ترامب والاختبار الأصعب في أوكرانيا...

08/17/2026 - 13:14 PM

Atlantic home care

 

 

 

 جاد صليبا *

حين وعد دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية للعودة إلى البيت الأبيض، بإنهاء الحرب الروسية ـ الأوكرانية في أربع وعشرين ساعة، بدا كأنه يقدّم إلى الناخبين حلًا سريعًا لحرب تحولت إلى واحدة من أعقد الأزمات الدولية. كان هذا الوعد جزءًا أساسيًا من خطابه الانتخابي، إذ قدّم ترامب نفسه باعتباره قادرًا على إنهاء الحرب التي عجزت إدارة سلفه الديمقراطي جو بايدن عن وضع حدٍّ لها.

لكنّ الواقع السياسي والعسكري أكثر تعقيدًا بكثير. عاد ترامب إلى البيت الأبيض وأدى اليمين الدستورية رئيسًا للولايات المتحدة لولاية ثانية في 20 كانون الثاني/يناير 2025. وبعد مرور أكثر من عام ونصف عام على بداية ولايته الثانية، لا تزال الحرب مستمرة، ولا يزال السلام الشامل بعيدًا عن متناول الأطراف المتحاربين.

ميدانيًا، لم يتغيّر جوهر المشهد: روسيا تواصل هجماتها الصاروخية والجوية باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ، فيما تواصل أوكرانيا استهداف مواقع وأهداف داخل الأراضي الروسية. وفي صيف 2026، لا تزال المدن والمنشآت الحيوية الأوكرانية عرضة للهجمات، بينما تحاول كييف استخدام قدراتها البعيدة المدى للضغط على موسكو. هذا يعني أن الحرب لم تدخل بعد مرحلة وقف إطلاق نار مستقر، بل ما زالت مفتوحة على مزيد من التصعيد.

أما على المستوى الدبلوماسي، فقد تمكن ترامب من تحقيق أمر لم يكن سهلًا: إعادة الاتصالات المباشرة بين واشنطن وموسكو إلى الواجهة، توازيًا مع استمرار التواصل الأميركي مع كييف. كذلكَ، جعَلَ ترامب التفاوضَ لإنهاء الحرب أولويةً في السياسة الخارجية الأميركية. لكنّ فتح قنوات الحوار شيء، والتوصل إلى اتفاق سلام شيء آخَر تمامًا.

العقدة الأساسية تكمن في أن موسكو وكييف لا تنظران إلى الحرب من المنظور نفسه. روسيا تريد ترتيبات أمنية وسياسية تضمن مصالحها الاستراتيجية وتكرّس ما تعتبره مكاسب حققتها خلال الحرب، بينما تتمسك أوكرانيا بسيادتها ووحدة أراضيها وتطالب بضمانات أمنية تمنع تكرار الغزو مستقبلًا. وبين الموقفين، تقف الولايات المتحدة وأوروبا أمام مهمة شديدة التعقيد.

وهنا تظهر حدود القوة الأميركية: ترامب يستطيع ممارسة ضغط اقتصادي وسياسي وعسكري هائل، لكنه لا يستطيع أن يفرض وحده اتفاقًا يوافق عليه الطرفان. فأي تسوية دائمة تحتاج إلى موافقة أوكرانية، وإلى استعداد روسي للتراجع عن بعض المطالب، وإلى قبول أوروبي باتفاق ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن القارة.

والأهم أن أوروبا لم تعد مستعدة لأن تكون مجرد متلقٍّ للقرارات الأميركية، ذلك أنّ أي اتفاق يتعلق بمستقبل أوكرانيا سيؤثر مباشرة في منظومة الأمن الأوروبية. لذلك تصر العواصم الأوروبية على أن يكون لها دور في أي تسوية نهائية، وأن تتضمن التسوية ضمانات حقيقية لأمن أوكرانيا.

من هنا يمكن فهم سبب انتقال خطاب ترامب تدريجًا من الحديث عن إنهاء الحرب خلال 24 ساعة إلى التركيز على الضغوط والمفاوضات والمهل الزمنية. فالواقع أثبت أن الحرب الروسية ـ الأوكرانية ليست صفقة تجارية يمكن إبرامها سريعًا، بل نزاع يرتبط بالأراضي والسيادة والأمن القومي والتوازنات الدولية.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ القول إن إدارة ترامب لم تحقق أي تقدم. فهي أعادت قضية المفاوضات إلى مركز المشهد السياسي الدولي، وحاولت استخدام النفوذ الأميركي للضغط على موسكو وكييف معًا. كذلك فإن استمرار التهديد بالعقوبات الاقتصادية يمنح واشنطن ورقة إضافية في مواجهة روسيا. لكن هذه الأدوات تحتاج إلى وقت حتى تتحول إلى نتائج سياسية ملموسة.

المشكلة الأساسية تتمثل في أن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب. يمكن أن تتوقف المدافع أسابيعَ أو أشهرًا، ثم تعود المعارك إذا لم تُعالَج أسباب النزاع. ولذلك فإن أي اتفاق موقت لن يكون انتصارًا حقيقيًّا لترامب ما لم يتحول إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار.

بعد أكثر من عام ونصف عام على بدء ولايته الثانية، أصبح واضحًا أن وعد الـ«24 ساعة» كان أقرب إلى شعار انتخابي منه إلى جدول زمني قابل للتنفيذ. لكن هذا لا يعني أن ترامب عاجز عن التأثير في مسار الحرب. فالرئيس الأميركي يملك أدوات ضغط لا يملكها أي طرف آخَر، ويمكنه دفع الطرفين نحو تسوية إذا نجح في الجمع بين الضغط الدبلوماسي والاقتصادي وبين تقديم مخرج سياسي مقبول.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لترامب. فالتحدي لم يعد إثبات أنه يستطيع إنهاء الحرب في يوم واحد، بل إثبات أنه يستطيع إنهاءها بطريقة تمنع اندلاعها مجددًا بعد أشهر أو سنوات. أما إذا أفضت جهوده إلى هدنة موقتة تعود بعدها العمليات العسكرية، فسوف يبقى وعد الـ«24 ساعة» رمزًا للفجوة بين الخطاب الانتخابي وتعقيدات السياسة الدولية.

في النهاية، لا تزال أوكرانيا بعيدةً من السلام النهائي، لكن الحرب لم تعد أيضًا مجرد مواجهة عسكرية بين موسكو وكييف. إنها اختبار للنظام الأمني الأوروبي، وللعلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا، ولمستقبل الدور الأميركي في العالم. ولهذا فإن أي سلام حقيقي لن يكون صفقة سريعة، بل تسوية تاريخية تحتاج إلى تنازلات مؤلمة وضمانات قوية وإرادة سياسية لدى جميع الأطراف.

وإذا كان ترامب يريد أن يسجل اسمه باعتباره الرئيس الذي أنهى الحرب، فإن التاريخ لن يحاسبه على عدد الساعات التي استغرقها في إعلان بلوغ النهاية، بل على قدرته على صناعة سلام يصمد بعد مغادرته البيت الأبيض.

 

* صحافي مستقل مهتم بالشأن العربي والدولي

عضو نقابة محرري الصحافة اللبنانية

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment