بيار مارون *
الإجراء الأميركي الصادر في 20 آب 2026 لا يغيّر حقيقة أن «حزب الله» مصنّف إرهابيًا في الولايات المتحدة منذ عقود، لكنه يضيف بعدًا جديدًا إلى توصيف علاقته بإيران. فقد حُدّث سجل الحزب لدى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) ليشمل برنامج الحرس الثوري الإيراني، مع ربطه صراحة بفيلق القدس. وبحسب بيان أميركي اطلعت عليه وكالة رويترز، أعادت وزارة الخزانة تصنيف الحزب على أساس «خدمته للنظام الإيراني تحت قيادة فيلق القدس»، فيما أوضح مسؤول أميركي أن الهدف من الخطوة هو إبراز أن الحزب يتصرف نيابة عن الحكومة الإيرانية، وتحديدًا فيلق القدس.
وما يمنح هذا التوصيف الأميركي ثقلًا إضافيًا أنه يتقاطع مع تصريح علني لافت لمسؤول إيراني رفيع سبقه بخمسة أيام. ففي 15 آب 2026، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إنه لا يزال على تواصل مباشر مع مقاتلي «حزب الله» على الخطوط الأمامية في لبنان، مشيرًا إلى معرفته الشخصية بعدد من قياداته وعناصره، وإلى انخراطه في الشأن اللبناني منذ عام 1985. وقال في حديثه عن هؤلاء المقاتلين إنه يعرفهم «فردًا فردًا»، وإنه لا يزال على تواصل مع الموجودين على خط المواجهة.
هذا التصريح لا يثبت بحد ذاته وجود قيادة عملياتية إيرانية للحزب، ولا ينبغي تحميله هذا المعنى. لكنه يقدم، من مسؤول إيراني رفيع نفسه، دليلًا علنيًا على عمق التواصل المباشر مع مقاتلي الحزب في جنوب لبنان. ومن هذه الزاوية، يصبح التزامن بين تصريح قاليباف وإعادة التصنيف الأميركية لافتًا سياسيًا، من دون افتراض وجود علاقة سببية بين الحدثين.
هذه ليست تفاصيل تقنية. فالفرق كبير بين التعامل مع تنظيم لبناني حليف لإيران، وبين التعامل معه ضمن شبكة أمنية إقليمية تربطه واشنطن بصورة أكثر مباشرة بالنظام الإيراني وفيلق القدس. وكلما أصبح هذا الربط أكثر وضوحًا، تقلّصت مساحة التعامل مع الحزب كملف لبناني منفصل، واتسعت مساحة إدراجه ضمن المواجهة الأميركية مع إيران نفسها. من هنا يصبح مستقبل الحزب مرتبطًا أكثر فأكثر بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران، سواء اتجهت نحو تفاوض أو تصعيد أو تسوية إقليمية.
من العقوبات إلى التعطيل الوظيفي
اللافت في الإجراء الأخير أنه لم يقتصر على تجميد أصول، بل استهدف شبكة من الأفراد المتهمين بنقل الأموال عبر مسارات عابرة بين إيران ولبنان ودول أخرى في المنطقة. وهذا يعكس مرحلة مختلفة عن سابقاتها: فالعقوبات لم تعد تهدف فقط إلى منع الوصول إلى المال، بل أيضًا إلى تعطيل القدرة على تحويل المال إلى قدرة تشغيلية.
يمكن تسمية هذا بـ«التعطيل الوظيفي». فقيمة المال الحقيقية بالنسبة إلى تنظيم كـ «حزب الله» ليست في امتلاكه فقط، بل في القدرة على تحريكه وإخفائه وتحويله وإدخاله في دورة تؤمّن السلاح واللوجستيات والنفوذ.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فمن المرجح أن تتوسع دائرة الاستهداف لتشمل شركات واجهة، وشبكات نقل، ووسطاء ماليين وتجاريين، ومسارات تحويل غير رسمية، داخل لبنان وخارجه.
المعادلة اللبنانية: الكلفة ليست ميزان القوة
هنا تكمن المشكلة الأساسية.
لبنان دولة ضعيفة، اقتصادها هش، ومؤسساته تعمل داخل نظام سياسي متداخل الولاءات. رفع كلفة عمل الحزب لا يعني تلقائيًا تقوية الدولة أو تغيّر ميزان السلطة.
الضغط الخارجي قادر على تعديل هامش حركة الحزب، لكنه لا يستطيع وحده أن يبدّل موازين القوى الداخلية؛ ذلك يحتاج إلى قدرة تنفيذية حقيقية لدى الدولة، لا مجرد موقف سياسي أو تصريحات.
فإذا ارتفعت كلفة عمل الحزب من دون أن ترتفع قدرة الدولة بالتوازي، فلن يتغيّر شيء جوهري في موازين القوة الداخلية. والسيادة هنا ليست بيانًا سياسيًا، بل قدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.
واستعادة احتكار الدولة للسلاح تحتاج إلى جيش قادر ومموّل، وأجهزة أمنية مستقلة، وقضاء فعّال، ومؤسسات رقابية حقيقية، وحدود مضبوطة، واقتصاد قادر على تحمّل الضغوط، إضافة إلى غطاء سياسي داخلي يمنع تحويل مسألة السيادة إلى مواجهة أهلية. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الدولة اللبنانية تريد ذلك، بل ما إذا كانت تملك القدرة على تطبيقه.
الجواب اليوم: ليس بعد. الدعم الخارجي: رافعة لا وصاية
تاريخ لبنان يعلّم أن التدخلات الخارجية قد تتحول من جزء من الحل إلى جزء من المشكلة. لذلك يجب أن يكون هدف أي دعم عربي أو دولي هو تقوية الدولة اللبنانية، لا بناء وصاية جديدة عليها.
إضعاف البنية الموازية من دون تقوية الدولة بالتوازي يخلق فراغًا يملؤه من يملك السلاح لا من يملك الشرعية.
أما تقليص نفوذ هذه البنية بالتوازي مع رفع قدرة المؤسسات الشرعية، فيمكن أن يفتح الباب أمام تغيير تدريجي وحقيقي في ميزان القوة.
ماذا تريد واشنطن؟ لا يمكن الجزم بذلك.
فالسياسة الأميركية تجاه الحزب تتقاطع مع ثلاثة اعتبارات كبرى: العلاقة مع إيران، وأمن إسرائيل، واستقرار لبنان. ولهذا قد تبقى واشنطن تتحرك بين الضغط والاحتواء، وبين رفع السقف وترك نافذة للتفاوض، بحسب مسار الأحداث الإقليمية.
إجراء 20 آب مهم، لكنه ليس نهاية المعركة. قد ينجح في تعطيل جزء من الشبكات التي تمنح الحزب قدرته التشغيلية، لكنه لن يحسم المعضلة اللبنانية وحده.
الاختبار الحقيقي يبدأ حين يتحول تضييق قدرة البنية الموازية إلى فرصة فعلية لزيادة قدرة الدولة الشرعية.
العقوبات تغيّر الكلفة. الدولة وحدها تغيّر الواقع.
*باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة دروع لبنان الموحد SOUL
#Hezbollah #Lebanon #Treasury #Sanctions #IRGC #QudsForce
#حزب_الله #العقوبات_الأميركية #فيلق_القدس #لبنان #السيادة_اللبنانية #إيران












08/20/2026 - 14:56 PM





Comments