الدبلوماسية لم تنقذ شيئاً: مذكرة إسلام آباد - 14 بنداً بوساطة باكستانية، ستون يوماً، وعود بأصول مجمّدة وتخفيف عقوبات - تفككت قبل أن تصل إلى شيء ثابت. في أوائل تموز أعلن ترامب أن وقف إطلاق النار انتهى؛ طهران قالت إن واشنطن لم تنفّذ التزاماتها. بحلول منتصف آب، انتهت المهلة من دون تسوية، وسط روايات متضاربة حول تمديد لم يتحقق. الإطار فشل، والأموال الموعودة لم تصل حسبما صرح همّتي. إيران محاصرة من جهتين معاً: نفط لا يخرج بالقدر الكافي، ومال لا يدخل.
طهران بنت شبكات بديلة على مدى سنوات. لكن الشبكات لا تصنع وفرة من عدم. إيران لا تدير ميزانية دولة عادية. تدير منظومة نفوذ بأكملها في آنٍ واحد: الداخل، الصواريخ والمسيّرات، الردع، الوكلاء، شبكات الالتفاف على العقوبات، ومحور المقاومة. في زمن الوفرة يبدو هذا كله استراتيجية واحدة. في زمن الندرة، يتحول إلى تنافس على نفس الدولار.
ويعطي نمط التمويل الحالي مؤشراً أولياً إلى هذه الأولويات. مليار دولار لحزب الله في عشرة أشهر من 2025 - في عزّ الضغط الداخلي والعقوبات، بحسب تقدير وزارة الخزانة الأميركية. هذا ليس بنداً في ميزانية. هذا خط أحمر تحرسه طهران حتى وهي جائعة.
الحوثيون مختلفون. مبيعاتهم غير المشروعة من النفط وحدها تتجاوز ملياري دولار سنوياً، بحسب الخزانة الأميركية. هم ليسوا مستقلين عن إيران، لكنهم أقل عطشاً لتحويلاتها المباشرة. والفصائل العراقية؟ متفاوتة، بعضها له شبكاته الخاصة، بعضها ما زال معلقاً بحبل طهران. إيران تتجه نحو نظام من طبقتين - من تحميه، ومن تتركه يدبّر أمره.
الانكماش لن يعلن عن نفسه. سيظهر بهدوء: تمويل غير متساوٍ بين الحلفاء، تأخر في تعويض السلاح، اعتماد أكبر على المحلي، مشاريع تُؤجَّل ولا تُلغى أبداً بشكل رسمي.
وهنا يبرز سؤال لم تحسمه واشنطن في خطاب موحّد: هل تريد تغيير سلوك النظام، أم أن الضغط بات يستهدف بقاءه نفسه؟ الموقف الأميركي تنقّل بين الاثنين. ترامب نفى أن يكون تغيير النظام هدف الحرب، ثم دعا الإيرانيين إلى استعادة بلدهم، قبل أن يقول لاحقاً إن «تغيير النظام» قد حصل نتيجة مقتل القيادات السابقة، رغم بقاء البنية الأساسية للجمهورية الإسلامية.
وفي 20 آب ذهب وزير الخزانة الاميركي سكوت بيسنت أبعد، عندما وصف العقوبات والحصار بأنهما «ضربة مزدوجة» تهدف إلى انهيار النظام. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط ما إذا كانت واشنطن تريد إسقاطه، بل ماذا تريد أن يبقى بعده: هل تملك تصوراً يحول دون أن يتحول سقوط النظام إلى تفكك للدولة الإيرانية أو اضطراب أوسع في توازنات المنطقة؟ أم أن وضوح هدف الضغط لا يقابله حتى الآن وضوح مماثل بشأن اليوم التالي؟ الحملة المالية قد تكون واضحة في ما تريد هدمه، لكنها لا تكشف بعد بصورة مماثلة ما الذي تريد بناءه مكانه.
وواشنطن تدرك اللعبة. في 20 آب أعادت الخزانة تصنيف حزب الله رسمياً على أنه يعمل «في خدمة النظام الإيراني» تحت قيادة فيلق القدس، وعاقبت في اليوم نفسه عشرة أشخاص يديرون شبكة نقل نقدي للحزب عبر بيوت صرافة ووسطاء تجاريين بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران. ضربة إلى المنبع، وضربة إلى المصبّ، في يوم واحد.
إيران لن تنهار غداً. ما زالت تملك الصواريخ، والوكلاء، والجغرافيا، والقدرة على الرد. لكن تصريحات طهران لن تكشف أولوياتها الحقيقية بقدر ما سيكشفها اتجاه إنفاقها.
الصدمة النفطية ليست في عدد البراميل. هي في السؤال الذي لا تستطيع طهران الهروب منه: ماذا تختار أن تحمي، حين تعجز عن حماية كل شيء؟
* باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة دروع لبنان الموحد - SOUL













08/22/2026 - 07:58 AM





Comments