رسائل لبنانية اعترابية
بقلم: أكرم مندامي زين الدين *
لا أعرف متى يصبح الإنسان مغتربًا فعلًا. هل يوم يحمل حقيبته ويغادر لبنان، أم عندما تمر السنوات ويكتشف أن الحقيبة التي حملها يوم الرحيل أصبحت بيتًا وعائلة وعملًا وعمرًا كاملًا في بلد آخر؟ عشت الاغتراب طويلًا، وتنقلت بين بلدان وقارات، وبنيت حياتي وعملت ونجحت وتعبت، لكنني لم أستطع يومًا أن أحدد المسافة الحقيقية التي تفصل المغترب عن وطنه. فالمسافة بينهما لا تُقاس بالكيلومترات. قد تكون على بعد آلاف الكيلومترات من لبنان، ويكفي اتصال من البيت، أو خبر صغير من القرية، أو اسم تعرفه في نشرة الأخبار، حتى تصبح فجأة أقرب إليه من كثيرين يعيشون فيه.
نحن المغتربين لدينا مشكلة جميلة ومؤلمة في الوقت نفسه: نغادر لبنان، لكننا لا نعرف تمامًا كيف نأخذه من حقائبنا. نحمله معنا إلى أعمالنا وبيوتنا، نحدّث أولادنا عنه، حتى لو لم يعرفوا منه إلا الصيف وصور العائلة، نشتري فيه بيتًا قد لا نسكنه، ونتمسك بأرض ربما لا نزرعها، ونرسل إليه من تعبنا لأن خلف كل حوالة مالية وجهًا نحبه ونرفض أن يحتاج. وحين يمرض لبنان، نتعامل معه كما يتعامل الابن مع أحد والديه؛ نغضب منه، نعاتبه، نقسم أحيانًا أننا تعبنا، ثم لا نلبث أن نسأل: ماذا نستطيع أن نفعل؟
لكنني، بعد كل هذه السنوات، بدأت أسأل نفسي سؤالًا لم يكن سهلًا عليّ: هل يكفي أن نحب لبنان؟
لا أسأل لأنني أشك لحظة في حب المغترب لوطنه. أنا أسأل لأنني أعرف ثمن هذا الحب. أعرف كم سنة من العمر دُفعت بعيدًا عن الأهل، وكم أبًا شاهد أولاده يكبرون وهو يركض وراء مستقبلهم، وكم أمًا انتظرت ابنًا في مطار، وكم مغتربًا قال: «سنة أخرى وأعود»، ثم اكتشف أن السنة أصبحت عشر سنوات وعشرين وثلاثين. وأعرف أيضًا كم مرة عاد هذا المغترب إلى لبنان حاملًا معه ما استطاع، ليس لأن الدولة طلبت منه ذلك، بل لأن البيت طلب، والأهل طلبوا، والقرية طلبت، ولأن شيئًا في داخله كان يقول له دائمًا إن نجاحه في الخارج لا يكتمل إذا لم يصل شيء منه إلى الذين تركهم وراءه.
لهذا لا أقبل أن يُقال للمغترب ببساطة: عليك مسؤولية تجاه وطنك. قبل أن نقول له ذلك، يجب أن نحترم ما دفعه من عمره لهذا الوطن.
ولكنني، وأنا واحد منه، أقول له شيئًا آخر: ربما آن الأوان أن نعيد نحن أيضًا النظر في طريقة حبنا للبنان.
لقد أتقنّا مساعدته، لكن هل ساهمنا بما يكفي في بنائه؟ أتقنّا إرسال المال عندما يقع، لكن هل فكرنا كيف نساعده كي لا يقع كل مرة؟ دفعنا أقساط المدارس والجامعات، ساعدنا الأهل، بنينا البيوت، اشترينا الأراضي، أنقذنا مؤسسات صغيرة من الإقفال، وعدنا في الصيف لنملأ المطاعم والفنادق والأسواق. كل هذا جميل ونبيل وضروري، لكنه يبقى في كثير من الأحيان علاجًا لنتائج الأزمة، لا مشاركة في علاج أسبابها.
وهنا يبدأ السؤال الذي أريد أن أفتحه معكم، لا عليكم: هل نستطيع أن ننقل علاقتنا بلبنان من حب الوطن فقط إلى مسؤولية بنائه؟
أنا لا أريد من المغترب مالًا إضافيًا. أريد منه شيئًا قد يكون أثمن من المال: جزءًا من الخبرة التي اكتسبها، من المعرفة التي تعلمها، من العلاقات التي بناها، ومن النجاح الذي صنعه بيديه في الخارج. تعلمت في سنوات عملي بين أفريقيا والخليج أن الأبواب الكبيرة لا يفتحها المال وحده، بل يفتحها اسم موثوق وعلاقة صادقة وخبرة تعرف طريقها. رأيت كيف يختصر لبناني واحد، بنى سمعته في سوق بعيدة، سنوات كاملة على مؤسسة تبحث عن مدخل. هذه هي الثروة التي أتحدث عنها: الطبيب الناجح في أميركا يفتح بابًا لطبيب شاب في لبنان، ورجل الأعمال في أفريقيا أو الخليج يربط مؤسسة لبنانية بسوق جديدة، والمهندس والأستاذ الجامعي والباحث يعيد إلى جامعته شيئًا مما تعلمه في العالم. كل واحد منا يستطيع أن يضع حجرًا، ولو صغيرًا، في مكانه الصحيح.
ولا أريد من الجمهورية، في المقابل، أن تقف على الشاطئ تعدّ الدولارات الآتية من أبنائها.
يا جمهوريتي، نحن لسنا حوالة مالية.
وراء كل دولار وصل إليك ساعة عمل في بلد آخر. وراء كل منزل بناه مغترب سنوات ربما عاشها في منزل مستأجر. وراء كل قسط جامعة دفعه أب لابنه تعب لا يظهر في كشوف المصارف. ووراء كل لبناني نجح في العالم قصة كان يمكن، لو كانت الظروف مختلفة، أن تُكتب على أرضك.
لذلك، عندما تسألين المغترب ماذا قدم لك، اسمحي له أن يسألك أيضًا: ماذا قدمتِ له؟
هل حفظتِ حقه وجعلتِ استثماره آمنًا؟ هل جعلتِ أولاده يشعرون أنهم أبناء وطن لا أبناء زائر؟ هل بنيتِ دولة تجعل اللبناني في الخارج يفكر في العودة إليها، أم بقيت العودة بالنسبة إليه حلمًا جميلًا يخاف أن يختبره في الواقع؟
هذه ليست محاكمة للجمهورية، كما أنها ليست تبرئة للمغترب. إنها محاولة لإعادة كتابة العلاقة بينهما.
أنا أريد لبنانًا لا يحتاج إلى مغتربيه فقط عندما يحتاج إلى دولاراتهم، وأريد اغترابًا لا يتذكر لبنان فقط عندما يشتاق إليه. أريد علاقة يصبح فيها نجاح اللبناني في أي مكان من العالم جزءًا من قوة الجمهورية، وتصبح الجمهورية بدورها مكانًا يحمي نجاح أبنائها بدلًا من أن يدفعهم إلى حمله والرحيل.
ربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للمسؤولية: ألا نكتفي بأن نقول لوطننا إننا نحبه، بل نسأل أنفسنا ماذا فعل حبنا به.
وأنا، بعد عمر من الاغتراب، لا أريد أن أقول للبنان إنني اشتقت إليك. قلتها كثيرًا، وعاشها ملايين اللبنانيين قبلي ومعي. أريد أن أقول له شيئًا أصعب:
يا وطني، حملناك معنا طويلًا. آن الأوان أن نجلس معًا ونسأل: كيف نحملك إلى المستقبل؟
لكن هناك سؤالًا آخر يقف خلف هذا السؤال، وربما يكون أكثر إيلامًا منه: إذا كان لبنان يملك كل هذه العقول المنتشرة في العالم، فلماذا اضطر إلى خسارتها أصلًا؟
وهناك تبدأ رسالتي المقبلة: هجرة العقول.
* مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية












08/22/2026 - 06:49 AM





Comments